نواب 'التفعيلة'.. حين يدفع الجمهور ثمن تذاكر حفل لقمة عيشه
نيسان ـ نشر في 2026/03/07 الساعة 00:00
ابراهيم قبيلات
من قال إن مشروع "قانون الضمان الاجتماعي" مجرد بنود جافة تتحدث عن الشيخوخة والعجز والوفاة؟ لقد تحول إلى "بحر عروضي" جديد، ألقى فيه النواب قصائدهم الواعدة.
فجأة، وبقدرة قادر، صار النائب عندنا لا يكتفي بالتشريع، بل يمارس "التفعيلة" السياسية على أصولها، ليضمن لنفسه تقاعدا "موزونا" ومقفى بذهب "الحسبة التقاعدية".
خطب تشبه إبداعات المسرحيات الشعرية تملأ أرجاء القبة، إذ لم نعد نسمع "أوافق" أو "لا أوافق" بجفافها المعهود. الآن، هناك موسيقى داخلية في الأداء.
النائب يخطب وعينه على "سنين الخدمة"، والآخر يعارض وقلبه يرتجف خوفا على "حسبته النهائية". إنه سوق عكاظ تشريعي، الكل يريد أن يخرج بلقب "شاعر المعلقة الضمانية".
ولأن الشعر العمودي صلب، يحتاج إلى التزام ببيت وقافية ووزن واحد، وهو ما لا يطيقه سياسي يريد أن "يميل حيث مالت الريح".
هنا تأتي نجاة "التفعيلة"، فهي تمنحهم الحرية منذ السطر الأول: "نحن مع الشعب المطحون".. تلك تفعيلة عاطفية. ومنذ السطر الثاني: "لكن المصلحة الوطنية تقتضي".. وتلك تفعيلة واقعية. أما عن الخاتمة، فلا أخفيكم أني أشعر بالحرج: "يا ضامن العمر.. هب لي من لدنك تقاعدا استثنائيا".. وتلك تفعيلة الختام.
فأي جمهور هذا الذي يصفق خلف الشاشات؟ أو قد لا يصفق. هو ربما يغضب.. أو لا يغضب. قد يشتم أو لا يشتم. أو ربما تحمر عيناه فيرتدي العدسات خشية أن ترى السلطات عينه الحمراء. إنه يخاف التبعات. ومن يخشى التبعات سيحول خطابه إلى نكتة يضحك لها الطرفان: الموالاة والمعارضة. وبهذا يسلم من العاقبة.
المواطن "المتضَمّن" الذي ينتظر بلوغ الستين كمن ينتظر ليلة القدر، يجلس أمام التلفاز يراقب هؤلاء الشعراء. لا يهمه البحر البسيط ولا الكامل، كل ما يهمه هو ألا يغرق هو في بحر الضياع. بينما ينجو السادة النواب بقوارب تقاعدية لا تخضع لقوانين الجاذبية الأرضية، ولا لقوانين الضمان التي تُطبق على "بني البشر" العاديين.
التشريع اليوم قصيدة وجدانية، أو ربما تصريح خادش للحياء، تُكتب بمداد من جيوب الكادحين. وإذا كان الضمان قد أحال الناس إلى شعراء ينظمون شعرا لا يشبه الشعر، فلن يتمنى أحد أن تكون السلطات قد سمعته، فإنه يخشى العاقبة.
أما من يخسر دوما، فهو الجمهور الذي يدفع ثمن تذاكر حفل لقمة عيشه.
من قال إن مشروع "قانون الضمان الاجتماعي" مجرد بنود جافة تتحدث عن الشيخوخة والعجز والوفاة؟ لقد تحول إلى "بحر عروضي" جديد، ألقى فيه النواب قصائدهم الواعدة.
فجأة، وبقدرة قادر، صار النائب عندنا لا يكتفي بالتشريع، بل يمارس "التفعيلة" السياسية على أصولها، ليضمن لنفسه تقاعدا "موزونا" ومقفى بذهب "الحسبة التقاعدية".
خطب تشبه إبداعات المسرحيات الشعرية تملأ أرجاء القبة، إذ لم نعد نسمع "أوافق" أو "لا أوافق" بجفافها المعهود. الآن، هناك موسيقى داخلية في الأداء.
النائب يخطب وعينه على "سنين الخدمة"، والآخر يعارض وقلبه يرتجف خوفا على "حسبته النهائية". إنه سوق عكاظ تشريعي، الكل يريد أن يخرج بلقب "شاعر المعلقة الضمانية".
ولأن الشعر العمودي صلب، يحتاج إلى التزام ببيت وقافية ووزن واحد، وهو ما لا يطيقه سياسي يريد أن "يميل حيث مالت الريح".
هنا تأتي نجاة "التفعيلة"، فهي تمنحهم الحرية منذ السطر الأول: "نحن مع الشعب المطحون".. تلك تفعيلة عاطفية. ومنذ السطر الثاني: "لكن المصلحة الوطنية تقتضي".. وتلك تفعيلة واقعية. أما عن الخاتمة، فلا أخفيكم أني أشعر بالحرج: "يا ضامن العمر.. هب لي من لدنك تقاعدا استثنائيا".. وتلك تفعيلة الختام.
فأي جمهور هذا الذي يصفق خلف الشاشات؟ أو قد لا يصفق. هو ربما يغضب.. أو لا يغضب. قد يشتم أو لا يشتم. أو ربما تحمر عيناه فيرتدي العدسات خشية أن ترى السلطات عينه الحمراء. إنه يخاف التبعات. ومن يخشى التبعات سيحول خطابه إلى نكتة يضحك لها الطرفان: الموالاة والمعارضة. وبهذا يسلم من العاقبة.
المواطن "المتضَمّن" الذي ينتظر بلوغ الستين كمن ينتظر ليلة القدر، يجلس أمام التلفاز يراقب هؤلاء الشعراء. لا يهمه البحر البسيط ولا الكامل، كل ما يهمه هو ألا يغرق هو في بحر الضياع. بينما ينجو السادة النواب بقوارب تقاعدية لا تخضع لقوانين الجاذبية الأرضية، ولا لقوانين الضمان التي تُطبق على "بني البشر" العاديين.
التشريع اليوم قصيدة وجدانية، أو ربما تصريح خادش للحياء، تُكتب بمداد من جيوب الكادحين. وإذا كان الضمان قد أحال الناس إلى شعراء ينظمون شعرا لا يشبه الشعر، فلن يتمنى أحد أن تكون السلطات قد سمعته، فإنه يخشى العاقبة.
أما من يخسر دوما، فهو الجمهور الذي يدفع ثمن تذاكر حفل لقمة عيشه.
نيسان ـ نشر في 2026/03/07 الساعة 00:00