مشهد مرعب وتفسير علمي مدهش.. هكذا تقف الثعابين بلا أقدام

نيسان ـ نشر في 2026/03/14 الساعة 00:00
رغم أن فكرة ثعبان يرفع جزءا كبيرا من جسده منتصبا قد تكون مادة مثالية للكوابيس بالنسبة للمصابين برهاب الثعابين، فإن هذه القدرة المدهشة تمثل في نظر العلماء واحدة من أكثر الظواهر الطبيعية إثارة للحيرة، والآن، توصل الباحثون أخيرا إلى تفسير بيولوجي وفيزيائي لكيفية تمكن الثعابين، وخاصة ثعابين الأشجار، من إبقاء أجزاء كبيرة من أجسامها مرفوعة عموديا من دون أي أطراف تساعدها على ذلك.
وتكمن أهمية هذا الاكتشاف في أنه لا يقتصر على فهم سلوك الثعابين فحسب، بل قد يساهم أيضا في تطوير جيل جديد من الروبوتات، خصوصا الروبوتات الشبيهة بالثعابين والمصممة دون زوائد أو تفرعات، بحيث تستطيع الانزلاق عبر الفتحات الضيقة للغاية والوصول إلى أماكن يصعب على الآلات التقليدية بلوغها.
وبالنسبة لمعظم الحيوانات البرية، تبدو الأطراف عنصرا أساسيا للحركة والتوازن، ما جعل العلماء يتساءلون طويلا كيف تمكنت بعض الثعابين من التكيف مع هذا النقص، إذ إن بعض أنواع الثعابين تبدو أكثر قدرة على رفع أجسامها والانتصاب من كثير من الحيوانات رباعية الأطراف.
في هذا السياق، أدرك البروفيسور إل. مهاديفان من جامعة هارفارد أن إبقاء ما يصل إلى 70 في المئة من الجسم في وضع عمودي من دون الاستناد إلى أي شيء ليس مجرد مسألة قوة عضلية، بل هو بالدرجة نفسها تحدٍّ يتعلق بالتوازن، فهذا الأداء يتطلب مستوى استثنائيا من الإحساس العميق بالجسم أو ما يُعرف بالقدرة على إدراك مواضع أجزاء الجسد بالنسبة إلى بعضها بعضا، ومن أجل فهم الآلية بدقة، شكّل مهاديفان فريقا بحثيا متعدد التخصصات ضم خبرات متنوعة.
وقال مهاديفان في بيان يرافق الدراسة: "قد يبدو الأمر بالنسبة للبعض مادة للكوابيس، لكننا قمنا الآن بتحليل، رياضيا وفيزيائيا، الفيزياء الخفية واستراتيجيات التحكم التي تسمح للثعابين بتحدي الجاذبية".
فيديو
ويرى الباحثون أن النتائج قد تكون ذات فائدة مباشرة في تصميم الروبوتات الثعبانية، مثل الروبوت الذي سبق أن عرضته وكالة ناسا باعتباره نموذجا مرشحا لاستكشاف قمر أوروبا وغيره من الأقمار الجليدية، كما يأمل الفريق أن تمتد تطبيقات هذه النتائج إلى المجال الطبي، بحيث تستفيد منها بعض الأجهزة الطبية المستقبلية، وفي هذا الإطار، قال المؤلف الأول للدراسة الدكتور لودفيغ هوفمان: "من خلال تركيز التحكم في المواضع التي يكون فيها أكثر أهمية، قد يتعلم المهندسون بناء آلات تجمع بين الكفاءة والقدرة على الصمود".
وتوضح الدراسة أن القدرة على الارتفاع بالجسم استعدادا للهجوم ليست حكرا على نوع واحد، بل توجد لدى طيف واسع من الثعابين مع احتمال أن تكون ثعابين البحر استثناءً من ذلك، غير أن الثعابين الشجرية هي التي ارتقت بهذه المهارة إلى مستوى لافت، وبهدف يختلف عن مجرد الاستعداد للانقضاض، فالثعبان الذي يعيش على الأشجار لا يحتاج فقط إلى رفع جسمه عموديا مستندا إلى جذع أو غصن، بل يحتاج أيضا إلى الانتقال بين الأغصان صعودا وهبوطا ومن فرع إلى آخر، ولهذا الغرض، تستطيع ثعابين الشجر البنية إبقاء أكثر من ثلثي أجسامها مرفوعة في الهواء، وهي قدرة تشاركها فيها أيضا صغار ثعابين البيثون.
واعتمد الفريق في تجاربه على تصوير ثلاثة من ثعابين الشجر البنية وثعبان بيثون واحد أثناء تسلقها بين منصات مختلفة صُممت بحيث تكون رفيعة بما يكفي لتستطيع الثعابين الإمساك بها.
وأظهرت الكاميرات، التي كانت قادرة على التقاط الحركات الثعبانية بتفاصيل دقيقة، أن الثعابين لا تُصلّب كامل أجسامها أثناء الارتفاع كما قد يتبادر إلى الذهن، وبدلا من ذلك، تنشئ منطقة محددة قريبة من نقطة الانطلاق أو القاعدة التي ترتفع منها، تتركز فيها القوة العضلية، وما دام الجزء الواقع فوق هذه المنطقة، التي وصفها الباحثون بأنها "طبقة حدّية"، شبه عمودي، فإن الجاذبية لا تولد عزم دوران، أي إنها لا تسحب الجزء الأمامي من جسم الثعبان إلى الأسفل في اتجاه بعينه.
وفي هذه الحالة، يصبح جسم الثعبان نفسه هو العنصر الذي يمنع الانهيار المباشر نحو الأسفل، لكن هذه الآلية لا تعمل إلا إذا حافظ الثعبان على وضعية مستقيمة للغاية.
وكشفت النماذج العلمية أن الحفاظ على هذا الاستقرار لفترة زمنية ليس مجرد تفصيل إضافي، بل هو في الحقيقة أكثر صعوبة من عملية رفع معظم الجسم نفسها منذ البداية.
ولهذا خلص الباحثون إلى أن الاستقرار هو العامل الذي يحدد أقصى ارتفاع يستطيع الثعبان بلوغه في وضعية الانتصاب، مع تأكيدهم في الوقت ذاته أن هذا الاستنتاج ما زال يحتاج إلى مزيد من القياسات لإثباته نهائيا.
ومن الناحية العضلية، تبدو استراتيجية الطبقة الحدّية فعالة جدا لأنها تركز الجهد في موضع محدد بدل توزيعه بالتساوي على كامل الجسم، غير أن نجاح هذه الاستراتيجية يعتمد بشكل حاسم على امتلاك الثعبان قدرة فائقة على الإحساس بوضع جسده، فحين يبدأ في الميل أو السقوط في أي اتجاه، يجب أن يدرك ذلك فورا ليعيد شد جسمه وتصحيح وضعه.
ويشير الباحثون إلى أدلة تفيد بأن بعض الثعابين تستطيع الحفاظ على وضعها العمودي حتى في الظلام، ما يعني أن الرؤية قد لا تكون عنصرا ضروريا في هذه العملية.
لكن التوازن وحده لا يكفي، إذ يتعين على الثعبان أيضا أن يعرف أي العضلات يجب أن ينشّطها في كل لحظة، ولهذا اختبر الفريق نموذجين رياضيين مختلفين لتفسير هذه العملية: الأول يعتمد على التصلب الموضعي في مناطق محددة، والثاني يقوم على تنسيق الحركة والشد عبر الجسم كله.
وتشير الحسابات النظرية إلى أن التنسيق الشامل عبر كامل الجسم أكثر كفاءة بكثير من حيث مقدار الجهد المطلوب، ومع ذلك، فإن التمايل المستمر الذي يظهر على الثعابين عندما تمد أجسامها إلى ما بعد النقطة التي تستطيع الحفاظ عندها على استقرار مريح، يوضح أن هذه العملية تظل معقدة وشاقة، حتى مع أكثر الاستراتيجيات كفاءة.
    نيسان ـ نشر في 2026/03/14 الساعة 00:00