عمر حرفوش.. عربي الأصل عاد من الموت ليقود حرباً على العصابات في المكسيك
نيسان ـ نشر في 2026/02/24 الساعة 00:00
هدف واضح ومحدد، كان نصب أعين عصابات المكسيك في فجر يوم دام في مكسيكو سيتي، عام 2020، رأس عمر غارسيا حرفوش رئيس شرطة العاصمة آنذاك هو المطلوب القضاء عليه من العصابات، وبالفعل تفتح العصابات النار بلا تردد، ولكن حنكة الرجل العربي الأصل جعلته ينجو من وابل الرصاص، ويخرج بطلاً مثل مشاهد الأفلام الهوليودية.. ويخرج حرفوش وقتها ويتهم كارتيل خاليسكو بمحاولة قتله.
في المكسيك، لا تُنسى الرسائل التي تُكتب بالرصاص.
بعد ست سنوات تقريبا، تغيّر المشهد، وبات اليوم، يجلس عمر غارسيا حرفوش على قمة الهرم الأمني في البلاد وزيرا للأمن والحماية المدنية في حكومة الرئيسة كلاوديا شينباوم، بعد أن اختارته لقيادة ملف الجريمة المنظمة على المستوى الفيدرالي.
ووصفت رويترز تعيينه عام 2024 بأنه رهان على تكرار تجربته الأمنية في مكسيكو سيتي، حيث نُسب إليه خفض معدل الجريمة في العاصمة خلال فترة عمله هناك.
ثم جاء الخبر الذي هزّ المكسيك والمنطقة، مقتل زعيم كارتيل خاليسكو، نيميسيو أوسيغويرا سرفانتيس المعروف بـ"إل مينشو"، خلال عملية عسكرية كبرى في ولاية خاليسكو.
ووفق رواية رويترز، قُتل في العملية وما تلاها ما لا يقل عن 74 شخصا، بينهم 25 من الحرس الوطني، وسط موجة انتقامية واسعة وحرائق وقطع طرق في عشرات النقاط.
هنا تبدأ القصة بصيغتها الأكثر إثارة، الرجل الذي حاولت الكارتيلات دفنه تحت وابل النار، صار لاحقًا جزءًا من الدولة التي وجّهت أخطر ضربة لخصمه التاريخي.
في 2020، كان حرفوش هو المستهدف المباشر، أكدت مصادر إعلامية أنه خرج من محاولة الاغتيال بثلاث إصابات، وأنه وجّه الاتهام إلى عصابات المخدرات من سريره في المستشفى.
جذور عربية.. واسم لا يختبئ
عمر غارسيا حرفوش ليس اسمًا عابرًا في المشهد المكسيكي، ولا فقط بسبب منصبه.
هو ابن السياسي المكسيكي خافيير غارسيا بانياغوا، ووالدته الممثلة المعروفة ماريا سورتي (ماريا حرفوش هيدالغو).
وفي تقارير صحفية وسير منشورة، يظهر بوضوح ارتباط اسم "حرفوش" بجذور لبنانية.
كما أشارت "إل باييس" إلى نسبه السياسي والعسكري داخل الدولة المكسيكية، بما يمنحه حضورًا مركبًا بين الأمن والسياسة والرمزية العامة.
بهذا المعنى، يصبح حرفوش في السردية العامة المكسيكية شخصية تجمع عالمين، صلابة المؤسسة الأمنية، وحضور الاسم العائلي ذي الأصل العربي.
وهذا بالضبط ما يجعل قصته قابلة للتحول إلى "بطل أسطوري" في الإعلام، رجل يحمل إرثًا معقّدًا ما بين تراث عربي مليء بالفروسية وصرامة عسكرية وقدرة سياسية موروثة من الأب، ويقف في أخطر خط تماس داخل دولة تحارب الكارتيلات يوميًا.
ضربة "إل مينشو".. انتصار دولة أم صفحة شخصية مؤجلة؟
الرواية الرسمية تقول إنها عملية دولة، وليست تحركاً لجهاز أمني منفرد، استخبارات، قوات خاصة، تنسيق مؤسسي، ومتابعة لاحقة لمنع إعادة التشكل داخل الكارتيل، رويترز نقلت أن الولايات المتحدة قدمت معلومات استخباراتية، بينما شددت السلطات المكسيكية على أن التنفيذ كان مكسيكيًا، وأن العملية انتهت بمقتل "إل مينشو" متأثرًا بإصاباته أثناء نقله، كما نقلت الوكالة تصريحات لوزير الدفاع ومسؤولين، بينهم عمر حرفوش، عن الاعتقالات اللاحقة ومراقبة قيادات التنظيم.
لكن في القراءة السياسية والشعبية، يصعب تجاهل عنصر الذاكرة، فهذا هو الرجل نفسه الذي حمّله "إل مينشو" قبل سنوات رسالة موت علنية في قلب العاصمة.
واليوم، هو نفسه يجلس في موقع يمكّنه من تنسيق الرد الوطني على الكارتيل الأشدّ تسليحًا ونفوذًا.
هل هي ثأر شخصي؟ ربما ليس بالمعنى القانوني أو الرسمي، لكنها بالتأكيد لحظة نادرة يتقاطع فيها الجريح السابق مع سلطة الدولة الحالية، في مشهد يرتبط بتاريخ الحكايات والدراما المكسيكية.
لا بطل بلا ظلال
أي قصة أمنية كبيرة في المكسيك لا تأتي بلا ملفات ثقيلة، "إل باييس" أشارت إلى أن اسم حرفوش طُرح ضمن السجالات المرتبطة بقضية اختفاء 43 طالبًا في أيوتزينابا، وهي القضية التي ما زالت جرحًا مفتوحًا في البلاد.
التقرير يوضح أيضًا أن حرفوش نفى الاتهامات المرتبطة به في هذا الملف، واعتبرها مزاعم مؤذية وغير منطقية.
وهذه النقطة مهمة جدًا في أي مادة تقريرية متوازنة، فصورة "المنقذ" في المكسيك ليست ناصعة بالكامل، بل محاطة دائمًا بصراع السرديات، والاتهامات السياسية، والحسابات القديمة، ومثلما يلاحق رجل الأمن العصابات بالسلاح للتطهير، تلاحق مافيا العصابات رجال الأمن في المكسيك بالشائعات والحكايات الملفقة لتشويه سمعته.
أزمة المكسيك ليست سياسية، بقدر ما هي تغول نفوذ العصابات وتداخل مفاسدها مع بعض عناصر الدولة، وبالتالي فالمكسيك لا تبحث اليوم عن خطيب سياسي مفوه فقط، بل عن مدير أزمة دائم.
رويترز وصفت تعيين عمر حرفوش وزيرًا للأمن كجزء من استراتيجية شينباوم لمواجهة الجريمة المنظمة وتعزيز قدرات الدولة الاستخباراتية والتحقيقية. وفي أحدث اختبار كبير، ظهر اسمه في قلب المشهد عقب مقتل "إل مينشو" وما تلاه من فوضى، باعتباره المسؤول الأول عن التنسيق الأمني الوطني إلى جانب بقية المؤسسات.
في بلد تُقاس فيه قوة الدولة أحيانًا بقدرتها على الصمود أمام كارتيل واحد، تبدو قصة عمر غارسيا حرفوش بالنسبة لمؤيديه كرجل من أصول عربية، نجا من القبر، ثم عاد ليقود أخطر معركة ضد من حاولوا دفنه.
لكن الحقيقة الأوسع تبقى أكثر تعقيدًا، المكسيك مازالت وسط النيران المندلعة، والكارتيلات كشباك العنكبوت متواصلة ومتجذرة ولا تسقط بضربة واحدة، غير أن صعود حرفوش، ومشهد "إل مينشو" بعد 2020، يقدّمان قصة ملهمة من القصص الكبرى، حين يتحول المستهدف إلى مهندس الرد.
في المكسيك، لا تُنسى الرسائل التي تُكتب بالرصاص.
بعد ست سنوات تقريبا، تغيّر المشهد، وبات اليوم، يجلس عمر غارسيا حرفوش على قمة الهرم الأمني في البلاد وزيرا للأمن والحماية المدنية في حكومة الرئيسة كلاوديا شينباوم، بعد أن اختارته لقيادة ملف الجريمة المنظمة على المستوى الفيدرالي.
ووصفت رويترز تعيينه عام 2024 بأنه رهان على تكرار تجربته الأمنية في مكسيكو سيتي، حيث نُسب إليه خفض معدل الجريمة في العاصمة خلال فترة عمله هناك.
ثم جاء الخبر الذي هزّ المكسيك والمنطقة، مقتل زعيم كارتيل خاليسكو، نيميسيو أوسيغويرا سرفانتيس المعروف بـ"إل مينشو"، خلال عملية عسكرية كبرى في ولاية خاليسكو.
ووفق رواية رويترز، قُتل في العملية وما تلاها ما لا يقل عن 74 شخصا، بينهم 25 من الحرس الوطني، وسط موجة انتقامية واسعة وحرائق وقطع طرق في عشرات النقاط.
هنا تبدأ القصة بصيغتها الأكثر إثارة، الرجل الذي حاولت الكارتيلات دفنه تحت وابل النار، صار لاحقًا جزءًا من الدولة التي وجّهت أخطر ضربة لخصمه التاريخي.
في 2020، كان حرفوش هو المستهدف المباشر، أكدت مصادر إعلامية أنه خرج من محاولة الاغتيال بثلاث إصابات، وأنه وجّه الاتهام إلى عصابات المخدرات من سريره في المستشفى.
جذور عربية.. واسم لا يختبئ
عمر غارسيا حرفوش ليس اسمًا عابرًا في المشهد المكسيكي، ولا فقط بسبب منصبه.
هو ابن السياسي المكسيكي خافيير غارسيا بانياغوا، ووالدته الممثلة المعروفة ماريا سورتي (ماريا حرفوش هيدالغو).
وفي تقارير صحفية وسير منشورة، يظهر بوضوح ارتباط اسم "حرفوش" بجذور لبنانية.
كما أشارت "إل باييس" إلى نسبه السياسي والعسكري داخل الدولة المكسيكية، بما يمنحه حضورًا مركبًا بين الأمن والسياسة والرمزية العامة.
بهذا المعنى، يصبح حرفوش في السردية العامة المكسيكية شخصية تجمع عالمين، صلابة المؤسسة الأمنية، وحضور الاسم العائلي ذي الأصل العربي.
وهذا بالضبط ما يجعل قصته قابلة للتحول إلى "بطل أسطوري" في الإعلام، رجل يحمل إرثًا معقّدًا ما بين تراث عربي مليء بالفروسية وصرامة عسكرية وقدرة سياسية موروثة من الأب، ويقف في أخطر خط تماس داخل دولة تحارب الكارتيلات يوميًا.
ضربة "إل مينشو".. انتصار دولة أم صفحة شخصية مؤجلة؟
الرواية الرسمية تقول إنها عملية دولة، وليست تحركاً لجهاز أمني منفرد، استخبارات، قوات خاصة، تنسيق مؤسسي، ومتابعة لاحقة لمنع إعادة التشكل داخل الكارتيل، رويترز نقلت أن الولايات المتحدة قدمت معلومات استخباراتية، بينما شددت السلطات المكسيكية على أن التنفيذ كان مكسيكيًا، وأن العملية انتهت بمقتل "إل مينشو" متأثرًا بإصاباته أثناء نقله، كما نقلت الوكالة تصريحات لوزير الدفاع ومسؤولين، بينهم عمر حرفوش، عن الاعتقالات اللاحقة ومراقبة قيادات التنظيم.
لكن في القراءة السياسية والشعبية، يصعب تجاهل عنصر الذاكرة، فهذا هو الرجل نفسه الذي حمّله "إل مينشو" قبل سنوات رسالة موت علنية في قلب العاصمة.
واليوم، هو نفسه يجلس في موقع يمكّنه من تنسيق الرد الوطني على الكارتيل الأشدّ تسليحًا ونفوذًا.
هل هي ثأر شخصي؟ ربما ليس بالمعنى القانوني أو الرسمي، لكنها بالتأكيد لحظة نادرة يتقاطع فيها الجريح السابق مع سلطة الدولة الحالية، في مشهد يرتبط بتاريخ الحكايات والدراما المكسيكية.
لا بطل بلا ظلال
أي قصة أمنية كبيرة في المكسيك لا تأتي بلا ملفات ثقيلة، "إل باييس" أشارت إلى أن اسم حرفوش طُرح ضمن السجالات المرتبطة بقضية اختفاء 43 طالبًا في أيوتزينابا، وهي القضية التي ما زالت جرحًا مفتوحًا في البلاد.
التقرير يوضح أيضًا أن حرفوش نفى الاتهامات المرتبطة به في هذا الملف، واعتبرها مزاعم مؤذية وغير منطقية.
وهذه النقطة مهمة جدًا في أي مادة تقريرية متوازنة، فصورة "المنقذ" في المكسيك ليست ناصعة بالكامل، بل محاطة دائمًا بصراع السرديات، والاتهامات السياسية، والحسابات القديمة، ومثلما يلاحق رجل الأمن العصابات بالسلاح للتطهير، تلاحق مافيا العصابات رجال الأمن في المكسيك بالشائعات والحكايات الملفقة لتشويه سمعته.
أزمة المكسيك ليست سياسية، بقدر ما هي تغول نفوذ العصابات وتداخل مفاسدها مع بعض عناصر الدولة، وبالتالي فالمكسيك لا تبحث اليوم عن خطيب سياسي مفوه فقط، بل عن مدير أزمة دائم.
رويترز وصفت تعيين عمر حرفوش وزيرًا للأمن كجزء من استراتيجية شينباوم لمواجهة الجريمة المنظمة وتعزيز قدرات الدولة الاستخباراتية والتحقيقية. وفي أحدث اختبار كبير، ظهر اسمه في قلب المشهد عقب مقتل "إل مينشو" وما تلاه من فوضى، باعتباره المسؤول الأول عن التنسيق الأمني الوطني إلى جانب بقية المؤسسات.
في بلد تُقاس فيه قوة الدولة أحيانًا بقدرتها على الصمود أمام كارتيل واحد، تبدو قصة عمر غارسيا حرفوش بالنسبة لمؤيديه كرجل من أصول عربية، نجا من القبر، ثم عاد ليقود أخطر معركة ضد من حاولوا دفنه.
لكن الحقيقة الأوسع تبقى أكثر تعقيدًا، المكسيك مازالت وسط النيران المندلعة، والكارتيلات كشباك العنكبوت متواصلة ومتجذرة ولا تسقط بضربة واحدة، غير أن صعود حرفوش، ومشهد "إل مينشو" بعد 2020، يقدّمان قصة ملهمة من القصص الكبرى، حين يتحول المستهدف إلى مهندس الرد.
نيسان ـ نشر في 2026/02/24 الساعة 00:00