شبح التضخم يعود للاقتصاد العالمي

د. رامي كمال النسور
نيسان ـ نشر في 2026/03/18 الساعة 00:00
عاد شبح التضخم العالمي إلى الواجهة مجدداً مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط والخليج، خاصة في ظل الحرب الدائرة مع إيران والتهديدات التي طالت الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين تجارة الطاقة في العالم. فبعد أن بدأت الاقتصادات العالمية تلمس بوادر تراجع في الضغوط التضخمية عقب موجة الارتفاع الحاد في الأسعار خلال الأعوام الماضية، جاءت التطورات الجيوسياسية الأخيرة لتعيد القلق من موجة تضخمية جديدة تقودها أسعار الطاقة وكلفة النقل العالمية.
وكما يعلم الجميع، فإن مضيق هرمز يحتل موقعاً بالغ الأهمية في منظومة الطاقة الدولية، إذ يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز القادمة من الخليج إلى الأسواق العالمية. ولذلك فإن أي اضطراب في الملاحة أو إغلاق محتمل لهذا الممر البحري ينعكس فوراً على أسعار النفط والغاز. وقد شهدت الأسواق بالفعل قفزة ملحوظة في أسعار النفط مع ارتفاع علاوة المخاطر المرتبطة بالإمدادات، إذ تسارع الأسواق عادة إلى تسعير المخاطر الجيوسياسية حتى قبل حدوث أي نقص فعلي في الإمدادات.
وفي الحقيقة، فإن ارتفاع أسعار النفط بنسبة 25% من بداية هذه الحرب وحتى تاريخ كتابة هذا المقال لا يبقى محصوراً في قطاع الطاقة فحسب، بل يمتد أثره إلى مجمل الاقتصاد العالمي. فالنفط يدخل في كلفة النقل والصناعة والزراعة والتصنيع والخدمات، ما يعني أن أي زيادة في سعره تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والخدمات. ولهذا السبب يُعد النفط أحد أهم المحركات التقليدية للتضخم العالمي، خاصة عندما تأتي الزيادة نتيجة صدمات جيوسياسية مفاجئة.
ولا يقتصر الأثر التضخمي على أسعار الطاقة وحدها، بل يتضاعف أيضاً بفعل ارتفاع كلفة الشحن والنقل البحري. فمع تصاعد المخاطر في الخليج وارتفاع احتمالات استهداف السفن أو تعطيل الممرات البحرية، ارتفعت أقساط التأمين على السفن، وقفزت علاوة المخاطر على الشحن، وهو ما انعكس بدوره على كلفة نقل السلع والمواد الأولية بين القارات. ومع زيادة كلفة النقل البحري، ترتفع أسعار العديد من السلع المستوردة، من الغذاء إلى المعادن والمواد الصناعية. وحتى مع البحث عن مسارات بديلة أكثر أماناً، فإن هذه المسارات تكون أكثر بعداً وتحتاج إلى وقت أطول وهذا أيضاً يرفع كلف الشحن.
وتزداد حساسية الاقتصاد العالمي لهذه التطورات في ظل الاعتماد الكبير على التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العابرة للحدود. فالشركات الصناعية تعتمد على تدفق مستمر للمواد الخام والمكونات الصناعية، وأي زيادة في كلفة النقل أو الطاقة تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج. وفي كثير من الأحيان يتم تمرير هذه التكاليف إلى المستهلك النهائي، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتغذية موجة تضخمية جديدة.
كما أن ارتفاع التضخم في هذه الظروف يضع البنوك المركزية أمام معادلة صعبة. فبعد سنوات من السياسات النقدية المتشددة لمحاربة التضخم، كانت الأسواق تتوقع اتجاهاً تدريجياً نحو خفض أسعار الفائدة لدعم النمو الاقتصادي. لكن عودة الضغوط التضخمية نتيجة صدمات الطاقة قد تدفع البنوك المركزية إلى تأجيل خفض الفائدة أو حتى إبقاء السياسة النقدية مشددة لفترة أطول، وهو ما قد يبطئ وتيرة التعافي الاقتصادي العالمي ويزيح ثمرة جهود تم بذلها في السابق لتحقيق أهداف ممتازة للدول.
وتختلف آثار هذه التطورات بين الدول المنتجة للطاقة والدول المستهلكة لها. فالدول المصدرة للنفط قد تستفيد على المدى القصير من ارتفاع الأسعار وزيادة الإيرادات، لكن هذه المكاسب قد تتراجع إذا أدت التوترات الأمنية إلى تعطيل الإنتاج أو تصدير النفط. أما الدول المستوردة للطاقة فهي الأكثر عرضة لتداعيات التضخم المرتبط بالطاقة، إذ ترتفع لديها فواتير الاستيراد وتتزايد الضغوط على ميزانياتها وعلى كلفة المعيشة.
كما أن ارتفاع التضخم العالمي لا ينعكس فقط على الاقتصاد الحقيقي، بل يمتد تأثيره إلى الأسواق المالية أيضاً. فعندما ترتفع معدلات التضخم وتزداد حالة عدم اليقين، تميل أسواق المال إلى التقلب، ويتجه المستثمرون غالباً نحو الأصول الآمنة مثل الذهب. وفي المقابل قد تتعرض أسواق الأسهم لضغوط، خاصة في القطاعات الحساسة لارتفاع أسعار الطاقة أو تكاليف التمويل.
وفي المحصلة، تعكس التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط حقيقة أساسية مفادها بأن التضخم العالمي لا يتحدد فقط بعوامل اقتصادية تقليدية مثل الطلب والإنتاج، بل يتأثر أيضاً بشكل كبير بالعوامل الجيوسياسية. فالحروب والتوترات الإقليمية وتعطّل الممرات البحرية الحيوية يمكن أن تعيد إشعال موجات تضخم عالمية حتى في الفترات التي يبدو فيها الاقتصاد العالمي في طريقه إلى الاستقرار.
ولهذا، فإن قدرة الاقتصاد العالمي على احتواء موجة تضخمية جديدة ستعتمد إلى حد كبير على سرعة احتواء التوترات في المنطقة واستمرار تدفق الطاقة والتجارة العالمية دون اضطرابات طويلة الأمد. وفي حال استمرت هذه الأزمات لفترة طويلة، فقد يجد العالم نفسه أمام مرحلة جديدة من التضخم المرتبط بالطاقة، وهي ظاهرة لطالما كانت من أكثر التحديات تعقيداً أمام صناع السياسات الاقتصادية.
    نيسان ـ نشر في 2026/03/18 الساعة 00:00