اليأس الكردي: كيف حوّلت بعض الفصائل الحلم بـ'كردستان' إلى سلعة تباع لأمريكا وإسرائيل؟

نيسان ـ نشر في 2026/03/05 الساعة 00:00
تحليل إخباري-منذ عقود، يحلم الشعب الكردي بوطن مستقل يجمع شتاته عبر أربع دول؛ تركيا وسوريا والعراق وإيران. وهو حلم مشروع في نظر كثيرين، لكنه تحول ربما منذ غزو العراق، لدى بعض الفصائل، إلى مجرد ورقة مساومة في سوق السياسة الدولية، والدرس الأكثر إيلاماً جاء من تجربة قسد (قوات سوريا الديمقراطية) في سوريا: دعم أمريكي كامل ضد داعش، ثم تخلٍّ مفاجئ عام 2019، وغزو تركي، ومذابح، وتهجير.
واليوم، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه، ولكن هذه المرة على الحدود الإيرانية.
حيث أكدّ، اليوم فجر الخميس (5 مارس 2026)، موقع أكسيوس نقلاً عن مسؤول أمريكي بأن ميليشيات كردية إيرانية بدأت هجوماً برياً في شمال غرب إيران. ونقلت فوكس نيوز عن مسؤول أمريكي آخر أن آلاف الأكراد العراقيين شنّوا هجوماً برياً داخل الأراضي الإيرانية. أما صحيفة يسرائيل هيوم الإسرائيلية، فقد نقلت عن مصدر إسرائيلي قوله إن "الحدث حقيقي وله أهمية كبيرة".
السياق واضح: الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران تتواصل، وواشنطن وتل أبيب تبحثان عن "قوات برية رخيصة" تفتح جبهة داخلية تضعف النظام الإيراني وتشتت قوات الحرس الثوري. والكرد – مرة أخرى – هم المرشحون المفضلون لهذه المهمة الانتحارية.
ورغم أن الإنكارات جاءت سريعة وقوية، حيث أكدت وكالة تسنيم الإيرانية أن مراسليها في ثلاثة أقاليم حدودية "ينفون تماماً" عبور مسلحين أكراد.
نائب مدير مكتب رئيس وزراء إقليم كردستان العراق أعلن صراحة: "لم يعبر أي كردي عراقي الحدود إلى إيران".
حتى البيت الأبيض نفى، على لسان المتحدثة كارولين ليفيت، أي اتفاق مع الأكراد لشن غزو بري.
لكن هذه الإنكارات لا تنفي وجود اتصالات، حيث الرئيس دونالد ترامب أجرى اتصالات مباشرة مؤخرا مع قادة أكراد (مسعود بارزاني وبافل طالباني) لمناقشة "القاعدة الأمريكية في شمال العراق"، كما أفادت أكسيوس. وتقارير أخرى تتحدث عن مناقشات أمريكية لتسليح فصائل كردية إيرانية (مثل حزب الحياة الحرة الكردستاني PJAK وغيره) لإثارة انتفاضة داخلية.
الدرس السوري لم يُستوعب
في سوريا، قدمت قسد آلاف الشهداء دفاعاً عن حلم "روج آفا" مقابل وعود أمريكية بالحماية. عندما انسحب ترامب (في عهده الأول)، حيث تركهم لمواجهة مصيرهم. اليوم، يبدو أن بعض الفصائل الكردية – رغم كل الخيانات السابقة – تعيد الكرّة. تحول الحلم الوطني من مشروع تحرر إلى "خدمة أمنية" يمكن توظيفها ضد طهران، ثم التخلص منها بسهولة عندما تنتهي الحاجة.
هذا ليس "تحالفاً استراتيجياً"، بل صفقة غير متكافئة: الأكراد يقدمون الدم، وواشنطن وتل أبيب يقدمان الوعود المؤقتة. وعندما تنتهي المعركة، سيجدون أنفسهم وحيدين مرة أخرى أمام غضب إيران أو تركيا أو حتى النظام السوري الجديد.
اليأس الكردي الحقيقي
اليأس هنا ليس في الشعب الكردي نفسه – الذي يستحق حقوقاً ثقافية وسياسية كاملة في كل الدول التي يعيش فيها – بل في بعض قياداته التي حوّلت قضية وطنية نبيلة إلى "ميليشيا للإيجار". بدلاً من بناء تحالفات إقليمية حقيقية أو التركيز على المفاوضات السياسية داخل الدول، اختارت بعض الفصائل طريق "الاستثمار الأمريكي-الإسرائيلي" الذي أثبت فشله مراراً.
التاريخ مليء بالدروس: من ثورة الشيخ سعيد في تركيا، إلى اتفاقية سايكس-بيكو، إلى انتفاضة 1991 في العراق، إلى قسد في سوريا. كل مرة يُستخدم الكرد كـ"بيادق" ثم يُرمون.

وأخيرا فلإنه إذا ثبتت التقارير الأمريكية، فإننا أمام مشهد مأساوي جديد؛ آلاف الشباب الكردي يُرسلون إلى حتفهم في جبال إيران لخدمة أجندة لا تمت للحلم الكردي بصلة. وإذا كانت مجرد "ضجيج إعلامي" كما يقول البعض، فإن مجرد طرح الفكرة يكشف عن عمق اليأس الذي وصلت إليه بعض الفصائل الكردية.
    نيسان ـ نشر في 2026/03/05 الساعة 00:00