جريمة باردو:الارهابيون أرادوها دمارا... فانقلبت انتصارا

نيسان ـ نشر في 2015/03/26 الساعة 00:00
«هي مصيبة كبرى تستوجب التعبئة العامة لتنحية هؤلاء(يقصد الإرهابيين) نهائيا» هكذا علق رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي على عملية باردو الإرهابية بمجرد الإعلان عن وقوعها. لم يكن رئيسنا مبالغا ولا متشائما بل سمى الأمور بأسمائها فالعملية أصابت تونس في مقتل إذ مست سيادة البلاد (محيط المؤسسة التشريعية) ودقت مسمارا في نعش السياحة وخلفت عددا كبيرا من الضحايا بين قتلى وجرحى... ليس صعبا ولا مستحيلا أن تسقط. هذه حقيقة طبيعية إنسانية ولكن الأهم هو رد الفعل: هل تنكسر وتلازم مكانك حيث سقطت أم تنتفض وتحول الضربة على ألمها إلى مصدر للقوة؟. للأمانة نجحت تونس في تحويل الألم إلى أمل ولنستعرض ما أنجزه الإرهابيون لتونس دون قصد منهم: إنجازات سياسية لم تكد العملية تنتهي بل حتى قبل أن تنتهي حتى تداعى العالم بالمتابعة والمراقبة والتفاعل فكانت الرسالة الأولى أن هناك بلدا في مساره نحو الديمقراطية يتلقى عملية إرهابية. وفي هذا تذكير للعالم كله بالتجربة الديمقراطية التي تم إنجاحها رغم المصاعب وتنبيه إلى أن الدماء التي سالت في هذا البلد لم تكن نتيجة تناحر بين فئتين أوقبيلتين أوبين النظام والراغبين في إسقاطه بل بين شعب بأسره وبين فئة قليلة ضالة مست من قبل عديد الدول الديمقراطية. كما كشفت العملية الإرهابية عن موقف شعبي واحد تجاهها إذ انتفت الانتماءات الحزبية لدى جميع التونسيين وعادوا بيسارهم ويمينهم ووسطهم، بنهضاوييهم وندائييهم وجبهاوييهم ودساترتهم... إلى شعب واحد في مقابل فئة قليلة. ومع هذا فقد كانت العملية الإرهابية فرصة لإخراج رئيسي السلطة التنفيذية من سباتهما وتقريبهما من المواطنين. ألم يكن أغلبنا يبحث عن رئيس الجمهورية وعن أخباره؟ ألم يطلّ علينا رئيس الحكومة قبل يومين فحسب من الحادثة بـ«طلّة» غير بهية: طلّة المهزوم العاجز عن تقديم البدائل والحلول لمشاكل البلاد؟ لقد أنقذت العملية الإرهابية الرئيسين قايد السبسي والصيد من حيث لا يعلمان وقدمتهما في صورة الجديرين بالقيادة، وفي هذا خير لهما وللشعب وللبلاد لأن شعور المواطن بالاطمئنان مهم جدا لحل المشاكل. وبالإضافة إلى ما ذكرنا فقد كانت العملية الإرهابية غطاء لتمرير فكرتين سياسيتين مهمتين أما الأولى فتتعلق بالمصالحة وقد طرحها رئيس الجمهورية وسايره فيها العديد من السياسيين لعل أبرزهم زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي وهوموضوع كان سيثير العديد من ردود الفعل المعارضة لوتم تمريره في غير هذا الوقت. وأما الثانية فهي فكرة بعث مجلس للأحزاب وقد طرحها رئيس الحكومة إبان تنصيبه ثم تم التغافل عنها قبل أن يثيرها مؤخرا بمناسبة لقائه عددا من رؤساء الأحزاب والمنظمات الوطنية. رجة اقتصادية تلك المكاسب السياسية لا تحجب العديد من المكاسب الاقتصادية. هناك من يرى أن السياحة تلقت ضربة موجعة ولكن هل كانت طيلة السنوات الماضية في أوجها؟ أليس بالإمكان استثمار تعاطف السياح في الخارج وتحويل شعاراتهم (كلنا باردو كلنا تونس) إلى واقع من باب حث العالم على التصدي للإرهاب عبر تحديه بالمجيء إلى تونس؟ ألا يمكن استقدام الملايين من المتحمسين عبر خطة سياحية مدروسة؟. وما دمنا نتحدث عن السياحة فالعملية الإرهابية وقعت في المتحف وهذا ما دفع بالمراقبين العاديين في العالم إلى البحث عن خصوصية هذا المتحف ليكتشفوا أهميته فهولا يمثل عراقة تونس فحسب بل يضم أهم وأكثر اللوحات الفسيفسائية في العالم وبهذا يكون الإرهابيون قد قدموا للمتحف خصوصا والسياحة التونسية عموما ما عجزت عنه الحملات الترويجية. ومع هذا فهناك مكاسب اقتصادية متوقعة من خلال تعاطف العالم وخاصة منه الدول الغنية فالعملية الإرهابية كشفت عن ضرورة مساعدة تونس ماليا حتى تستطيع مقاومة الإرهاب والتدرج بسلاسة نحو الديمقراطية، ومن غير المستبعد أن تتوج تلك العملية بالمزيد من الإعانات والقروض الميسرة وتحويل بعض الديون إلى استثمارات فضلا عن تحسن الشراكات الاقتصادية ورفعها مع كل من أوروبا والولايات المتحدة. وبالإضافة إلى البعدين الاقتصادي والسياسي فقد كانت عملية باردو على مرارتها فرصة لمراجعة الأمن والوقوف على السلبيات والنقائص وإعطاء الفرصة للكفاءات الأمنية حتى لا تتكرر العمليات فعسى أن نكره شيئا وهو خير لنا. أو فلنقل من باب بعث الأمل ومواجهة الإرهاب في حربه النفسية: «رب ضارة نافعة» الشروق
    نيسان ـ نشر في 2015/03/26 الساعة 00:00