عادات المصريين في رمضان كما وصفها الرحّالة والمستشرقون

نيسان ـ نشر في 2026/02/28 الساعة 00:00
حظي شهر رمضان باهتمام كبير في كتابات الرحّالة والمستشرقين الذين زاروا مصر على مدار العصور المختلفة، إذ وجدوا في طقوسه ومظاهره الاحتفالية والدينية على حد سواء مصدراً للدهشة، لاسيما وأنه شهر تتغير فيه ملامح الحياة اليومية وإيقاعها بشكل جذري بين المصريين، إذ تمتزج فيه الروحانيات الدينية بمظاهر احتفالية فريدة تنبض بالحياة.ولم يغفل هؤلاء الرحّالة والمستشرقون تسجيل أدق التفاصيل عن عادات المصريين في هذا الشهر، مثل "الفوانيس" المضيئة في الشوارع والمساجد، و"مدفع" الإفطار، و"موائد الرحمن" التي تجسد روح التكافل الاجتماعي وغيرها من المظاهر الاحتفالية الخاصة، مما جعل شهر رمضان تجربة استثنائية في ذاكرة كل من زار مصر، فجاءت كتاباتهم حافلة بشهادات ورؤى حفظت لنا صورة تاريخية حيّة، غلبت عليها الدقة وطرافة الوصف في ذات الوقت.ويمكن تقسيم الرحّالة الذين زاروا مصر إلى قسمين، منهم الرحّالة العرب المسلمون الذين رصدوا عادات وتقاليد المصريين بعين المسلم الذي يألف ما يراه، والعالم ببواطن الأمور الشرقية لغوياً ودينياً، من أمثال الرحّالة ابن الحاج، وابن جبير، وناصر خسرو، وابن بطوطة، ومنهم الرحّالة الأجانب الذين نعرض لهم بعض شهادات كتبوها خلال زياراتهم لمصر، حملت في كثير من الأحيان طابع الدهشة لاعتبارات الاغتراب الديني والثقافي، فاجتهدوا في رسم صورة للقاريء الأوروبي لشهر الصيام رغم حاجز الفروق اللغوية وجهل بعض الأحداث في سياقاتها الإسلامية."رؤية الهلال"صدر الصورة،Getty Imagesالتعليق على الصورة،لوحة بعنوان "صلاة في القاهرة" من أعمال الرسام الفرنسي جان ليون جيروم عام 1865.رصد المستشرق الإنجليزي إدوارد وليام لين، الذي زار مصر وأقام بها بضع سنوات، عادات المصريين في دراسته الشهيرة بعنوان "عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم" بين عامي 1833-1835، وقدم صورة تفصيلية مطولة لاستطلاع هلال شهر رمضان في زمنه.ويقول وليام لين: "بعد أن يصل الخبر اليقين لرؤية القمر (الهلال) إلى محكمة القاضي، ينقسم الجنود والمحتشدون فرقاً عديدة، ويعود فريق منهم إلى القلعة بينما تطوف الفرق الأخرى في أحياء مختلفة في المدينة ويهتفون (يا أتباع أفضل خلق الله! صوموا، صوموا)".
ويضيف: "إذا لم يروا القمر في تلك الليلة، يصيح المنادي (غدا شعبان، لا صيام، لا صيام)، ويمضي المصريون وقتاً كبيراً في تلك الليلة يأكلون ويشربون ويدخّنون، وترتسم البهجة على وجوههم كما لو كانوا تحرروا من شقاء يوم صيام".ارتبط المصريون بفكرة "مدفع الإفطار" وترسخت في عاداتهم وحافظوا عليها لفترة طويلة وأصبح دوي هذا المدفع مع غروب الشمس "الإشارة" التي يجتمع عليها الجميع إيذانا لبدء الإفطار بعد صيام يوم طويل، كما أصبح من السمات المميزة للمظاهر الاحتفالية في مصر طوال شهر رمضان وحده.تضاربت الآراء التاريخية من حيث نشأة تلك العادة وأجمعت الروايات، رغم اختلافها، على كونها وليدة الصدفة، أبرز تلك الروايات ما يشير إلى أن العادة ترجع إلى عهد "خوش قدم" المملوكي الذي يقال إنه أمر بتجربة مدفع وصادف ذلك الأول من رمضان عام 869 هجريا (1465 ميلاديا)، وتزامن سماع دويّه وقت الإفطار فاعتقد الأهالي أنه إعلان لتناول الطعام، وفي اليوم التالي أمر خوش قدم بتكرار العادة طوال شهر رمضان، بعد علمه باستحسان الأهالي لها.
والأرجح أن العادة أقدم من الخديو إسماعيل بدليل أن الرحالة الإيرلندي ريتشارد بيرتون، الذي زار مصر عام 1853 في أواخر عهد عباس باشا الأول (1848-1854)، ذكرها في مذكرات رحلته المنشورة بعنوان "رحلة بيرتون إلى مصر والحجاز" قائلاً :"بعد نصف ساعة من منتصف الليل ينطلق مدفع السحور منبها المسلمين بوجوب الاستعداد لتناول طعام السحور وهو بمثابة إفطار مبكر. وبمجرد سماع المدفع يوقظني خادمي إذا كنت نائماً ... ويضيع أمامي بقايا وجبة المساء (الإفطار)".ويضيف بيرتون: "أظل أدخن بوهن وضعف كما لو كنت أودع صديقاً حميماً حتى ينطلق المدفع الثاني في حوالي الساعة الثانية والنصف معلناً الإمساك، ثم أنتظر أذان صلاة الفجر الذي يُرفع في شهر رمضان مبكراً شيئاً ما عن المعتاد"، ويبدو من مشاهدات بيرتون أن العادة كانت في الإمساك تقضي بإطلاق المدفع مرتين وليس مرة واحدة.ويواصل بيرتون مشاهداته: "تبدو القاهرة عند اقتراب موعد أذان المغرب (ساعة الإفطار)، وما أبطأ حلوله، وكأنها أفاقت من غشيتها، فيطل الناس من النوافذ والشرفات ليرقبوا اقتراب ساعة خلاصهم، وبعض الناس يصلون ويبتهلون وآخرون يسبّحون بينما آخرون يتجمعون في جماعات أو يتبادلون الزيارات لقتل الوقت حتى يحين موعد الإفطار".ويضيف: "يا للسعادة! أخيرا انطلق مدفع الإفطار من القلعة. وفي الحال يجلجل المؤذن بأذانه الجميل داعيا الناس إلى أداء الصلاة، وينطلق صوت المدفع الثاني من قصر العباسية (نسبة لعباس باشا الأول). ويصيح الناس (الإفطار الإفطار) وتعم همهمة الفرح في أنحاء القاهرة الصامتة".
    نيسان ـ نشر في 2026/02/28 الساعة 00:00