هل سيكون هناك غورباتشوف إيراني؟!

د. محمد أبو رمان
نيسان ـ نشر في 2026/03/02 الساعة 00:00
تتجاوز عملية اغتيال خاميني مع الأركان العليا للحرس الثوري والاستخبارات والدفاع مسألة الاختراق الأمني والنجاح العسكري إذ تمثّل نقطة تحول في تاريخ إيران السياسي ومستقبلها. وما سيحدث لاحقاً، أيّاً كانت النتائج العسكرية المترتبة على الحرب أو مدتها الزمنية، فإنّ تغيراً جوهرياً في نظام «ولاية الفقيه» سيكون السيناريو الرئيس المتوقع للمرحلة القادمة.
صحيح أنّ هنالك ترتيبات إيرانية جاهزة لعملية الإحلال القيادي لما بعد الاغتيالات، كما أنّ منظومة القيادة والسيطرة تبدو ما تزال فاعلة حتى اللحظة، كما أنّ إيران عملت على توسيع مساحة الحرب والضربات لتأخذ أبعاداً إقليمية، إلاّ أنّ ذلك كلّه على المدى القصير، لكن على المدى المتوسط فإنّ إيران في لحظة انتقالية وفي حالة من فقدان التوازن بصورة كبيرة، داخلياً وخارجياً، وهو ما سيؤدي إلى عملية تغيير داخلي.
إمّا أن يكون التغيير سلمياً، وبصورة عقلانية داخل النظام نفسه، من خلال التيار الإصلاحي الذي قد يمسك بزمام الأمور ويقوم بعملية الهدم والبناء الداخلي (على غرار غورباتشوف والبروسترويكا)، وربما يكون هذا الشخص هو الرئيس الإيران الحالي، مسعود بزشكيان (إن بقي على قيد الحياة) أو بعض أقطاب التيار الإصلاح التاريخيين والمعروفين، وربما شخصية وسطية بين التيارين لتجاوز المنعطف الخطير الراهن.
وإمّا، في حال تمسّك الحرس الثوري والمحافظون بالسلطة ورفضوا الصفقة الوحيدة القادرة على حماية البلاد وتماسكها، فإنّ النتيجة البديلة، وفي ضوء اختلال موازين القوى الخارجية والحرب والقصف، والأزمة الداخلية، هي الدخول في مرحلة من الصراع الداخلي، وربما تفكيك الجغرافيا السياسية للبلاد.
ثمّة عوامل متعددة مركّبة ومتداخلة ستكون هي الإطار الذي يحدد المرحلة القادمة؛ الأول هو مستوى وحجم الفجوة في موازين القوى، في حال تمّ شل الدفاعات الجوية الإيرانية والقضاء على المنظومة الصاروخية سريعاً، فإنّ ذلك يضعف ويحجّم التيار المحافظ والحرس الثوري، والثاني هو الانقسام والوحدة في داخل النخبة السياسية الإيرانية، فمن الواضح أنّ الرئيس الإيراني ووزير خارجيته والعديد من القيادات السياسية ستفضّل سيناريو عقلاني وواقعي والحدّ من حجم الخسائر وإنقاذ البلاد من مصائر خطيرة، وتجرّع مرارة الخسارة، التي ستكون بطعم الاستسلام، والثالث هو العلاقة بين الدولة والمجتمع في مرحلة تبدو فيها الشرعية السياسية للنظام الحالي في أوهن صورها والقاعدة الاجتماعية الداعمة له لا تتجاوز الأقلية المحدودة.
ثمة مذاهب فكرية عديدة وقوية في الأوساط الشيعية تسمح بمراجعة الشكل الحالي للنظام، ولعلّ أبرزها الخروج بصورة تدريجية من مفهوم ولاية الفقيه، ويمكن أن يكون ذلك من خلال لجنة تتولّى مسؤولية ولاية الفقيه بديلاً عن شخص واحد (وهذا المقترح كان موجوداً على الطاولة ضمن السيناريوهات لمرحلة ما بعد الخاميني نتيجة الوفاة الطبيعية بسبب العمر)، وربما المرشد الجديد المعتدل، إن تم التوافق عليه، الذي يساهم في هذا التحجيم والتحول لدور الموقع في النظام السياسي الإيراني، وربما من خلال التحول نحو نظرية آية الله منتظري، المنظّر الفكري المعروف لولاية الفقيه، والذي انقلب لاحقاً على هذا المبدأ، وهنالك العديد من الاتجاهات الدينية والفكرية في قم وفي الأوساط السياسية والفكرية التي تدعم هذا التحول التاريخي.
من غير المتوقع أن تستمر الحرب طويلاً، على الأغلب أسابيع محدودة، وإذا تجاوزت ذلك، فإنّ النتيجة الوحيدة هي مزيد من التدمير والأضرار في إيران، للأسف لا يوجد سيناريو أفضل، وحجم الفجوة في موازين القوى هائلة، وحجم الأزمة الداخلية الإيرانية كبير جداً، وربما علينا أن نعترف أنّ نتنياهو سينجح بعد هذه الحرب في تحييد إيران وإخراجها بالكلية من المعادلة الإقليمية، لكن بمساعدة ودعم رئيس يخدم إسرائيل أكثر من أي رئيس أميركي آخر، وإيران ولاية الفقيه انتهت لكن السؤال هو ما هو النظام الإيراني القادم؟!
    نيسان ـ نشر في 2026/03/02 الساعة 00:00