تهافت أساطير هاكابي
نيسان ـ نشر في 2026/02/28 الساعة 00:00
الصهيونية ليست فكرة ولا حركة دينية، ولا علاقة لها بدعوى السامية حسب المرويات الدينية، التي تؤكد انتساب عرب المشرق، كما يهوده للعرق السامي، بينما الصهيونية فكرة عرقية غربية، دعواها أن اليهود عرق نقي ثابت الصفات على مرّ آلاف السنين، وتوازى صعود الفكرة الصهيونية مع انتعاش النظرات العرقية في أوروبا، والتمهيد لاستعمار العالم بدعوى الرسالة الحضارية للعرق الأبيض المتفوق بطبيعته.
وعلى مدى قرون، تواترت وقائع مأساوية عن اضطهاد اليهود في البيئة الأوروبية المسيحية عموما، وكانت لها أسباب اقتصادية واجتماعية، قبل وبعد عناوينها الدينية، وبمزيج من تعقيدات الوضع الأوروبي نهايات القرن التاسع عشر، قاد الصحافي ثيودور هرتزل ـ النمساوي النشأة ـ دعوة الصهيونية حركيا، وما سمّاه ضرورة إنشاء الدولة اليهودية، وبتعاون مباشر مع القوى الاستعمارية الكبرى، ولم يكن هرتزل يهوديا متدينا على أي نحو، تماما كقادة الحركة الصهيونية المؤسسين لدولة الاحتلال، فلم يكن حاييم وايزمان أول رئيس لدولة إسرائيل متدينا، ولا كان ديفيد بن غوريون مؤسس الدولة وأول رئيس لوزرائها كذلك، بل كان بن غوريون يعلن إلحاده جهارا نهارا، ولم يكن ينظر إلى أساطير التوراة ونصوصها من موقع تقديس ولا التزام، بل كان يعتبرها وسائل مفيدة في دفع عوام اليهود للهجرة إلى فلسطين، وكان يرى كأسلافه، أن كيان إسرائيل يقوم أساسا بالسلاح واستثمار العلاقات والظروف الدولية.
هكذا كانت سير أغلب خلفاء بن غوريون إلى اليوم، من التحالف مع بريطانيا وفرنسا وقت زهوهما الاستعماري، والانتقال من الاعتماد على بريطانيا العظمى، إلى الاعتماد على القوة الأمريكية الأعظم إمبرياليا، مع وبعد عدوان 1967 بالذات، ومع تزوير الحقائق وقلب الصفات، كاعتبار احتلال فلسطين استقلالا لليهود، وسرقة اسم إسرائيل نفسه من مدونات التاريخ التوراتي وأنبيائه.
لم تكن تصريحات هاكابي الأخيرة، سقطة أو زلة لسان، فعقيدته هي نفسها، التي يخدمها أزلام وأصهار ترامب، من نوع مبعوثيه المفضلين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر
وعلى مدار تاريخ كيان الاحتلال منذ نحو ثمانين سنة، كان ادعاء الصهيونية الأول، أن فلسطين أرض بلا شعب تعطى لشعب بلا أرض، وكان بروز حقيقة وجود الشعب الفلسطيني، وتكاثره وانتشاره على أرضه المقدسة، رغم تعاظم مذابح الإبادة وطرد ملايين الفلسطينيين منذ نكبة 1948، فقد أصبح عدد الفلسطينيين أصحاب الأرض ـ بعد كل ما جرى ـ يفوق عدد اليهود المجلوبين إلى الأرض المقدسة من نهر الأردن إلى البحر المتوسط، كانت الحقيقة الفلسطينية القديمة المتجددة دافعا إلى جنون وتوحش أفكار اليمين الديني القومي داخل الكيان، وتحول الظاهرة الصهيونية من بناء كيان استعماري استيطاني إحلالي، يطرد الفلسطينيين، إلى إضافة المعنى الإفنائي لوجود الفلسطينيين من أصله، وتضاعف اطراد نفوذ حركة اليمين الإسرائيلي في الثلاثين سنة الأخيرة، مع إضافة لمسات توراتية متزايدة إلى أفكار اليمين الليكودي العلماني سابقا، ونشأة حالة بنيامين نتنياهو وأشباهه، التي سيطرت على المشهد الأمامي الإسرائيلي عبر العقود الأخيرة، وسعت إلى تأكيد التطابق والاندماج الاستراتيجي بين أمريكا وإسرائيل، وتعميق معنى الارتباط مع واشنطن، إلى ما هو أبعد من مجرد اعتبار إسرائيل قاعدة أمريكية متقدمة، واصطناع أساس أيديولوجي، يعتمد على أساطير التوراة وتحريف معانى نصوصها، وجعل اختيار ممثلي واشنطن بالمنطقة من اختصاص الحكومة الإسرائيلية، وأولهم سفير أمريكا في الكيان بالذات، وصولا إلى اختيار ديفيد فريدمان زمن رئاسة دونالد ترامب الأولى، وفريدمان كان ولا يزال صهيونيا يهوديا متعصبا، وشريكا مباشرا في استيطان وتهويد القدس والضفة الغربية، ثم جاء مايك هاكابي إلى المنصب نفسه في رئاسة ترامب الحالية، وهاكابي قس إنجيلي، ترك الخدمة في كنيسته المعمدانية، وانتقل لنشاط سياسي في صفوف الحزب الجمهوري، وخاض دون توفيق تجربة الترشح في انتخابات الرئاسة عام 2008، وصار من أقرب أصدقاء ترامب، الذي اختاره ممثلا خاصا لرئاسته لدى كيان الاحتلال .
ولم تكن تصريحات هاكابي الأخيرة، سقطة أو زلة لسان، فعقيدته هي نفسها، التي يخدمها أزلام وأصهار ترامب، من نوع مبعوثيه المفضلين ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر، وهما صهيونيان متعصبان، فوق كونهما من الصفوة الترامبية المولعة بقنص الصفقات المالية، وجعل غزوات الجيوش الأمريكية وسائل نافذة لتكريس حكم اللصوص، والوصف اللاذع لمجلة «فورين أفيرز» الأمريكية الفصلية بعددها الجديد مارس ـ أبريل 2026، عبر دراسة لأستاذي السياسة الأمريكيين الكسندر كوني ودانيال نيكسون بعنوان عصر حكم اللصوص، موضوع الدراسة تحليل لسياسات ترامب أمريكيا وعالميا، وبالتوازي مع ما يفعله ترامب في السياسة والواقع، وما يفعله ويتكوف وكوشنر باسم السلام الترامبي المصنوع بالقوة، ونزح موارد المنطقة إلى جيوب شلة مليارديرات ترامب، وتسخير الموارد العسكرية الأمريكية في المنطقة المركزية لخدمة إسرائيل، بينما يقوم هاكابي بواجب الخدمة الدينية كصهيوني مسيحي، ليس فقط بدلالة مزاعمه الأخيرة عن الحق التوراتي في احتلال إسرائيل الكبرى الممتدة من النيل إلى الفرات، وحقوق إسرائيل المقدسة في الاستيلاء على سوريا ولبنان والأردن والعراق وأجزاء من مصر والسعودية، وهو ما جاء استطرادا لمزاعمه الصهيونية الصرفة منذ أتى إلى مهمته، فقد قال مرارا، أنه لا يوجد شيء اسمه فلسطين، ولا شيء اسمه الضفة الغربية، ولا شيء اسمه استيطان يهودي ولا مستوطنات غير شرعية، بل هي ـ في زعمه ـ أحياء ومدن لليهود على أرضهم التاريخية في يهودا والسامرة، وأنه لاحق للفلسطينيين بإقامة كيان، أو دولة مستقلة في الضفة وغزة والقدس، واستنكر الإجماع الدولي الغالب على دعم إقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة في عدوان 1967، وقال ببساطة يمكنهم إقامة كيان للفلسطينيين في السعودية، أو في شبه جزيرة سيناء، وهي أقوال مستنسخة وطبق الأصل من تصريحات نتنياهو وإيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش وأشباههم في الحكومة وخارجها .
وكان هاكابي صريحا في تأكيد التأييد الأمريكي مبكرا، لما سماه حق إسرائيل المطلق في الضم الرسمي التام للضفة الغربية، بعد ضم القدس نهائيا بتأييد ترامب في رئاسته الأولى، وبدت أقوال هاكابي أكثر صدقا من تصريحات ترامب المراوغة، فقد ادعى الرئيس الأمريكي معارضته لضم الضفة الغربية، ثم تبين أن ذلك كان مجرد مخادعة لفظية، وأن الهدف كان تسهيل عملية ابتلاع تريليونات الدولارات من أطراف عربية غنية بفوائضها المالية، وحين كادت تكتمل عمليات ضم إسرائيل فعليا ونهائيا للضفة الغربية، فوق نقل ملكية غزة بعد حرب الإبادة الجماعية إلى حوزة واشنطن نيابة عن إسرائيل، لم يصدر عن ترامب ولا إدارته أي استنكار لما تقوم به إسرائيل في الضفة، ولا لاحتلالها المتصل لأكثر من نصف مساحة قطاع غزة، ولا لاستمرارها اليومي في تدمير وقصف كل غزة، رغم وقف إطلاق النار المعلن من قبل ترامب ومجلس سلامه العبثي، ومليارات الإعمار الوهمي التي تتدفق إلى خزانة واشنطن، بينما كان صوت هاكابي صريحا مباشرا، وممثلا لنزعة الصهيونية المسيحية الداعمة لإدارة ترامب اللصوصية، المتحالفة كتفا بكتف مع دوائر اللوبي الصهيوني المسيطر لا يزال في دوائر صنع قرار واشنطن. ادعى هاكابي ـ كما بات معروفا ـ حقا توراتيا للكيان الإسرائيلي في إقامة دولته الكبرى من الفرات إلى النيل، واستند إلى تفسير مشوه لعبارة في سفر التكوين التوراتي، تقول إن الرب أعطى للنبي إبراهيم ونسله (من اليهود حصرا لا من العرب) كل أراضي الشرق الأوسط من العراق إلى مصر، وحين فاجأه محاوره الإعلامي الأمريكي الشهير تاكر كارلسون باقتراح مباغت، مفاده إجراء اختبار جيني (d.n.a) لكل المقيمين على أرض فلسطين اليوم، ومعرفة أيهم أحق وأكثر ارتباطا بالأرض، ابتلع هاكابي لسانه وغمغم ورفض الاقتراح، ربما لأنه أدرك وقوعه في فخ، وأن إثباتات العلم الأحدث تدحض افتراءاته المنسوبة للتوراة، وأن الحقيقة كلها ربما تتكشف، فأغلب يهود اليوم ـ داخل الكيان وفي الخارج الغربي ـ بلا علاقة نسب متصل تجمعهم بيهود التوراة القدامى، وأغلبهم من أصول يهود مملكة الخزر، التي تأسست وقامت بين القرنين السابع والثاني عشر الميلادي، وكانت ممتدة في جنوب روسيا الحالية بين بحر قزوين والبحر الأسود، وتهود غالب أهلها لأسباب سياسية وبأوامر ملكية، وليس في الدين اليهودي تهود ولا تبشير ولا دعوة، وتفرق هؤلاء المتهودون بعد تحطيم المملكة في روسيا وأوكرانيا وبولندا وشرق أوروبا عموما، وكانوا الشريحة الأكبر لليهودية الأشكنازية، التي قامت بينها الحركة الصهيونية، وصولا إلى احتلال فلسطين، وخرج من نسلها أغلب قادة إسرائيل إلى اليوم، فلا حق توراتي لهؤلاء من أصله، ومزاعم هاكابي متهافتة في موازين العلم والتاريخ، والوجود العربي الفلسطيني هو الأصل البشري الغالب في كل فلسطين منذ ما قبل النبي إبراهيم إلى اليوم وإلى الغد بإذن الله.
وعلى مدى قرون، تواترت وقائع مأساوية عن اضطهاد اليهود في البيئة الأوروبية المسيحية عموما، وكانت لها أسباب اقتصادية واجتماعية، قبل وبعد عناوينها الدينية، وبمزيج من تعقيدات الوضع الأوروبي نهايات القرن التاسع عشر، قاد الصحافي ثيودور هرتزل ـ النمساوي النشأة ـ دعوة الصهيونية حركيا، وما سمّاه ضرورة إنشاء الدولة اليهودية، وبتعاون مباشر مع القوى الاستعمارية الكبرى، ولم يكن هرتزل يهوديا متدينا على أي نحو، تماما كقادة الحركة الصهيونية المؤسسين لدولة الاحتلال، فلم يكن حاييم وايزمان أول رئيس لدولة إسرائيل متدينا، ولا كان ديفيد بن غوريون مؤسس الدولة وأول رئيس لوزرائها كذلك، بل كان بن غوريون يعلن إلحاده جهارا نهارا، ولم يكن ينظر إلى أساطير التوراة ونصوصها من موقع تقديس ولا التزام، بل كان يعتبرها وسائل مفيدة في دفع عوام اليهود للهجرة إلى فلسطين، وكان يرى كأسلافه، أن كيان إسرائيل يقوم أساسا بالسلاح واستثمار العلاقات والظروف الدولية.
هكذا كانت سير أغلب خلفاء بن غوريون إلى اليوم، من التحالف مع بريطانيا وفرنسا وقت زهوهما الاستعماري، والانتقال من الاعتماد على بريطانيا العظمى، إلى الاعتماد على القوة الأمريكية الأعظم إمبرياليا، مع وبعد عدوان 1967 بالذات، ومع تزوير الحقائق وقلب الصفات، كاعتبار احتلال فلسطين استقلالا لليهود، وسرقة اسم إسرائيل نفسه من مدونات التاريخ التوراتي وأنبيائه.
لم تكن تصريحات هاكابي الأخيرة، سقطة أو زلة لسان، فعقيدته هي نفسها، التي يخدمها أزلام وأصهار ترامب، من نوع مبعوثيه المفضلين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر
وعلى مدار تاريخ كيان الاحتلال منذ نحو ثمانين سنة، كان ادعاء الصهيونية الأول، أن فلسطين أرض بلا شعب تعطى لشعب بلا أرض، وكان بروز حقيقة وجود الشعب الفلسطيني، وتكاثره وانتشاره على أرضه المقدسة، رغم تعاظم مذابح الإبادة وطرد ملايين الفلسطينيين منذ نكبة 1948، فقد أصبح عدد الفلسطينيين أصحاب الأرض ـ بعد كل ما جرى ـ يفوق عدد اليهود المجلوبين إلى الأرض المقدسة من نهر الأردن إلى البحر المتوسط، كانت الحقيقة الفلسطينية القديمة المتجددة دافعا إلى جنون وتوحش أفكار اليمين الديني القومي داخل الكيان، وتحول الظاهرة الصهيونية من بناء كيان استعماري استيطاني إحلالي، يطرد الفلسطينيين، إلى إضافة المعنى الإفنائي لوجود الفلسطينيين من أصله، وتضاعف اطراد نفوذ حركة اليمين الإسرائيلي في الثلاثين سنة الأخيرة، مع إضافة لمسات توراتية متزايدة إلى أفكار اليمين الليكودي العلماني سابقا، ونشأة حالة بنيامين نتنياهو وأشباهه، التي سيطرت على المشهد الأمامي الإسرائيلي عبر العقود الأخيرة، وسعت إلى تأكيد التطابق والاندماج الاستراتيجي بين أمريكا وإسرائيل، وتعميق معنى الارتباط مع واشنطن، إلى ما هو أبعد من مجرد اعتبار إسرائيل قاعدة أمريكية متقدمة، واصطناع أساس أيديولوجي، يعتمد على أساطير التوراة وتحريف معانى نصوصها، وجعل اختيار ممثلي واشنطن بالمنطقة من اختصاص الحكومة الإسرائيلية، وأولهم سفير أمريكا في الكيان بالذات، وصولا إلى اختيار ديفيد فريدمان زمن رئاسة دونالد ترامب الأولى، وفريدمان كان ولا يزال صهيونيا يهوديا متعصبا، وشريكا مباشرا في استيطان وتهويد القدس والضفة الغربية، ثم جاء مايك هاكابي إلى المنصب نفسه في رئاسة ترامب الحالية، وهاكابي قس إنجيلي، ترك الخدمة في كنيسته المعمدانية، وانتقل لنشاط سياسي في صفوف الحزب الجمهوري، وخاض دون توفيق تجربة الترشح في انتخابات الرئاسة عام 2008، وصار من أقرب أصدقاء ترامب، الذي اختاره ممثلا خاصا لرئاسته لدى كيان الاحتلال .
ولم تكن تصريحات هاكابي الأخيرة، سقطة أو زلة لسان، فعقيدته هي نفسها، التي يخدمها أزلام وأصهار ترامب، من نوع مبعوثيه المفضلين ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر، وهما صهيونيان متعصبان، فوق كونهما من الصفوة الترامبية المولعة بقنص الصفقات المالية، وجعل غزوات الجيوش الأمريكية وسائل نافذة لتكريس حكم اللصوص، والوصف اللاذع لمجلة «فورين أفيرز» الأمريكية الفصلية بعددها الجديد مارس ـ أبريل 2026، عبر دراسة لأستاذي السياسة الأمريكيين الكسندر كوني ودانيال نيكسون بعنوان عصر حكم اللصوص، موضوع الدراسة تحليل لسياسات ترامب أمريكيا وعالميا، وبالتوازي مع ما يفعله ترامب في السياسة والواقع، وما يفعله ويتكوف وكوشنر باسم السلام الترامبي المصنوع بالقوة، ونزح موارد المنطقة إلى جيوب شلة مليارديرات ترامب، وتسخير الموارد العسكرية الأمريكية في المنطقة المركزية لخدمة إسرائيل، بينما يقوم هاكابي بواجب الخدمة الدينية كصهيوني مسيحي، ليس فقط بدلالة مزاعمه الأخيرة عن الحق التوراتي في احتلال إسرائيل الكبرى الممتدة من النيل إلى الفرات، وحقوق إسرائيل المقدسة في الاستيلاء على سوريا ولبنان والأردن والعراق وأجزاء من مصر والسعودية، وهو ما جاء استطرادا لمزاعمه الصهيونية الصرفة منذ أتى إلى مهمته، فقد قال مرارا، أنه لا يوجد شيء اسمه فلسطين، ولا شيء اسمه الضفة الغربية، ولا شيء اسمه استيطان يهودي ولا مستوطنات غير شرعية، بل هي ـ في زعمه ـ أحياء ومدن لليهود على أرضهم التاريخية في يهودا والسامرة، وأنه لاحق للفلسطينيين بإقامة كيان، أو دولة مستقلة في الضفة وغزة والقدس، واستنكر الإجماع الدولي الغالب على دعم إقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة في عدوان 1967، وقال ببساطة يمكنهم إقامة كيان للفلسطينيين في السعودية، أو في شبه جزيرة سيناء، وهي أقوال مستنسخة وطبق الأصل من تصريحات نتنياهو وإيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش وأشباههم في الحكومة وخارجها .
وكان هاكابي صريحا في تأكيد التأييد الأمريكي مبكرا، لما سماه حق إسرائيل المطلق في الضم الرسمي التام للضفة الغربية، بعد ضم القدس نهائيا بتأييد ترامب في رئاسته الأولى، وبدت أقوال هاكابي أكثر صدقا من تصريحات ترامب المراوغة، فقد ادعى الرئيس الأمريكي معارضته لضم الضفة الغربية، ثم تبين أن ذلك كان مجرد مخادعة لفظية، وأن الهدف كان تسهيل عملية ابتلاع تريليونات الدولارات من أطراف عربية غنية بفوائضها المالية، وحين كادت تكتمل عمليات ضم إسرائيل فعليا ونهائيا للضفة الغربية، فوق نقل ملكية غزة بعد حرب الإبادة الجماعية إلى حوزة واشنطن نيابة عن إسرائيل، لم يصدر عن ترامب ولا إدارته أي استنكار لما تقوم به إسرائيل في الضفة، ولا لاحتلالها المتصل لأكثر من نصف مساحة قطاع غزة، ولا لاستمرارها اليومي في تدمير وقصف كل غزة، رغم وقف إطلاق النار المعلن من قبل ترامب ومجلس سلامه العبثي، ومليارات الإعمار الوهمي التي تتدفق إلى خزانة واشنطن، بينما كان صوت هاكابي صريحا مباشرا، وممثلا لنزعة الصهيونية المسيحية الداعمة لإدارة ترامب اللصوصية، المتحالفة كتفا بكتف مع دوائر اللوبي الصهيوني المسيطر لا يزال في دوائر صنع قرار واشنطن. ادعى هاكابي ـ كما بات معروفا ـ حقا توراتيا للكيان الإسرائيلي في إقامة دولته الكبرى من الفرات إلى النيل، واستند إلى تفسير مشوه لعبارة في سفر التكوين التوراتي، تقول إن الرب أعطى للنبي إبراهيم ونسله (من اليهود حصرا لا من العرب) كل أراضي الشرق الأوسط من العراق إلى مصر، وحين فاجأه محاوره الإعلامي الأمريكي الشهير تاكر كارلسون باقتراح مباغت، مفاده إجراء اختبار جيني (d.n.a) لكل المقيمين على أرض فلسطين اليوم، ومعرفة أيهم أحق وأكثر ارتباطا بالأرض، ابتلع هاكابي لسانه وغمغم ورفض الاقتراح، ربما لأنه أدرك وقوعه في فخ، وأن إثباتات العلم الأحدث تدحض افتراءاته المنسوبة للتوراة، وأن الحقيقة كلها ربما تتكشف، فأغلب يهود اليوم ـ داخل الكيان وفي الخارج الغربي ـ بلا علاقة نسب متصل تجمعهم بيهود التوراة القدامى، وأغلبهم من أصول يهود مملكة الخزر، التي تأسست وقامت بين القرنين السابع والثاني عشر الميلادي، وكانت ممتدة في جنوب روسيا الحالية بين بحر قزوين والبحر الأسود، وتهود غالب أهلها لأسباب سياسية وبأوامر ملكية، وليس في الدين اليهودي تهود ولا تبشير ولا دعوة، وتفرق هؤلاء المتهودون بعد تحطيم المملكة في روسيا وأوكرانيا وبولندا وشرق أوروبا عموما، وكانوا الشريحة الأكبر لليهودية الأشكنازية، التي قامت بينها الحركة الصهيونية، وصولا إلى احتلال فلسطين، وخرج من نسلها أغلب قادة إسرائيل إلى اليوم، فلا حق توراتي لهؤلاء من أصله، ومزاعم هاكابي متهافتة في موازين العلم والتاريخ، والوجود العربي الفلسطيني هو الأصل البشري الغالب في كل فلسطين منذ ما قبل النبي إبراهيم إلى اليوم وإلى الغد بإذن الله.
نيسان ـ نشر في 2026/02/28 الساعة 00:00