رمضان ليس للعرض

محمد المحيسن
نيسان ـ نشر في 2026/02/25 الساعة 00:00
ابني الصغير علق على أحد برامج المطبخ، بعد ان عرضت مقدمة البرنامج مكونات الطبخة التي لم أستطع حتى الان تذكر اسمها، بابا " مش متوفر من المكونات عنا الا القلاية والملح ..
صحيح أنني لم أفهم قصده في البداية، لكنني اكتشفت لاحقا أنه أذكى من كل برامج رمضان مجتمعة. لأنه ببساطة لخص المشهد، نحن نشاهد طبخا لا نطبخه، ونحفظ أسماء بهارات لا نراها إلا على الشاشة. حتى انها صعبة النطق.
برامج رمضان، خصوصا برامج المطبخ، تحولت إلى عروض خيالية لا تناسب الطبقة الوسطى أمثالنا. مذيع يرش الزعفران كأنه ملح طعام… من منا يسطيع ان يشتري الزعفران غير إذا كان بده يعلقه بصالون الضيوف؟ وآخر يعطينا أسماء بهارات لا نعرف إن كانت تباع في السوق أم في كوكب آخر او في الصيدليات..
المشكلة ليست في الزعفران، ولا في البهارات ذات الأسماء الطويلة التي تحتاج إلى ترجمة فورية… المشكلة في الفجوة. فجوة بين الشاشة والواقع. بين طبق "سلمون مدخن بصلصة الكريمة المعتقة" وسندويشة الزيت والزعتر التي بتنا نحسب حسابها آخر الشهر.
لحظات الصفاء التي كان الناس يختبئون فيها داخل ليالي رمضان، صارت اليوم تقاس بعدد الإعلانات بين مسلسل وآخر، وبعدد الأطباق التي لا يجرؤ كثيرون على الاقتراب منها.
وصار مدفع الإفطار إشارة لبدء سباق جديد: سباق الأسعار، سباق الاستهلاك، سباق المقارنة.
نقارن سفرتنا بسفرة الجيران، والجيران يقارنونها بما شاهدوه على التلفاز، والتلفاز يقارننا جميعا بنسخة مثالية من عائلة لا ينقصها شيء… حتى الثلاجة المنتفخة عندهم تبتسم حين تفتح.
أما الصائم الحقيقي، فليس دائما من امتنع عن الطعام تعبدا، بل من امتنع عنه لأن ثلاجته خالية. وليس دائما من يقول "اللهم إني صائم" خوفًا من أن يغضب، بل من يقولها ليقنع معدته أن الغد ربما يكون أكرم.
رمضان كان شهر البساطة. طبق شوربة، قليل من الأرز، بعض التمر، وقلوب أخف من الهواء. اليوم صار شهر العروض الخاصة، و"اشترِ اثنين وخذ الثالث بدين مؤجل".
ومع ذلك… يبقى أجمل ما في رمضان تلك اللحظة الصغيرة: حين يجلس الأب مع ابنه، يضحكان على برنامج طبخ لا يملكان نصف مكوناته، ويكتشفان أن القلاية والملح أحيانًا يكفيان… إذا كانت المودة والبسمة متوفرة.
    نيسان ـ نشر في 2026/02/25 الساعة 00:00