ليست أزمة سعر فقط… بل أزمة “قدرة على التسميد

المهندس رائد الصعوب
نيسان ـ نشر في 2026/03/15 الساعة 00:00
ما يجري اليوم في سوق الأسمدة أخطر من مجرد ارتفاع بندٍ محاسبي في كلفة الزراعة. الخطر الحقيقي يبدأ عندما يصبح السماد موجودًا في السوق لكن غير ميسور للمزارع، أو يصل متأخرًا عن نافذة التسميد الحرجة. هنا لا نكون أمام زيادة تكلفة فقط، بل أمام احتمال نقص فعلي في الإنتاج الزراعي نفسه. 
الأزمة الحالية انطلقت من نقطة شديدة الحساسية: مضيق هرمز. فبحسب رويترز يمر عبره نحو 33% من تجارة الأسمدة العالمية، وقد هبطت حركة العبور فيه بنحو 97% منذ اندلاع الحرب. ومع هذا التعطل، أصبحت المنطقة المعرّضة للاضطراب تمثل قرابة 49% من صادرات اليوريا العالمية، ونحو 30% من صادرات الأمونيا، ونحو 50% من تجارة الكبريت، ما يعني أن الصدمة لا تضرب اليوريا فقط، بل تمتد أيضًا إلى الفوسفات عبر الكبريت وحمض الكبريتيك. 
كثيرون يقولون إن السماد لا يمثل إلا 10–20% من تكلفة الزراعة، لكن هذه قراءة ناقصة. فبيانات وزارة الزراعة الأميركية تُظهر أن السماد شكّل منذ 2020 ما بين 33–44% من التكاليف التشغيلية للذرة و34–45% للقمح، بل تجاوز 40% لكليهما في 2022. لذلك، عندما تقفز الأسعار في موسم الشراء، لا يشعر المزارع بزيادة هامشية، بل بضيق سيولة قد يدفعه إلى خفض التسميد أو تأجيله أو تقليص المساحة المزروعة. 
وهنا تظهر عقدة الأفوردابلتي أو القدرة على الشراء. دراسة حديثة وجدت أن 47% من المزارعين في العينة متعددة الدول لم يستطيعوا الوصول إلى الكمية التي أرادوها من السماد، وأن من تمكنوا من الشراء استخدموا في المتوسط أقل من نصف الكمية التي كانوا يرغبون بها، وكان السبب الأهم هو ضعف القدرة المالية. المعنى واضح: في أوقات الصدمة، السوق لا يعاقب المزارع فقط بارتفاع السعر، بل قد يمنعه أصلًا من التسميد بالمستوى المطلوب. 
ولذلك فإن أثر نقص السماد أكبر بكثير من وزنه المحاسبي. في تجربة موثقة بجامعة إلينوي، أعطت الذرة 150 بوشل/فدان من دون نيتروجين، مقابل 236 بوشل/فدان عند المعدل الأمثل، أي خسارة تقارب 36%. وفي القمح، أظهر تحليل تلوي عالمي أن التسميد النيتروجيني رفع الغلة في المتوسط بنحو 62.8% مقارنة بالمعاملات غير المسمدة. ببساطة: السماد ليس مجرد تكلفة تُضاف إلى المحصول، بل في كثير من الحالات هو جزء من المحصول نفسه. 
ومن هنا تأتي خطورة موسم الربيع الحالي في النصف الشمالي. إذا اضطر المزارع إلى خفض التسميد الآن، أو لم تصل الإمدادات في الوقت المناسب، فإن الأثر لن يظهر فقط في دفاتر الحسابات، بل في حجم الحصاد نفسه. ولهذا تحركت الصين مبكرًا، فأطلقت احتياطياتها من الأسمدة قبل المعتاد بما لا يقل عن 15 يومًا لتأمين موسم الحراثة الربيعية، في وقت لم تمنح فيه أي تصاريح تصدير لليوريا هذا العام رغم توقعات إنتاج قياسي. هذه إشارة واضحة إلى أن الدول الكبرى بدأت تتعامل مع الأزمة باعتبارها أزمة توفر وتوقيت لا مجرد أزمة أسعار. 
أما مستقبل المحاصيل الاستراتيجية، فسيُحسم وفق مدة استمرار التعطل. إذا طال الضغط على هرمز، فالتوقع الأقرب هو: معدلات تسميد أقل، وتحول بعض المزارعين إلى محاصيل أقل استهلاكًا للنيتروجين، وغلات أضعف في بعض مناطق القمح والذرة، ثم انتقال تدريجي للضغوط إلى أسعار الغذاء. صحيح أن العالم لم يدخل بعد انفجارًا غذائيًا شاملًا؛ فمؤشر الفاو لأسعار الغذاء بلغ 125.3 نقطة في فبراير، مرتفعًا 0.9% فقط عن يناير، وما يزال أقل من مستواه قبل سنة وأقل بنحو 22% من ذروة مارس 2022. لكن هذا لا يعني الأمان، بل يعني أننا ما زلنا في مرحلة الإنذار المبكر. 
الخلاصة:
المشكلة ليست أن السماد أصبح أغلى فقط، بل أن المزارع قد لا يستطيع شراءه أو استخدامه بالكمية والتوقيت المناسبين. وعندما يحدث ذلك، لا ترتفع كلفة الزراعة فحسب، بل ينخفض الإنتاج نفسه. ومن هنا فإن اضطراب اليوريا والأمونيا والكبريت عبر الخليج ومضيق هرمز ليس خبرًا صناعيًا عابرًا، بل إنذار مباشر لاحتمال انتقال الأزمة من سوق الأسمدة إلى سوق الغذاء العالمي.
    نيسان ـ نشر في 2026/03/15 الساعة 00:00