توترات الشرق الأوسط تضرب الاقتصاد العالمي
نيسان ـ نشر في 2026/03/13 الساعة 00:00
في الحقيقة لم تكن أزمة 2008 وحدها كافية لتذكير العالم بأن الصدمات الكبرى لا تبدأ دائماً من داخل الاقتصاد، بل قد تأتي من الجغرافيا السياسية. واليوم، ومع الأحداث الجارية في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج وما رافقها من تعطّل في تدفقات الطاقة وتهديد للملاحة في مضيق هرمز، يعود الاقتصاد العالمي إلى مواجهة اختبار شديد الحساسية، لأن هذه الأزمة تمسّ أكثر الأعصاب حيوية في العالم: النفط، والغاز، والتجارة، والتضخم، وأسواق المال.
إن خطورة هذه الحرب تكمن في أنها لا تُقاس بحجم العمليات العسكرية فقط، بل بموقع دول الخليج العربي وإيران في خريطة الطاقة العالمية. فمضيق هرمز يظل أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل النفط والغاز، وقد أكدت وكالة الطاقة الدولية أن أي تعطل واسع في هذا المسار يمثل صدمة مباشرة لأمن الطاقة العالمي، خصوصاً للغاز الطبيعي المسال، نظراً للدور المحوري الذي تلعبه دولة قطر في الإمدادات العالمية.
والتطور المهم هو أن الأسواق لم تعد تتعامل مع الأزمة باعتبارها فقط مجرد توتر عابر. فبحسب رويترز، أدت الحرب خلال أسبوع واحد فقط إلى اضطراب حاد في صادرات الطاقة، بينما قفزت أسعار النفط بأكثر من 25%، وتجاوز خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ إبريل 2024. كما أُعلن تعطّل أو تعليق جزء مهم من الإمدادات والشحنات في المنطقة، مع خفض إنتاج في بعض الدول المنتجة بسبب صعوبات التصدير والتخزين.
أما الغاز الطبيعي، فقد بدا أكثر حساسية من النفط في المدى القصير. فتعطل الإمدادات القطرية أو تعثر مرورها عبر هرمز يوجّه ضربة مباشرة لأسواق آسيا وأوروبا. وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن توقف تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر المضيق قد يخفض الإمدادات العالمية بأكثر من 300 مليون متر مكعب يومياً، وهو رقم ضخم في سوق شديدة الحساسية أصلاً. كما ذكرت رويترز أن عقود الغاز الأوروبية القريبة قفزت بنحو 70% خلال أيام، مع انتقال العدوى سريعاً إلى الأسعار الآسيوية وتكاليف الشحن.
إن هذا الارتفاع في أسعار النفط والغاز لا يبقى داخل قطاع الطاقة، بل ينتقل فوراً إلى الاقتصاد الحقيقي. فكل زيادة في كلفة الوقود والكهرباء والشحن والتأمين ترفع كلفة الإنتاج والنقل والغذاء والخدمات. ولهذا حذّر صندوق النقد الدولي من أن آثار الحرب تعتمد على مدتها وحجم الضرر الذي تلحقه بالطاقة والتجارة وتقلبات الأسواق المالية، في وقت يعاني فيه الاقتصاد العالمي أصلاً نمواً ضعيفاً وعدم يقين مرتفع.
ومن هنا تعود الضغوط التضخمية إلى الواجهة. فالعالم كان يتجه، قبل هذه الحرب، نحو بيئة أسعار سلع أكثر هدوءاً، إذ توقع البنك الدولي في أواخر 2025 تراجع أسعار السلع الأساسية والطاقة في 2026 بفعل تباطؤ النمو ووفرة الإمدادات. لكن الحرب قلبت هذا المسار رأساً على عقب، وفتحت الباب أمام موجة تضخم مستوردة جديدة تقودها الطاقة. وقد بدأت بعض البنوك المركزية والأسواق في احتساب هذا الخطر بالفعل، لأن ارتفاع أسعار النفط قد يؤخر خفض الفائدة أو يعيد تشديد السياسة النقدية في بعض الاقتصادات.
وستكون الدول المستهلكة للطاقة من أكبر المتضررين، خصوصاً في آسيا التي تعتمد بصورة كبيرة على نفط وغاز الخليج. وذكرت رويترز أن آسيا تستورد نحو 60% من خامها من الشرق الأوسط، ما يجعل أي تعطل في هرمز أو الإنتاج الخليجي تهديداً مباشراً للنمو الصناعي، وتكاليف الكهرباء، وفواتير الدعم، وعجز الميزانيات التجارية في الدول المستوردة. وستكون الاقتصادات الناشئة الأكثر هشاشة، لأنها تدفع ثمن الطاقة الأعلى بفوائد أعلى وعملات أضعف وهوامش مالية أضيق.
وفي المقابل، قد تبدو الدول المنتجة للنفط رابحة نظرياً من ارتفاع الأسعار، لكن الواقع أكثر تعقيداً. فالسعر المرتفع يفيد فقط إذا استمرت القدرة على الإنتاج والتصدير بسلاسة. أما إذا تعطل النقل أو ارتفعت مخاطر التأمين أو امتلأت مرافق التخزين أو تضررت المنشآت، فإن المنتجين يتحملون خسائر مزدوجة: خسارة كميات مباعة، وخسارة فرص الاستفادة من السعر المرتفع. وهذا ما ظهر بوضوح مع إعلان الكويت القوة القاهرة وخفض الإنتاج، ومع اضطراب الشحن في المنطقة.
أما كلفة إغلاق مضيق هرمز فهي لا تُقاس فقط بعدد البراميل المحتجزة، بل أيضاً بارتفاع أسعار التأمين البحري، وقفزات أجور الناقلات، وتأخر سلاسل التوريد، وإعادة رسم مسارات التجارة، وتحويل الطلب إلى مصادر بديلة أعلى كلفة. وكل يوم إضافي من الإغلاق أو التعطيل لا يضيف فقط دولارات إلى سعر البرميل، بل يراكم كلفة خفية على الصناعة العالمية، من المصافي إلى الطيران إلى البتروكيماويات. وقد وصفت رويترز الوضع الحالي بأنه خطر يهدد بإحداث صدمة طاقة عالمية إذا امتد لأسابيع أو أشهر.
أما أسواق المال في الشرق الأوسط فقد عكست هذه الحالة من الازدواجية بشكل واضح. فمن جهة، استفادت أسهم شركات الطاقة والمواد الأساسية في بعض الأسواق الخليجية من الارتفاع الملحوظ في أسعار النفط. ومن جهة أخرى، تعرضت بعض الأسواق لضغوط نتيجة التوترات والأحداث في المنطقة. وبذلك تكافئ الأسواق الشركات المستفيدة من صعود أسعار الطاقة، بينما تتعرض شركات القطاعات الأخرى الأكثر حساسية للمخاطر الجيوسياسية لضغوط وانخفاضات في قيمها السوقية.
وعالمياً، لا يقتصر الأثر على الأسهم، بل يمتد إلى السندات والعملات والمعادن. فالذهب يستعيد سريعاً دوره كملاذ آمن كلما اتسعت الحرب أو ارتفع منسوب الخوف، بينما تتفاعل الفضة جزئياً مع هذا المنحى أيضاً، وإن بقيت أكثر ارتباطاً بدورة الصناعة. أما النحاس وبقية المعادن الصناعية، فإنها تواجه معادلة أكثر تعقيداً: من جهة تستفيد من ضعف الدولار أحياناً ومن اضطرابات الإمداد، لكن من جهة أخرى تتعرض لضغوط إذا خافت الأسواق من تباطؤ اقتصادي عالمي يضعف الطلب الصناعي. وقد أبرزت رويترز بالفعل ارتفاع الطلب على الذهب مع تصاعد النزاع، في حين تبقى المعادن الصناعية أكثر حساسية لتوقعات النمو.
الخلاصة أن الحرب الدائرة لم تعد أزمة إقليمية محصورة في بُعدها العسكري، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص صدمة طاقة جديدة في وقت لم يتعافَ فيه بالكامل من آثار التضخم السابق واضطرابات سلاسل الإمداد وتشدد السياسة النقدية. وإذا طال أمد الحرب أو تصاعد خطر إغلاق هرمز، فإن العالم قد يواجه مزيجاً صعباً من النفط المرتفع، والغاز الشحيح، والتضخم العنيد، والنمو الأضعف، والأسواق الأكثر عصبية. وهذه هي الوصفة الكلاسيكية لمرحلة اقتصادية شديدة الارتباك.
"الخليج"
إن خطورة هذه الحرب تكمن في أنها لا تُقاس بحجم العمليات العسكرية فقط، بل بموقع دول الخليج العربي وإيران في خريطة الطاقة العالمية. فمضيق هرمز يظل أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل النفط والغاز، وقد أكدت وكالة الطاقة الدولية أن أي تعطل واسع في هذا المسار يمثل صدمة مباشرة لأمن الطاقة العالمي، خصوصاً للغاز الطبيعي المسال، نظراً للدور المحوري الذي تلعبه دولة قطر في الإمدادات العالمية.
والتطور المهم هو أن الأسواق لم تعد تتعامل مع الأزمة باعتبارها فقط مجرد توتر عابر. فبحسب رويترز، أدت الحرب خلال أسبوع واحد فقط إلى اضطراب حاد في صادرات الطاقة، بينما قفزت أسعار النفط بأكثر من 25%، وتجاوز خام برنت مستوى 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ إبريل 2024. كما أُعلن تعطّل أو تعليق جزء مهم من الإمدادات والشحنات في المنطقة، مع خفض إنتاج في بعض الدول المنتجة بسبب صعوبات التصدير والتخزين.
أما الغاز الطبيعي، فقد بدا أكثر حساسية من النفط في المدى القصير. فتعطل الإمدادات القطرية أو تعثر مرورها عبر هرمز يوجّه ضربة مباشرة لأسواق آسيا وأوروبا. وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن توقف تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر المضيق قد يخفض الإمدادات العالمية بأكثر من 300 مليون متر مكعب يومياً، وهو رقم ضخم في سوق شديدة الحساسية أصلاً. كما ذكرت رويترز أن عقود الغاز الأوروبية القريبة قفزت بنحو 70% خلال أيام، مع انتقال العدوى سريعاً إلى الأسعار الآسيوية وتكاليف الشحن.
إن هذا الارتفاع في أسعار النفط والغاز لا يبقى داخل قطاع الطاقة، بل ينتقل فوراً إلى الاقتصاد الحقيقي. فكل زيادة في كلفة الوقود والكهرباء والشحن والتأمين ترفع كلفة الإنتاج والنقل والغذاء والخدمات. ولهذا حذّر صندوق النقد الدولي من أن آثار الحرب تعتمد على مدتها وحجم الضرر الذي تلحقه بالطاقة والتجارة وتقلبات الأسواق المالية، في وقت يعاني فيه الاقتصاد العالمي أصلاً نمواً ضعيفاً وعدم يقين مرتفع.
ومن هنا تعود الضغوط التضخمية إلى الواجهة. فالعالم كان يتجه، قبل هذه الحرب، نحو بيئة أسعار سلع أكثر هدوءاً، إذ توقع البنك الدولي في أواخر 2025 تراجع أسعار السلع الأساسية والطاقة في 2026 بفعل تباطؤ النمو ووفرة الإمدادات. لكن الحرب قلبت هذا المسار رأساً على عقب، وفتحت الباب أمام موجة تضخم مستوردة جديدة تقودها الطاقة. وقد بدأت بعض البنوك المركزية والأسواق في احتساب هذا الخطر بالفعل، لأن ارتفاع أسعار النفط قد يؤخر خفض الفائدة أو يعيد تشديد السياسة النقدية في بعض الاقتصادات.
وستكون الدول المستهلكة للطاقة من أكبر المتضررين، خصوصاً في آسيا التي تعتمد بصورة كبيرة على نفط وغاز الخليج. وذكرت رويترز أن آسيا تستورد نحو 60% من خامها من الشرق الأوسط، ما يجعل أي تعطل في هرمز أو الإنتاج الخليجي تهديداً مباشراً للنمو الصناعي، وتكاليف الكهرباء، وفواتير الدعم، وعجز الميزانيات التجارية في الدول المستوردة. وستكون الاقتصادات الناشئة الأكثر هشاشة، لأنها تدفع ثمن الطاقة الأعلى بفوائد أعلى وعملات أضعف وهوامش مالية أضيق.
وفي المقابل، قد تبدو الدول المنتجة للنفط رابحة نظرياً من ارتفاع الأسعار، لكن الواقع أكثر تعقيداً. فالسعر المرتفع يفيد فقط إذا استمرت القدرة على الإنتاج والتصدير بسلاسة. أما إذا تعطل النقل أو ارتفعت مخاطر التأمين أو امتلأت مرافق التخزين أو تضررت المنشآت، فإن المنتجين يتحملون خسائر مزدوجة: خسارة كميات مباعة، وخسارة فرص الاستفادة من السعر المرتفع. وهذا ما ظهر بوضوح مع إعلان الكويت القوة القاهرة وخفض الإنتاج، ومع اضطراب الشحن في المنطقة.
أما كلفة إغلاق مضيق هرمز فهي لا تُقاس فقط بعدد البراميل المحتجزة، بل أيضاً بارتفاع أسعار التأمين البحري، وقفزات أجور الناقلات، وتأخر سلاسل التوريد، وإعادة رسم مسارات التجارة، وتحويل الطلب إلى مصادر بديلة أعلى كلفة. وكل يوم إضافي من الإغلاق أو التعطيل لا يضيف فقط دولارات إلى سعر البرميل، بل يراكم كلفة خفية على الصناعة العالمية، من المصافي إلى الطيران إلى البتروكيماويات. وقد وصفت رويترز الوضع الحالي بأنه خطر يهدد بإحداث صدمة طاقة عالمية إذا امتد لأسابيع أو أشهر.
أما أسواق المال في الشرق الأوسط فقد عكست هذه الحالة من الازدواجية بشكل واضح. فمن جهة، استفادت أسهم شركات الطاقة والمواد الأساسية في بعض الأسواق الخليجية من الارتفاع الملحوظ في أسعار النفط. ومن جهة أخرى، تعرضت بعض الأسواق لضغوط نتيجة التوترات والأحداث في المنطقة. وبذلك تكافئ الأسواق الشركات المستفيدة من صعود أسعار الطاقة، بينما تتعرض شركات القطاعات الأخرى الأكثر حساسية للمخاطر الجيوسياسية لضغوط وانخفاضات في قيمها السوقية.
وعالمياً، لا يقتصر الأثر على الأسهم، بل يمتد إلى السندات والعملات والمعادن. فالذهب يستعيد سريعاً دوره كملاذ آمن كلما اتسعت الحرب أو ارتفع منسوب الخوف، بينما تتفاعل الفضة جزئياً مع هذا المنحى أيضاً، وإن بقيت أكثر ارتباطاً بدورة الصناعة. أما النحاس وبقية المعادن الصناعية، فإنها تواجه معادلة أكثر تعقيداً: من جهة تستفيد من ضعف الدولار أحياناً ومن اضطرابات الإمداد، لكن من جهة أخرى تتعرض لضغوط إذا خافت الأسواق من تباطؤ اقتصادي عالمي يضعف الطلب الصناعي. وقد أبرزت رويترز بالفعل ارتفاع الطلب على الذهب مع تصاعد النزاع، في حين تبقى المعادن الصناعية أكثر حساسية لتوقعات النمو.
الخلاصة أن الحرب الدائرة لم تعد أزمة إقليمية محصورة في بُعدها العسكري، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص صدمة طاقة جديدة في وقت لم يتعافَ فيه بالكامل من آثار التضخم السابق واضطرابات سلاسل الإمداد وتشدد السياسة النقدية. وإذا طال أمد الحرب أو تصاعد خطر إغلاق هرمز، فإن العالم قد يواجه مزيجاً صعباً من النفط المرتفع، والغاز الشحيح، والتضخم العنيد، والنمو الأضعف، والأسواق الأكثر عصبية. وهذه هي الوصفة الكلاسيكية لمرحلة اقتصادية شديدة الارتباك.
"الخليج"
نيسان ـ نشر في 2026/03/13 الساعة 00:00