محمد القَريطي.. 'بشير الإفطار' الذي وحّد وجدان اليمنيين لـ6 عقود

نيسان ـ نشر في 2026/02/27 الساعة 00:00
لرمضان في اليمن خصوصيات تميزه عن غيره من الشهور، كما تحتفظ ذاكرة اليمنيين بطقوس وصور تختلف من منطقة لأخرى.
لا يوجد صوت ارتبط برمضان وبطقوس ما قبل الغروب مثل الشيخ المقرئ القريطي، ويكفي أن تقول إنه صوت رمضان، والبشير الذي يسبق ساعة الإفطار طوال 30 يوماً.. ويمكن لأي يمني أن يعرف المقصود بهذا التعريف بأنه الشيخ القريطي.
من هو القريطي؟
هو الشيخ المقرئ واللغوي الفصيح محمد بن حسين القَرِيطي، ولد بحارة الزمُر في مدينة صنعاء القديمة عام 1922، وكغيره من مواليد تلك الحقبة يصعب تحديد يوم وشهر ميلاده.
نشأ يتيم الأب، حيث فقد والده قبل ولادته، ثم توفيت أمه وهو في سن الطفولة.
كان القَرِيطي يضع وجهه في (صفيحة سمن) فارغة ليقرأ ويسمع صدى صوته
ولعل هذه الظروف ساهمت في تشكيل شخصيته، التي امتازت بالجد والمثابرة ليحفظ القرآن طفلاً، قبل أن يلتحق بحلقات التعلم في الجامع الكبير بصنعاء.
وتخرج على يد شيخه العلامة حسين بن مبارك الغيثي -شيخ شيوخ القراء في عصره-، وتردد كثيرًا على مكة المكرمة في مواسم الحج، واشتهر فيها، وكان يجتمع إليه بعض الحجاج من مختلف البلدان؛ لسماع تلاوته الجميلة.
وبحسب الشيخ المقرئ محمد حسن الكباري، فإن القريطي شغف بتلاوة القرآن بصوت مرتفع منذ صغره، حتى أنه كان يضع وجهه في (صفيحة السمن) الفارغة ليقرأ ويسمع صدى صوته، وكان لذلك أثر معنوي خاص عليه.
ريادة الأثير
ساعدت ظروف تميزه العلمي والشرعي إلى جانب موهبته في تلاوة القرآن وتجويده في أن يكون ذي أولوية في العمل في إذاعة صنعاء بعد تأسيسها سنة 1947م الموافق 1366هـ، فكان مقرئها الأول والوحيد تقريباً.
وبقي كذلك حتى وفاته عقب سقوط حكم بيت حميد الدين وقيام النظام الجمهوري عام 1962.
ورغم ما كان سائداً في عهد الإمامة من طبقية وفئوية، إلا أن الشاب اليتيم ثابر ونجح في أن يفرض حضوره، ليكون من أقرب الطلاب لشيخ المقرأة اليمنية حينذاك العلامة حسين الغيثي، والذي نال منه وعنه الإجازات في القراءات السبع.
تشير المعلومات إلى أن القريطي ومع انطلاق بث إذاعة صنعاء ونظراً لتميزه، نال فرصة العمل مقرئاً فيها بموافقة ولي العهد حينها أحمد بن يحيى حميد الدين، وذلك بمعدل ساعتين ونصف أسبوعياً، وكان صوته المبثوث عبر الأثير هو أول منتج صوتي يمني يبث عبر الهواء من إذاعة يمنية محلية.
وإلى جانب عمله مقرئاً في الإذاعة أسندت إليه مهمة التصحيح والتدقيق اللغوي فيها، مقابل راتبٍ شهريٍ زهيد تقرر بقدحين من حبوب الذرة والشعير.
استحق القريطي بجدارة أن يكون ظاهرة سمعية فريدة؛ فصوته عابر للزمن، وارتبط بالعبادة والطفولة والذاكرة الوطنية
أول صوت مسجل
بعمله في الإذاعة مقرئاً ومدققاً ومرجعاً لغوياً، إضافة لموقعه إماماً لجامع الزمر، تهيأت الظروف للقريطي ليكون أول قارئ يمني يتم تسجيل تلاوته للقرآن، فحظي بفرصة تسجيل عدد من سور القرآن الكريم.
ويعتقد أن شهرته وموهبته الصوتية الفريدة ونبرته المتميزة ساهمت في أن يكون له منبرٌ خاص في مكة المكرمة التي اعتاد زيارتها في كل موسم حج، ومن خلاله نال شهرةً بين وفود الحجيج اليمنيين، وغيرهم القادمين من أصقاع الأرض.
مكتبة صوتية ناقصةيفتقر اليمنيون لمكتبة صوتية توثق للمقرئين سواء المتقدمين أو حتى المعاصرين.ورغم ما حظي به القريطي من فرصة، إلا أنه لم يتمكن من تسجيل المصحف كاملاً بصوته، عدا بعض السور والآيات، والتي تم استرجاعها من بعض ورثته وأقاربه بعد وفاته، أو من أرشيف الإذاعة في منتصف ثمانينات القرن الماضي وبثه عبر الإذاعة والتلفزيون خلال شهر رمضان المبارك، ما ساهم بشكل مباشر في ارتباط الشهر الفضيل بصوت القريطي أكثر من غيره.بل صار صوت القريطي مرتبطا بشكل وثيق بساعات ما قبل الإفطار، حيث يمثل ظهور صوته مقدمة لفترة الغروب ومعها الإفطار، فتسمعه في المحال، والشوارع، وفي الباصات، وفي مكبرات أصوات المساجد في المدن والأرياف.وصار تقليده ظاهرة ملحوظة لدى العديد من عشاق صوته الصنعاني المتفرد، والذي تحول لبصمة صوتية يمكن تمييزه بها من أول كلمة يمكن سماعها، فهو متفرد في طبقة الصوت، وأسلوبه في التجويد وتلوين الحروف ومخارجها، على نحو لا يشبهه فيه أحد.الصوت العابر للزمنرغم وفاته منذ 64 سنة وعن عمر لم يتجاوز 40 عاما، لا يزال الشيخ محمد القريطي الصوت الأكثر حضوراً في رمضان، بل صار أحد أهم لوازمه الصوتية، وعلامة لهويته السمعية الوطنية.ووفق متابعين، فإن أهم ما ساهم في خلود صوت القريطي هو ظهوره في فترة زمنية كانت الإذاعة فيها المصدر الوحيد للصوت العام، إضافة لآلية تكراره اليومية، ثم -وهو الأهم- ارتباطه وجدانياً بأوقات مهمة كالإفطار والعبادة والطفولة، إنه صوت استحق بجدارة أن يكون ظاهرة سمعية يمنية فريدة.المصدر:الجزيرة
    نيسان ـ نشر في 2026/02/27 الساعة 00:00