نساء غزة في يوم المرأة العالمي… صمود بين الركام والأمل
نيسان ـ نشر في 2026/03/09 الساعة 00:00
في كل عام يأتي يوم المرأة العالمي محمّلًا برسائل التقدير لدور المرأة في المجتمع، لكن في غزة يحمل هذا اليوم معنى مختلفًا.
هنا لا تُقاس حكايات النساء بالإنجازات التقليدية فقط، بل بما يحملنه من صبرٍ ثقيل، وبما ينسجنه من أملٍ رغم الفقد والدمار الذي خلّفته الحرب.
على امتداد القطاع، تقف آلاف النساء في خطوط الحياة الأولى بعد أن فقدن أبناءً أو أزواجًا أو بيوتًا، لكنهن لم يفقدن القدرة على الاستمرار.
كثيرات أصبحن المعيل الوحيد لأسرهن، يواجهن أعباء الحياة اليومية في ظل ظروف اقتصادية وإنسانية قاسية، من نقص الغذاء والمياه إلى انعدام فرص العمل.
وتحكي قصص النساء في غزة تفاصيل موجعة؛ أمّهات يبدأن يومهن بمحاولة توفير أبسط مقومات الحياة لأطفالهن، وأخريات يعشن ألم الفقد بعد أن تركت الحرب مقاعد فارغة في بيوتهن.
ومع ذلك، تواصل المرأة الغزية صنع حياة جديدة من بين الركام، باحثة عن نافذة صغيرة للأمل.
وفي المخيمات ومراكز الإيواء، تظهر وجوه النساء عنوانًا للصمود؛ فإلى جانب دورهن في رعاية الأسر، تشارك كثيرات في مبادرات تطوعية لتقديم الطعام أو مساعدة العائلات الأكثر تضررًا، في محاولة لمدّ جسور التضامن داخل مجتمع أنهكته الحرب.
حكاية من الركام
من بين هذه الحكايات، تروي الشيف جيهان سعد تجربتها مع الحرب ومحاولتها استعادة حلمها رغم الفقد.
تقول سعد إنها بعد إنهاء دراستها الجامعية في تخصص التربية الإسلامية، سعت لتحقيق حلم طفولتها في صناعة الشوكولاتة اليدوية، لتؤسس مشروعها الخاص “Sweet Love Chocolat”، وتفتتح أول متجر متخصص في الشوكولاتة في قطاع غزة، ليصبح لاحقًا علامة تجارية معروفة، لكن الحرب قلبت حياتها رأسًا على عقب.
وتقول في حديثها لـ”قدس برس”: “بعد الحرب، أصبحت كل قطعة شوكولاتة أصنعها تحمل شيئًا من حكايتي.
في أحد الأيام حاصر جنود الاحتلال المتجر، واستخدمونا دروعًا بشرية بينما كانوا يطلقون الرصاص، ثم أحرقوا المكان، فاضطررنا إلى الهرب تحت القصف.
وتضيف أن المأساة لم تتوقف عند ذلك، إذ تعرّض منزلها للقصف، ما أدى إلى استشهاد ابنها محمد وعدد من أشقائها، بينما لا يزال كثير من أحبائها داخل سجون الاحتلال.
وتتابع: “خلال الحرب انقطعت كل الإمكانات اللازمة لصناعة الشوكولاتة، لكننا حاولنا العودة إلى العمل بأقل الموارد. وخلال المجاعة الأولى التي ضربت شمال غزة، بحثت عن بدائل، فاتجهت إلى صناعة المخبوزات مثل البسكويت والمعمول، مستفيدة من خبرتنا في التصنيع الغذائي”.
تصمت للحظة، ثم تقول بصوتٍ يثقلُه الألم: “أحيانًا أنهار، ثم أستجمع قوتي من جديد؛ أسرتي بحاجة إليّ، ومواصلة العمل بالنسبة لي وفاء لابني وإخوتي الذين كانوا دائمًا مصدر هذا الحلم”.
ورغم القصف والدمار والنزوح المتكرر، تؤكد سعد أنها لم تتوقف عن العمل. وتقول: “في كل مرة نحاول أن نقف من جديد رغم كل الصعوبات”.
حين تتحول الذاكرة إلى لوحات
ولا تبدو قصة الرسامة آلاء الجعبري بعيدة عن هذا المشهد.
فقد اختارت الجعبري أن تنقل تجاربها وتجارب النساء من حولها إلى لوحات وقصص مصورة تعبّر بالألوان عما تعجز الكلمات عن قوله.
وتقول: “حاولت من خلال رسوماتي تسليط الضوء على قصص الفئات المهمشة، والتحديات التي يواجهها الأطفال في حياتهم اليومية، وتحويل القضايا الحساسة إلى حكايات بسيطة وعميقة في آن واحد، باستخدام الصورة واللون والحوار القصير”.
وتضيف في حديثها لـ”قدس برس” أن رحلة نزوحها إلى جنوب القطاع شكّلت نقطة تحول في عملها الفني.
وتوضح: “عندما خرجنا من بيتنا ولم يعد لنا مكان نعود إليه، وشقّينا طريقنا نحو الجنوب، شعرت أنني أترك خلفي حياة كاملة. ومن إيماني بأن الرسم أحيانًا أصدق من الكلمات، وأن القصة المصورة قادرة على منح الصوت والكرامة لمن لا يُسمع صوته، قررت أن أواصل”.
لكن الحرب لم تكتفِ بأخذ بيتها وأدواتها الفنية، بل امتدت إلى ذاكرتها أيضًا. وتقول: “الحرب لم تفقدني بيتي وألواني ورسوماتي فقط، بل أخذت جزءًا من ذاكرتي وأضعفت شعوري بالاستمرارية؛ لذلك حاولت أن أفرغ الألم في الرسم حتى في الأوقات التي لم أكن أملك فيها قلمًا أو ورقة”.
وتشير إلى أن تسارع الأحداث والخسائر المتلاحقة يهدد الذاكرة بالنسيان، لذلك قطعت عهدًا على نفسها بأن تحوّل كل ما علق في ذاكرتها إلى قصص ورسومات.
وتضيف: “أفعل ذلك كي لا نصبح مجرد أرقام”.
يوم المرأة… معنى مختلف
وعن يوم المرأة العالمي، تقول الجعبري إنّ معناه في غزة مختلف تمامًا.
وتوضح: “أن تكوني امرأة وسط الدمار يعني أن تحاولي حماية نفسك ومساحتك ومشاعرك في وقت لا توجد فيه مساحات أصلًا. لا وقت للحزن، ولا زاوية آمنة، ولا باب يُغلق”.
وتضيف: “النهوض لم يكن لحظة بطولية واحدة، بل خطوات صغيرة جدًا: نفسٌ أعمق، يوم إضافي أعيشه، كلمة أكتبها أو رسمة أرسمها. أحيانًا لم أنهض لأنني قوية، بل لأنني لم أملك خيارًا آخر سوى أن أحاول مرة أخرى”.
وبين الحكايات الثقيلة التي تحملها النساء في غزة، يتحول الألم إلى قوة صامتة، وتصبح الحياة نفسها شكلًا من أشكال المقاومة اليومية.
قدس برس
هنا لا تُقاس حكايات النساء بالإنجازات التقليدية فقط، بل بما يحملنه من صبرٍ ثقيل، وبما ينسجنه من أملٍ رغم الفقد والدمار الذي خلّفته الحرب.
على امتداد القطاع، تقف آلاف النساء في خطوط الحياة الأولى بعد أن فقدن أبناءً أو أزواجًا أو بيوتًا، لكنهن لم يفقدن القدرة على الاستمرار.
كثيرات أصبحن المعيل الوحيد لأسرهن، يواجهن أعباء الحياة اليومية في ظل ظروف اقتصادية وإنسانية قاسية، من نقص الغذاء والمياه إلى انعدام فرص العمل.
وتحكي قصص النساء في غزة تفاصيل موجعة؛ أمّهات يبدأن يومهن بمحاولة توفير أبسط مقومات الحياة لأطفالهن، وأخريات يعشن ألم الفقد بعد أن تركت الحرب مقاعد فارغة في بيوتهن.
ومع ذلك، تواصل المرأة الغزية صنع حياة جديدة من بين الركام، باحثة عن نافذة صغيرة للأمل.
وفي المخيمات ومراكز الإيواء، تظهر وجوه النساء عنوانًا للصمود؛ فإلى جانب دورهن في رعاية الأسر، تشارك كثيرات في مبادرات تطوعية لتقديم الطعام أو مساعدة العائلات الأكثر تضررًا، في محاولة لمدّ جسور التضامن داخل مجتمع أنهكته الحرب.
حكاية من الركام
من بين هذه الحكايات، تروي الشيف جيهان سعد تجربتها مع الحرب ومحاولتها استعادة حلمها رغم الفقد.
تقول سعد إنها بعد إنهاء دراستها الجامعية في تخصص التربية الإسلامية، سعت لتحقيق حلم طفولتها في صناعة الشوكولاتة اليدوية، لتؤسس مشروعها الخاص “Sweet Love Chocolat”، وتفتتح أول متجر متخصص في الشوكولاتة في قطاع غزة، ليصبح لاحقًا علامة تجارية معروفة، لكن الحرب قلبت حياتها رأسًا على عقب.
وتقول في حديثها لـ”قدس برس”: “بعد الحرب، أصبحت كل قطعة شوكولاتة أصنعها تحمل شيئًا من حكايتي.
في أحد الأيام حاصر جنود الاحتلال المتجر، واستخدمونا دروعًا بشرية بينما كانوا يطلقون الرصاص، ثم أحرقوا المكان، فاضطررنا إلى الهرب تحت القصف.
وتضيف أن المأساة لم تتوقف عند ذلك، إذ تعرّض منزلها للقصف، ما أدى إلى استشهاد ابنها محمد وعدد من أشقائها، بينما لا يزال كثير من أحبائها داخل سجون الاحتلال.
وتتابع: “خلال الحرب انقطعت كل الإمكانات اللازمة لصناعة الشوكولاتة، لكننا حاولنا العودة إلى العمل بأقل الموارد. وخلال المجاعة الأولى التي ضربت شمال غزة، بحثت عن بدائل، فاتجهت إلى صناعة المخبوزات مثل البسكويت والمعمول، مستفيدة من خبرتنا في التصنيع الغذائي”.
تصمت للحظة، ثم تقول بصوتٍ يثقلُه الألم: “أحيانًا أنهار، ثم أستجمع قوتي من جديد؛ أسرتي بحاجة إليّ، ومواصلة العمل بالنسبة لي وفاء لابني وإخوتي الذين كانوا دائمًا مصدر هذا الحلم”.
ورغم القصف والدمار والنزوح المتكرر، تؤكد سعد أنها لم تتوقف عن العمل. وتقول: “في كل مرة نحاول أن نقف من جديد رغم كل الصعوبات”.
حين تتحول الذاكرة إلى لوحات
ولا تبدو قصة الرسامة آلاء الجعبري بعيدة عن هذا المشهد.
فقد اختارت الجعبري أن تنقل تجاربها وتجارب النساء من حولها إلى لوحات وقصص مصورة تعبّر بالألوان عما تعجز الكلمات عن قوله.
وتقول: “حاولت من خلال رسوماتي تسليط الضوء على قصص الفئات المهمشة، والتحديات التي يواجهها الأطفال في حياتهم اليومية، وتحويل القضايا الحساسة إلى حكايات بسيطة وعميقة في آن واحد، باستخدام الصورة واللون والحوار القصير”.
وتضيف في حديثها لـ”قدس برس” أن رحلة نزوحها إلى جنوب القطاع شكّلت نقطة تحول في عملها الفني.
وتوضح: “عندما خرجنا من بيتنا ولم يعد لنا مكان نعود إليه، وشقّينا طريقنا نحو الجنوب، شعرت أنني أترك خلفي حياة كاملة. ومن إيماني بأن الرسم أحيانًا أصدق من الكلمات، وأن القصة المصورة قادرة على منح الصوت والكرامة لمن لا يُسمع صوته، قررت أن أواصل”.
لكن الحرب لم تكتفِ بأخذ بيتها وأدواتها الفنية، بل امتدت إلى ذاكرتها أيضًا. وتقول: “الحرب لم تفقدني بيتي وألواني ورسوماتي فقط، بل أخذت جزءًا من ذاكرتي وأضعفت شعوري بالاستمرارية؛ لذلك حاولت أن أفرغ الألم في الرسم حتى في الأوقات التي لم أكن أملك فيها قلمًا أو ورقة”.
وتشير إلى أن تسارع الأحداث والخسائر المتلاحقة يهدد الذاكرة بالنسيان، لذلك قطعت عهدًا على نفسها بأن تحوّل كل ما علق في ذاكرتها إلى قصص ورسومات.
وتضيف: “أفعل ذلك كي لا نصبح مجرد أرقام”.
يوم المرأة… معنى مختلف
وعن يوم المرأة العالمي، تقول الجعبري إنّ معناه في غزة مختلف تمامًا.
وتوضح: “أن تكوني امرأة وسط الدمار يعني أن تحاولي حماية نفسك ومساحتك ومشاعرك في وقت لا توجد فيه مساحات أصلًا. لا وقت للحزن، ولا زاوية آمنة، ولا باب يُغلق”.
وتضيف: “النهوض لم يكن لحظة بطولية واحدة، بل خطوات صغيرة جدًا: نفسٌ أعمق، يوم إضافي أعيشه، كلمة أكتبها أو رسمة أرسمها. أحيانًا لم أنهض لأنني قوية، بل لأنني لم أملك خيارًا آخر سوى أن أحاول مرة أخرى”.
وبين الحكايات الثقيلة التي تحملها النساء في غزة، يتحول الألم إلى قوة صامتة، وتصبح الحياة نفسها شكلًا من أشكال المقاومة اليومية.
قدس برس
نيسان ـ نشر في 2026/03/09 الساعة 00:00