أولى ضحايا الحرب

د. محمد عياش
نيسان ـ نشر في 2026/03/17 الساعة 00:00
تدخل الحرب الأمريكية الإسرائيلية من جهة، والإيرانية من جهة أخرى أسبوعها الثالث، وسط اختلاف التصريحات وتباينها بين الطرفين ومدى تحقيق الأهداف المرجوة، وذلك يثير المتابع حول صدقية الحقائق من عدمها، لتبدو الأمور ملبدّة وضبابية، بعد الاعتراف من طرفي الصراع بتحقيق الانتصار واحتكاره لمصلحته.
تدعي الولايات المتحدة الأمريكية وعلى لسان رئيسها دونالد ترامب، بأن الحرب على إيران تسير وفق المخططات والمرتسمات، وأنه فوجئ بالإنجازات السريعة من خلال اغتيال المرشد علي خامنئي وكبار قيادييه في ضربة خاطفة حاسمة، وتشدقه بالعمل الذي لا يجرؤ الإقدام عليه سواه، والاستسلام الإيراني مسألة وقت بعيداً عن الخطاب الديني المتشدد أو المستند على النصوص الدينية، على عكس تصريحات ما يسمى رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو وقراءاته من الأسفار وأنه أي نتنياهو في «مهمة إلهية».
بدورها الجمهورية الإسلامية الإيرانية تقول بأن هذه الحرب مقدسة وهي لحظة الحقيقة التي بنى النظام الإيراني منذ سبعة وأربعين عاماً أيديولوجيته، وكرّس لها الوكلاء، والشعارات، واستمرار الوعد الصادق وإلحاق الهزيمة الساحقة الماحقة للشيطانين الأكبر والاصغر، وبالتالي لا مفر منها، باعتبار الولايات المتحدة العدو الأول للأيديولوجيات وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، الذي يعتبر بالكنز الحقيقي ومبعث الازدهار الاقتصادي، والسيطرة عليه يمكنها من خنق المصالح الروسية- الصينية.
إن الحقيقة هي الضحية الأولى في الحروب، إذ يحاول كل طرف أن يدعي أنه يمتلكها، ومن خلالها يستطيع تقديم روايته للعالم من أجل الاصطفاف من جهة، ومن أجل الإمعان في تحقيق الأهداف من جهة أخرى. إلا أن جريان المقادير ليست لصالح طهران، باعتبار واشنطن وهيمنتها على العالم من خلال مجلس الأمن وتفرعاته ومؤسساته وجمعياته. وبالتالي فإن صرخات طهران للعالم لن تلقى أذانا صاغية على العكس تماماً، هناك جبهة عريضة تتشكل لإدانتها وتحميلها مآلات الحرب ووزرها.
نموذج إيران يشبه إلى حد كبير، قطاع غزة، فكل الحقائق وربما العواطف الدولية، لم تشفع له عند هذا العالم المتكلس، بالرغم من بعض المواقف النبيلة من بعض الدول الأوروبية وأمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا، إذ بقي القطاع محاصرا ومدمرا ويفتقد لأبسط مقومات الحياة، بينما شاحنات المساعدات الدولية تنتظر الموافقة الإسرائيلية عند المعابر. قصدت بهذا التشبيه أن القوى الطاغية في هذا العالم، ترى بعين المصلحة، وغير آبهة ما ستؤول إليه الدول جراء العدوان المدمر.. فما بالك بالنموذج الإيراني الذي يخسر التعاطف ويزيد حنق العالم من تصرفاته وشعاراته، واعتداءاته.
بقي القطاع محاصرا ومدمرا ويفتقد لأبسط مقومات الحياة، بينما شاحنات المساعدات الدولية تنتظر الموافقة الإسرائيلية عند المعابر
باختيار طهران مرشدها الجديد مجتبى خامنئي، خطوة تؤكد حقيقة «دوغمائية» النظام الإيراني وهروبه إلى الأمام، وانسداد الحلول الدبلوماسية.. اعترف الحلفاء بتركيا كدولة مستقلة ذات سيادة في أعقاب حرب الاستقلال التركية وتوقيع «معاهدة لوزان» 1923 مما أدى إلى إلغاء «معاهدة سيفر»، والتعهد بإلغاء الخلافة 1924.
كان على الإيرانيين إلغاء منصب المرشد، وتوجههم إلى بناء إيران الحديثة، والاستفادة من مواردهم وطاقاتهم، وإنهاء الخلافات مع دول الجوار بالطرق السلمية، ربما ستندم طهران في قادم الأيام على تصرفاتها ومعاندة الولايات المتحدة، وتصميمها على تدمير البنية التحتية لإيران، وإعادتها للعصور الوسطى.
دوافع الاستمرار بالحرب عند واشنطن وإسرائيل، السكوت الدولي الذي لا يخلو من تصريحات خجولة، بالرغم من التقديرات الاقتصادية المهولة، فحسابات الكلفة بالقضاء على بيئة النظام الإيراني من وجهة النظر الأمريكية والإسرائيلية ممكن تحملها لفترة طويلة، على أن يبقى هذا النظام مبعث الشر والخطر.
راهن الحال الإيراني ووجهة نظره، حال الميليشيات المختبئة في الجبال والوديان، إذ تعتقد هذه الجماعات أو الأفراد ببقاء فرد واحد مختبئ وعدم الوصول إليه نصرًا مؤزرًا، وبالتالي فإن الحزب أو الميليشيا باقية وربما تتمدد، بينما العدو يتمكن من خنق وقطع المساعدات والطرق، ويفرض حصارًا خانقاً، وعقوبات اقتصادية، وشل الحركة الحياتية، وسط البحث عن انتصارات جزئية من خلال قصف الدول العربية المجاورة التي رفضت استخدام أراضيها وأجوائها منطلقا للقصف على إيران، وحتى سلطنة عُمان التي لعبت دور الوسيط في المفاوضات من مسقط إلى جنيف لم تسلم من الاعتداء على مصافيها النفطية وموانئها!
بين تصميم الولايات المتحدة وإسرائيل، على هزيمة رأس المحور حسب تصويرهم، وبين معاندة إيران واستعدادها للمواجهة مهما كلف الأمر، تبقى الحقيقة وتأثيرها تميل إلى موازين القوى للأسف، وكنت أتمنى من موقعي النصر لإيران وهزيمة الحلف الشيطاني، ولكن حسابات الواقع تغلب حسابات الخيال، باعتبار أن إيران ليس لديها ما يمكنها من المواجهة، وكنت أقول وربما أخذني الخيال إلى مناطق العاطفة والاعتماد على المفاجآت التي خبأتها إيران ومنها على سبيل المثال، أن تكون هي السباقة بالهجوم على الكيان الصهيوني وضرب مقر الاجتماع الصهيوني «الكابينت» ومقتل المجرم نتنياهو وأعوانه ومساعديه بضربة واحدة.
الحقيقة دائمًا عنيدة، حسب قول الرئيس الأمريكي الأسبق جون آدمز، وتأثيرها يخلق مناخاً يمكنها من تغيير سياسات وآيديولوجيات عند وضعها بميزان المصلحة العامة، وما يُعاب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية تمسكها بأحادية التفكير وتقوقعها، ورفضها المطلق قراءة المستجدات والمتغيرات وتمترسها وراء ترهات لاهوتية، واعتمادها على الماورائيات واستغلال العامة وجرّهم وراءها بالشعارات الفارغة من مضمونها، وصحيح المناورة تبعد شبح المعركة، إلا أن المناورات التي اعتادت عليها كشف زيف ادعاءاتها وهشاشة قوتها وهذا ما أغرى العدو الصهيو- أمريكي والتجرؤ بقصف المدن والمنشآت النووية، والتغول والعربدة واحتلال الجو الإيراني والسؤال: أين سلاح الجو الإيراني من طائرات ورادارات وبطاريات دفاعية والصواريخ فرط صوتية التي لا تنكشف، والأرمادا الأمريكية في عرض البحر ؟
    نيسان ـ نشر في 2026/03/17 الساعة 00:00