المحطة قبل الأخيرة من سيرة (كمبرادوري) رَثّ

نيسان ـ نشر في 2016/01/05 الساعة 00:00
محمد قبيلات .. حالة اليساري التائه ليست ناتجة عن رغائب خاصة به، بل هي حالة بالضرورة ناتجة عن سياسات القمع الأمني والقهر الاجتماعي. اتحد العاملان على شكل ماكينة وظيفتها تدمير الشخصية التي تسلك طرق الأسئلة الصعبة والرغبة بالتغيير. من أهم نتاجات تلك المرحلة عدم صلابة موقف أفراد وتشكيلات المعارضة، وكانت عملية التحطيم تجري برعاية دول كبرى، عبر استيراد تقنيات التعذيب وآليات التحقيق والرعاية الكاملة من قبل أجهزة متخصصة عالمية. وفي كل الأحوال لا تحتاج المسألة عند أنظمة القهر للدعم والتقنيات، خصوصا وأنها منفلتة من الالتزام بالمعايير الأخلاقية والقيمية. لا تطفو على السطح إلا الشخصيات المشوهة باستثناءات بسيطة، إما بالعمالة والسقوط أو بحب التشبه بالجلاد وحب السلطة، فتنفرد بقرارها ويصبح همها تنفيذ أجنداتها الخاصة، وهنا تنتفي صفة الفريق الصلب المتراص في حركات التغيير، كما تنتفي صفتها كنواة صلبة للكتلة التاريخية المناط بها عملية التغيير. خصوصا أن الحزب اتحاد طوعي، لا يملك غير السلطة الأخلاقية على أعضائه، ففي أية لحظة يستطيع أي شخص أن ينشق ومعه مجموعته ويخرج من التنظيم، وهذا نفسه يحصل مع جماعة الإخوان المسلمين اليوم. الأكثر من ذلك أن (الحزبي المنشق) يستطيع أن يدعي نفس الاسم والشعار، فلا ضابط ولا رقيب، بل ربما لقى الدعم من المتربصين بهذه التنظيمات الوطنية. ولما كانت الحالة صعبة في السبعينيات، لجهة الحريات العامة، وقد اشتدت القبضة الأمنية فظهرت كقوة ضاربة بعد أحداث أيلول، دخل الحزب بنقاشات حادة تتعلق بالبرنامج والهوية والسلطة الداخلية والشعارات المرحلية والعلاقة الأردنية الفلسطينية، أنتجت هذه الحالة عشرات الانشقاقات والتشرذمات، ما أضعف القدرة على التصدي لأي برنامج وطني، فغرق في وحل الخلافات الداخلية، ما انتج وأفسح المجال لظهور الانتهازيين وتكاثرهم. لقد امتدت هذه الحقبة الى نهاية الثمانينيات، حيث بدأت تعود للحزب روحه وبدأ نشاطاته الجماهيرية في حالة وأجواء من الانتعاش. حينها لم نكن نعلم أنها مجرد سكرات موت، يصحو فيها الميت سريريا برهة. وهذا ما ظهر في أحداث جامعة اليرموك عام 1986 وهبة نيسان عام 1989. لكن الصفقة التي تمت في السجن في منتصف عام 1989، بين أعضاء من المكتب السياسي وقادة أمنيين، أخرجت أعضاء الحزب من المعتقل، وفي نفس الوقت أخرجت الحزب من الحياة السياسية، وفتحت المجال للانتهازيين للتواصل مع الجهات الرسمية، والدخول في مصالحات واتفاقات خاصة، رتب من خلالها البعض أوضاعه ومن بين هذا "البعض" سيطل "الكمبرادوري الرث". من المعروف أن السلطة لا تباشر تعاونها مع المعارضين السابقين إلا من خلال الأجهزة الأمنية، فكان نعم المثال على هذا التعاون. ولتبرير هذا الاتفاق، اخترع العباءة الإقليمية ليتدثر بها مع الحليف - المسؤول الجديد - فصار من دعاة الإقليمية الأشاوس، بل انه صار يفلسف الموضوع ويعطيه بعدا وطنيا، فهو من أبطال نظرية تعميق التناقضات من خلال الإنخراط بنشاطات سلبية. ولتغطية أكلاف هذه المرحلة بدأ يظهر واضحا على شكل مقاول استيراد، وإعادة "تبكيت" أفكار الكراهية (اقليمية طائفية جهوية) بتمويلات محلية وإقليمية، فكان نشاطه نظيرا باهتا لوكلاء (الفابريكات) الذين كان يحلو له، من باب الشعور بالمنافسة، ان ينعتهم بالطبقة "الكمبرادورية الطفيلية"، فاستحق على هذا الموقع الجديد - وبجدارة - لقب (كمبرادوري رثّ) لتشبّهه بهم من حيث الشكل، بينما هو بعيد عن جوهر العملية الإنتاجية ووسائلها وأوصافهم وميزاتهم الطبقية. - تتبع الحلقة الأخيرة -
    نيسان ـ نشر في 2016/01/05 الساعة 00:00