مدخرات العمال في مهبّ البطاطا… من يعبث بصندوق الضمان؟

باسم الشورة
نيسان ـ نشر في 2026/02/23 الساعة 00:00
ليس أخطر على ثقة الناس من أن يروا مدخراتهم التي اقتُطعت من أعمارهم ورواتبهم تُدار بعقلية التجربة والخطأ. أن يُزجّ بصندوق الضمان الاجتماعي في استثمارات موسمية عالية المخاطر كزراعة البطاطا، فذلك لا يبدو قرارًا اقتصاديًا مدروسًا بقدر ما يبدو استخفافًا صريحًا بفكرة الضمان نفسها وبالأمان الذي وُجد من أجله.
الضمان الاجتماعي لم يُنشأ ليكون تاجر مواسم، ولا مضارب سوق، ولا حقلًا مفتوحًا للمغامرة تحت رحمة الطقس وتقلب الأسعار وفوضى العرض والطلب. هو صندوق أمان وطني، يُفترض أن تُدار أمواله بأقصى درجات الحذر والاحتراف، لأن أي خطأ فيه لا يُقاس بخسارة مالية فقط، بل بخسارة ثقة مجتمع كامل ينتظر تقاعده وشيخوخته ولقمة أطفاله من هذه الأموال.
أي تخطيط هذا الذي لم يجد أمامه سوى الزراعة الموسمية، وهي من أكثر القطاعات هشاشة وتقلبًا؟ وأي عقلية استثمار ترى في محصول سريع التلف، مرتبطًا بالمناخ والسوق والنقل والكلفة، خيارًا مناسبًا لأموال ملايين المشتركين؟ السؤال لم يعد عن جدوى البطاطا، بل عن جدوى النهج كله، وعن الجهات التي قررت، ومن راجع، ومن حاسب، ومن يملك الشجاعة ليصارح الناس بالحقيقة كاملة.
الأخطر من القرار هو الصمت الذي يحيط به، وكأن أموال الضمان شأن إداري داخلي لا حق عام. هنا تتحول المسؤولية من إدارة إلى حكومة، ومن ملف مالي إلى اختبار رقابي لمجلس النواب. فإما شفافية فورية تكشف حجم الاستثمارات ومخاطرها وعوائدها، وإما أن يبقى الشك مشروعًا، والغضب مبررًا، والخوف على مستقبل الصندوق حاضرًا في كل بيت.
أموال الضمان ليست فائض خزينة، ولا صندوق إنقاذ لمشاريع مرتجلة، ولا مساحة لاجتهادات غير محسوبة. هي حقوق الناس التي دُفعت قسرًا لتكون حصنهم الأخير حين يضعف الجسد ويغيب الدخل. ومن يغامر بها، يغامر باستقرار مجتمع كامل، لا بمشروع زراعي عابر.
إن كان هناك من يظن أن الأمر تفصيل صغير، فليتذكر أن الثقة حين تُمسّ لا تُرمم بالبيانات، وأن أمن الناس الاجتماعي أكبر من أن يُربط بموسم بطاطا، وأثقل من أن يُدار بمنطق “نجحت التجربة أو لم تنجح”. ما يحتاجه الناس اليوم ليس تبريرًا، بل محاسبة واضحة، واستراتيجية استثمار تُعلن بلا مواربة، وإدارة تدرك أن أموال الضمان خط أحمر لا يُسمح بالاقتراب منه بمنطق المغامرة.
فالضمان الاجتماعي ليس أرضًا للزراعة… بل عهد أمان، ومن يفرّط بالعهد يتحمّل مسؤولية التاريخ قبل مسؤولية القانون.
    نيسان ـ نشر في 2026/02/23 الساعة 00:00