حول الدراسات الاكتوارية لصندوق تقاعد المهندسين والتصريحات المضللة

جميل الخطيب
نيسان ـ نشر في 2026/02/26 الساعة 00:00
اتسمت الدراسات الاكتوارية لصندوق تقاعد المهندسين منذ عام 2004 بعدم الدقة الواضحة، فقد خلصت جميعها إلى استنتاج واحد فقط، وهو سلامة الأوضاع المالية للصندوق وتحقيق التوازن المالي في المدى القصير والمتوسط.
لقد أشارت الدراسة الرابعة التي أُجريت عام 2004 إلى أن صندوق التقاعد سوف يحقق نقطة التعادل (أي تساوي الإيرادات مع النفقات) عام 2026. أما الدراسة الخامسة عام 2008 فقد جاءت أكثر تفاؤلاً، إذ توقعت أن يحقق الصندوق نقطة التعادل عام 2029.
أما الدراسة الاكتوارية السادسة التي أُجريت عام 2011، فقد استنتجت أن الوصول إلى نقطة التعادل سيتم بعد 21 سنة من تاريخ التقييم الاكتواري، أي عام 2032، مرتكزة على تقييم يفترض أن العائد الاستثماري يكون 5%، وهي النسبة المعتمدة في السيناريو الأساسي. كما وضعت الدراسة فرضيتين أخريين بنيتا على عوائد استثمارية أكثر تفاؤلاً، حيث ستنتقل نقطة التعادل إلى عام 2033 في حال كان العائد الاستثماري 6%، وإلى عام 2043 إذا بلغ العائد الاستثماري 9%.
لكن التقرير الصادر عن الدراسة الاكتوارية السابعة عام 2014 جاء مثيراً للدهشة، بالرغم من أنه اعتمد على نفس نسبة العائد الاستثماري (5%) التي استخدمتها الدراسة السابقة قبل ثلاث سنوات فقط. فقد أشار التقرير إلى الوصول إلى نقطة التعادل الثانية عام 2019، وافترض أنه بزيادة 0.5% فقط (أي عائد 6.5%) ستنتقل نقطة التعادل إلى عام 2029، وبعائد استثماري افتراضي 8.5% ستنتقل إلى عام 2031. كما أشارت الدراسة إلى أن نقطة التعادل الثالثة – وهي تساوي الإيرادات الإجمالية (بما فيها بيع الموجودات) مع النفقات الإجمالية (الرواتب التقاعدية + المصاريف الإدارية) – يتوقع أن تتحقق عام 2028.
أما الدراسة الثامنة التي أُجريت عام 2017 والتي استندت أيضاً إلى عائد استثماري 5%، فقد افترضت أن التوازن المالي للصندوق يقوم على أن نقطة التعادل الثانية (تساوي الإيرادات المتأتية من الاشتراكات التقاعدية والأرباح الاستثمارية مع النفقات الإجمالية: الرواتب التقاعدية + المصاريف الإدارية) ستتحقق عام 2019، وأن نقطة التعادل الثالثة ستتحقق عام 2030.
أكثر ما يثير الريبة في كل هذه النتائج غير المنطقية أن جميع الدراسات الاكتوارية لم تتوقع أبداً النتائج الكارثية التي حلت بالصندوق، بالرغم من أن معظمها أشار إلى ضرورة العمل على رفع الاشتراكات التقاعدية، وبعضها أشار بالإضافة إلى ذلك إلى رفع سن التقاعد، لكن دائماً من بوابة «زيادة الأمان» فقط، وليس من بوابة الخطر الفعلي الوشيك.
وهذا ما يتسق تماماً مع تصريحات نقيب المهندسين السابق ماجد الطباع عام 2017، حيث صرح بأن المجلس سيتخذ إجراءات «للمحافظة على قوة الصندوق وديمومته، وإبعاد نقطة التعادل إلى عام 2045، ولإعطاء رواتب تقاعدية أعلى من المعطاة حالياً بسبب التضخم المالي».
والأكثر إثارة هو التعامي المتعمد عن الحقائق التي أظهرتها الأرقام الرسمية المأخوذة من تقارير صندوق التقاعد نفسه. فقد اتضح أن نقطة التعادل الأولى كان قد وصل إليها الصندوق فعلياً عام 2013 بعجز قيمته 725,659 ديناراً (ستمائة وخمسة وعشرون ألفاً وتسعمائة وتسعة وخمسون ديناراً).
والمثير للتساؤل أيضاً هو الاختلاف الصارخ بين ما ورد في التقرير الصادر عن الدراسة الاكتوارية الثامنة (عام 2017) التي توقعت تحقق نقطة التعادل الثانية عام 2019، وبين الأرقام الرسمية الصادرة من تقارير الصندوق، التي أثبتت أن الصندوق قد وصل إلى نقطة التعادل الثانية فعلياً عام 2016 بعجز قيمته 1,813,785 ديناراً (مليون وثمانمائة وثلاثة عشر ألفاً وسبعمائة وخمسة وثمانون ديناراً).
لقد تم اتباع نهج تضليلي واضح من خلال التصريحات المضللة وتزييف الأرقام التي لم تتفق مع القيم المذكورة في تقارير الصندوق الصادرة عن المجلس نفسه. ففي الكلمة التي وجهها النقيب السابق ماجد الطباع أواخر عام 2016، أكد على قوة الصندوق الذي بحوزته أصول بقيمة سوقية تعادل 385 مليون دينار، مما وضع الهيئة العامة في حالة من عدم اليقين حول الوضع الحقيقي للصندوق، ودفعها إلى التصويت ضد رفع الاشتراكات التقاعدية على الأقل في المدى المنظور.
وفي الوقت نفسه، صرح بأن الرواتب التقاعدية المدفوعة خلال عشرين عاماً بلغت 156 مليون دينار، وهي أقل من العوائد الاستثمارية لنفس الفترة والبالغة 158 مليون دينار، وبمعدل فائدة 9.4% سنوياً. بينما الحقيقة أن قيمة الرواتب التقاعدية الفعلية حتى نهاية عام 2016 لفترة العشرين سنة السابقة بلغت 174,071,392 ديناراً (أي أكثر من 174 مليون دينار)، في حين كانت صافي حقوق الملكية الحقيقية حتى تاريخ التصريح 114,189,878 ديناراً فقط (أي أكثر من 114 مليون دينار).
يضاف إلى ذلك التناقض الصارخ بين الحقيقة وبين ما صرح به النقيب حول نسبة معدل العائد الاستثماري لأموال الصندوق البالغة 9.4%، وهي نسبة غير حقيقية تنفيها قيمة الأرباح الفعلية، ولا تتوافق مع أي من الدراسات الاكتوارية منذ عام 2004 التي بنت تقديراتها على عوائد استثمارية تتراوح بين 5% و6.5%، والتي توقعت أن يصل الصندوق إلى نقطة التعادل الثانية بين أعوام 2029 و2032. وحتى في حالة عائد استثماري يصل إلى 9% وبنفس الاشتراكات القديمة، فإن الدراسة الاكتوارية السادسة عام 2011 كانت قد توقعت أن تكون نقطة التعادل الثالثة عام 2043 فقط.
لقد أدى التضليل في التصريحات، وحرف الحقائق، وتزييف الأرقام المقدمة من قبل النقباء والمجالس السابقة حول وضع الصندوق – كما بيّنا – إلى التستر على أكثر من عقدين من سوء الإدارة والإهمال وعدم الانضباط في تقدير الوضع المستقبلي للصندوق. ونحن نعتقد جازمين أنه لو كان تصريح النقيب آنذاك يتسم بالوضوح والشفافية كما ينبغي، لربما تكاتفت الجهود من قبل جميع الأطراف للتأثير على قرار الهيئة العامة في ذلك الوقت لتبني تعديل الاشتراكات التقاعدية الذي قدمه المجلس. لكن المصالح الانتخابية كانت هي المحرك الرئيسي، وطغت على المصلحة العامة.
    نيسان ـ نشر في 2026/02/26 الساعة 00:00