مفاجآت الحرب

اسماعيل الشريف
نيسان ـ نشر في 2026/03/31 الساعة 00:00
كل الحروب تقوم على الخداع" صن تزو، مؤلف كتاب «فن الحرب».
من يراقب مجريات الحرب الإيرانية الصهيو-أمريكية يدرك سريعًا أن ثمة مفاجآت تتكشف تباعًا، لم تكن الولايات المتحدة ولا الكيان قد وضعاها في حساباتهما عند خوض هذه المواجهة. ويبدو جليًا أن هذه المفاجآت لم تكن وليدة اللحظة، بل جرى التخطيط لها منذ اليوم الأول، لا بقصد حسم الحرب عسكريًا، وإنما بهدف تعزيز الموقع التفاوضي لإيران عند لحظة إنهائها.
تجلّت أولى هذه المفاجآت في استهداف مفاعل ديمونا؛ إذ كشفت الحرب أن إيران لا تحتاج إلى امتلاك سلاح نووي لضرب الكيان، فمجرد استهداف هذا المفاعل كفيل بتحقيق الأثر ذاته. وعلى الرغم من الغموض الذي يحيط بالملف النووي للكيان وغياب الاعتراف الرسمي بامتلاكه ترسانة نووية، فإن الحقيقة المعروفة للجميع أن ديمونا مفاعل نووي، وأن استهدافه أو اختراقه قد يفضي إلى تسرب إشعاعي خطير، وهو ما في ظل ضيق المساحة الجغرافية لفلسطين المحتلة قد يتحول إلى تهديد وجودي حقيقي للدويلة. وقد سادت قناعة بأن إيران لن تستهدف ديمونا، أو لن تجرؤ على الاقتراب منه، غير أنها في 21 شباط وجّهت ضربة موجعة لمدينة ديمونا، في رسالة واضحة مفادها قدرتها على تدمير المفاعل نفسه، ولم يكن أقلّ دلالة من ذلك إقرار نتن ياهو، وللمرة الأولى، بأن الكيان يمر بمرحلة حرجة.
أما المفاجأة الثانية، فتتمثل في مضيق هرمز؛ إذ تفيد التقارير بأن الرئيس ترامب تجاهل تحذيرات قادته العسكريين عن قدرة إيران على إغلاق المضيق ، فأغلقت المضيق وفرضت سيطرتها عليه كأنه بوابة عبور، تسمح لمن تشاء وتمنع من تشاء. وقد أعاد هذا التحول رسم مسار الحرب، إذ تراجع الحديث عن تغيير النظام أو كبح البرنامج النووي، لينحصر النقاش في مسألة واحدة: إعادة فتح مضيق هرمز. كما وضع هذا الإغلاق الولايات المتحدة أمام تحديين مركزيين؛ أولهما حالة الارتباك التي عصفت بالاقتصاد العالمي، وثانيهما السماح بمرور السفن التي تتعامل بالنفط باليوان، في خطوة تقوّض مباشرة هيمنة الدولار. غير أن الأثر الأهم يتجاوز ذلك؛ إذ وجّه إغلاق المضيق ضربة لهيبة الولايات المتحدة بوصفها القوة الأعظم في العالم، حتى إن عددًا من المحللين ذهبوا إلى مقارنته بإغلاق قناة السويس في عهد الرئيس عبد الناصر، باعتباره لحظة مفصلية أعلنت أفول الإمبراطورية البريطانية.
وتتمثل المفاجأة الثالثة في استخدام إيران لأسلحة فتاكة غير مسبوقة، أثبتت مستوى عاليًا من الدقة والتأثير. ورغم أن طهران لم تعلن مسؤوليتها عن استهداف قاعدة غارسيا الأمريكية-البريطانية، الواقعة على بُعد نحو 4000 كيلومتر، فإن ثبوت تنفيذها لهذه الضربة إن صحّ يحمل دلالة استراتيجية خطيرة، مفادها أن مدى الصواريخ الإيرانية بات يمتد ليشمل عمق القارة الأوروبية. كما كشفت تقارير استخباراتية أن هذا التحسن اللافت في دقة الصواريخ الإيرانية قد يكون نتيجة دعم روسي، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول إغفال الولايات المتحدة لهذا العامل في تقديراتها وحساباتها الاستراتيجية.
وأخيرًا، تتجلى المفاجأة الإيرانية المتكررة في نمط لافت؛ فكلما أعلن الرئيس الأمريكي تدمير البرنامج الصاروخي الإيراني، جاءت الضربات على تل أبيب عنيفة، لتقوّض هذا الإعلان وتشكك في صدقيته.
لقد أسهمت هذه المفاجآت الأربع في إفشال تحقيق نصر حاسم للولايات المتحدة والصهاينة حتى الآن، وحوّلت مسار الحرب إلى استنزاف مفتوح، يدفعهم تدريجيًا نحو طاولة المفاوضات. لذلك أقرّ الرئيس ترامب بأن مستشاريه زوّدوه بمعلومات غير دقيقة، فيما بدأت ملامح البحث عن «كبش فداء» تتشكل، مع ترجيح أن يُلقى العبء على وزير حربه بيت هيغسيث.
    نيسان ـ نشر في 2026/03/31 الساعة 00:00