المحطة الثانية لـ .. سيرة (كمبرادوري) رَثّ

نيسان ـ نشر في 2016/01/04 الساعة 00:00
محمد قبيلات.. دخل في يوم من أيام (التشارين) إلى مقهى كلية الآداب، لم يشعر بتلك الرجفة التي كانت تهزّه كلما اقترب من تلك "الشلة"، هذه المرّة كان مدفوعا بثقة كبيرة جعلته يحس، كما لو أنه أمتلك الجرأة كلها، فتقدم ملكا على خطواته. في البداية لم يشارك في النقاشات، كان مستمعا جيدا، راقب حركات الرفاق وسكناتهم، وتشرّب ردود أفعالهم، ومفرداتهم، كما راقه دفء المجموعة والحميمية التي تجمع أفرادها، فبدأ مرحلة "الانبهار" بكل ما يقوله "الرفاق" ويفعلونه، حتى أنه غيّر نوع سجائره التي كانت في حينه فاخرة، وصار يدخّن من تلك الأنواع الرخيصة التي يدخنها الرفاق. ظل مستمعا طيّعا طوال فترة عضويته كمرشح، لم يشارك في نقاش، إلا عندما بلغّه الرفيق "أبو صالح" أنه صار عضوا كامل الأهلية، وأن الحزب يفتخر به ويتوقع منه الكثير. انخرط في خلية حزبية ومن ثم ترقّىّ في السلم الحزبي، حتى وصل عضو لجنة تنفيذية في إحدى منظمات الحزب الجماهيرية. غير أن فرحته لم تكتمل، ففي ليلة من ليالي حزيران 1978 وبينما هو نائم في منزله أفاق على زوار ثقال الظل، أخذوا يدقّون بعنف قبضاتهم المعهودة على الأبواب والشبابيك. ما هي إلا دقائق حتى أُقتيد الى "العبدلي"، حيث ينتصب ذلك المبنى الشاحبة ألوانه، ولم يفق إلا وهو يوقع على استنكار للحزب ويعترف بكل ما لديه من أسرار الرفاق. هذه سقطته الأولى، ويتلوها سقطات. خرج من هناك وشعور يتملكه أنه أصبح مجللا بالعار، كيف سينظر في أعين الرفاق والرفيقات وقد خانهم، وماذا سيقول لهم؟ سوى انه سرعان ما تجاوز هذه الحالة بفضل ما تذكره من نصائح المحقق، ولدخول الحزب في حالة من حالات الاستقطابات الداخلية والانشقاقات، ما جعل الفرقاء من الرفاق يتغاضون عن سقوطه ويقبلونه مرة أخرى في الحزب (على علاته). لكن حظه العاثر جعل المحقق يتنبه الى عودته لسيرته الأولى، فطلبه مرة أخرى وألقى به في (الساحة) مكتوف اليدين معصوب العينين لساعات، ثم جُلب الى مكتب التحقيق. هناك ظل المحقق صامتا، ينظر في عينيه ثم دفع إليه بورقة وقلم، طالبا منه أن يعيد كتابة استنكاره للحزب مرة أخرى وكتابة تقرير عما جرى معه داخل الحزب في الفترة السابقة لهذا الاعتقال، مع ذكر الأسماء من الأعضاء الذين عرفهم مؤخرا، وهذا ما كان. وهذه السقطة الثانية، وهي أيضا سيتلوها سقطات. بعد هذه الحادثة اضطر للانضمام الى مجموعة متطرفة كانت على وشك أن تنشق عن التنظيم، وكسلوك انسحابي صار على يسار يسارهم وأدهشهم بتطرفه ورغبته الجارفة في إشعال الثورة، وكان يبدو للناظرين منسجما مع نفسه، ومتوازنا، لكن الحقيقة غير ذلك، فلقد عاش صراعات وصراعات مع الذات، وأراد أن يغطي على ذلك باختراع نظريات جديدة للثورة، كان أولها ضرورة وجود الحاضنة الجماهيرية للحزب. صار مرة يرى أن الحاضنة تتشكل عبر شق البلد بصراع إقليمي، ومرة عبر شطره طائفيا. وهكذا عاش تيها حقيقيا خلال بحثه عن حل لهذه المعضلة حتى غدا اليساري التائه بامتياز. -يتبع-
    نيسان ـ نشر في 2016/01/04 الساعة 00:00