كيف تتعامل الصين مع الحرب الإيرانية الأمريكية؟

حازم عيّاد
نيسان ـ نشر في 2026/03/04 الساعة 00:00
يجادل البعض بأن الصين لم تستفد من المواجهة الدائرة بين ايران والولايات المتحدة الامريكية وشريكتها اسرائيلي، ويذهب هؤلاء الى القول بإن الصين تدفع ثمنا باهظا بإغلاق مضيق هرمز بارتفاع تكاليف التأمين على ناقلات النفط العملاقة المتوجهة الى الصين من الخليج العربي الى 400 الف دولار في اليوم الواحد.
يسير ذلك بالتوازي مع احتمالات وقف امدادات النفط من ايران بأسعار تفضيلية؛ اذ تستورد الصين 80% من انتاج ايران النفطي، وما يقارب من نصف استهلاكها اليومي من منطقة الخليج العربي والعراق، البالغ ما يعادل تقريبا 3.8 ملايين برميل تنقل بحرا.
حقائق مفجعة للصين لا تعكسها إلا حقيقة امتلاك الصين أسطولًا كبيرًا من السفن التجارية وناقلات النفط والغاز، الى جانب حرية مرور سفنها عبر مضيق هرمز؛ إذ لم تغلقة ايران في وجهها أسوة بما حدث خلال المواجهات في البحر الاحمر في العامين 2024 و2025 بين الولايات المتحدة الامريكية وحركة انصار الله الحوثية، اذ حرمت السفن الامريكية والبريطانية، وتلك التي تحمل شحنات للكيان الاسرائيلي في حينها؛ ما دفع الولايات المتحدة لانتقاد الصين، واتهامها وشريكتها روسيا بتقديم الدعم الاستخباري الفني والتقني لحركة انصار الله الحوثية، وهو مشهد أخذ في التجدد في مضيق هرمز.
الصين اتخذت احتياطتها مطلع شباط فبراير قبل الحرب بأيام، إذ رفعت من وارداتها من الغاز والنفط الروسي، مستفيدة من امتناع الهند عن استيراد النفط الروسي استجابة للولايات المتحدة الامريكية، ما أمكن الصين من رفع وارداتها من 1.7 مليون برميل في اليوم الى 2.2 من النفط الروسي وبأسعار تفضيلية، مع توقعات برفع مستوى الواردات، وزيادة الاعتماد على الغاز الروسي الذي يصدر عبر ثلاثة انابيب: قوة سيبيريا 1 ووقة سيبيريا 2، وعبر انبوب غاز جزر سخالين شرق روسيا.
رغم ان الصين لا تميل الى تكثيف اعتمادها على روسيا، إلا أن مروحة خياراتها واسعة مع تواصل تدفق النفط والغاز من منطقة الخليج، ودون مضايقات ايرانية؛ ما دفع الصين إلى مناشدة ايران بعدم استهداف حقول الغاز والمنشآت المرتبطة بها، الامر الذي يصعب التحكم به وما يزال محل جدل بدوره، اذ نفت ايران استهدافها، واتهمت أطرافًا خارجية باستهداف المنشآت النفطية والعازية، ملمحة الى طرف ثالث اسوة بما حدث عند استهداف خط “نورد ستريم الروسي” في اعماق بحر البلطيق المتجه إلى ألمانيا واوروبا الغربية بعد الحرب الروسية في اوكرانيا، حيث اتهمت روسيا الاستخبارات الاوكرانية والبريطانية والامريكية في حينها.
التحدي الذي تواجهه منطقة الخليج في ضوء التجارب في اوكرانبا وبحر البلطيق يشير الى امكانية خروج الامور عن السيطرة، ودخول المصالح المتعارضة للقوى الدولية على خط الصراع باستهداف المنشآت على نحو ما حدث في اوكرانيا وبحر البلطيق بالقرب من الدائرة القطبية الشمالية، حقيقةٌ ترفع من مستوى التوتر والقلق لدول الخليج العربية، وتدفعها للمسارعة في الضغط على الاطراف لإنهاء الحرب، وهو توجه يتوقع ان تتبعه الدول الاوروبية التي وجدت في منطقة الخليج ملاذا وبديلا للنفط والغاز الروسي، والاهم النفط والغاز الامريكي الذي تحول لورقة ابتزاز بيد دونالد ترامب يلوح بها في وجه القارة الاوروبية.
الصين امام هذا التحدي تبدو الأقدر على التكيف بمزيد من الانفتاح على روسيا والاسواق الافريقية، وقدرتها على محاكاة نموذج الصراع في البحر الاحمر، كما أن روسيا تبدو مستفيدة من هذه التحولات برفع اسعار النفط والغاز، وقدرتها على تحسين تموضعها الجيوسياسي الاقتصادي والعسكري امام القارة الاوروبية والولايات المتحدة، على نحو يعزز اوراقها التفاوضية مع القارة الاوروبية والناتو، والحال ذاته مع الصين التي ستعمد الى تعزيز تموضعها في ضوء ذلك في مركز الاقتصاد الدولي اقتصاديا وجنوب شرق آسيا والمحيط الهادي والهندي جيوسياسيا.
في مقابل ذلك، حققت الولايات المتحدة بعض المكاسب الآنية والمحدودة برفع قيمة الدولار، واعادة الثقة بشكل مؤقت بقدرتها على خوض الحروب، والدفاع عن مكانتها كقوة دولية؛ اذ بات الدولار والنفط والغار الامريكي ملاذًا آمنًا لأوروبا وكوريا الجنوبية واليابان، إلا أن تورط الولايات المتحدة في الحرب وبشكل مباشر سينعكس على مكانتها وتموضعها الجيوسياسي في المنطقة العربية، ويسهم في مزيد من الانقسامات الداخلية والتوترات مع الحلفاء، ووقع التراجع في معدلات النمو التي بلغت قبيل الحرب 1,5 % وهو ما حذرت منه اليوم الثلاثاء وزير الخزانة الامريكية جانبيت يلين.
ختامًا..
الحرب ليست صواريخ وطائرات، بل اقتصاد وسياسية وهي نقاط ضعف في الاستراتيجية الامريكية، راهن مستشارو الرئيس ترامب على تحييدها في حال حسم الصراع سريعا، الامر الذي لم يتحقق، ولا يُتوقع ان يتحقق قريبا. في المقابل برزت الصين وعن يسارها روسيا كالطرف الأقدر على التكيف، والتعامل مع أبعاد الحرب الاقتصادية والسياسية على المدى القصير والمتوسط لحرب لا يبدو ان وقف اطلاق النار فيها سيكون النهاية الفعلية لها؛ فهي حرب مفتوحة على ابعاد سياسية واقتصادية وجيوسياسية دولية لا نهاية لها، حقيقةٌ تستوجب من دول المنطقة ومن ضمنها الاردن اعادة النظر فيما هو قادم، وسبل ومواجهته، فما يجري لا يعد سحابة صيف عابرة.
    نيسان ـ نشر في 2026/03/04 الساعة 00:00