يوسف غيشان لـ ' ضفة ثالثة': أسعى في 'ملحمة علهامش' لتأريخ زمن مضى

نيسان ـ نشر في 2026/04/02 الساعة 00:00
آخر مؤلفات الكاتب الأردني الساخر يوسف غيشان "ملحمة علهامش"، الصادر مؤخرًا عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع – عمّان/ الأردن، هو عمل روائي يعرض لوحات من حياة المجتمع الأردني، بما فيه من عادات وتقاليد ولغة وخصوصية. جاءت الرواية في سبعة عشر لوحًا، لا بداية محددة لها؛ إذ يمكن قراءتها من المنتصف، ثم العودة إلى الألواح الأولى، أو متابعة القراءة حتى اللوح الأخير.
هي رواية لها نهاية، كما كتبها المؤلف، تقول: "وكل نهاية هي بداية جديدة".
ومع ذلك، لا توجد على الغلاف إشارة صريحة إلى أننا أمام رواية، حتى إن المؤلف لم يقصد تقديمها بوصفها رواية حين دفع بها إلى "المكتبة الوطنية" للحصول على رقم إيداع، ليجد أنهم صنفوها ضمن فئة الرواية العربية. وعندما كتب الشاعر والفنان زهير أبو شايب كلمة الغلاف، تعامل معها باعتبارها رواية.
كان يوسف غيشان، قبل أن يدفع كتابه للنشر، يظنه "خربشات"، أو "مذكرات"، أو أفكارًا مسحوبة من صندوق الذاكرة، أو حكايات مسروقة من فم الزمن.
هنا حوار مع المؤلف، لنتعرف على عمله الجديد الذي جاء بعد أربعة عشر كتابًا غلب عليها جميعًا أسلوب الكتابة الساخرة.
القارئ هو من يقرر شكل العمل
(*) نبدأ من غلاف كتابك الجديد "ملحمة علهامش"، لا نجد على الغلاف أي إشارة إلى أن الكتاب رواية، لماذا؟ وكيف تصنّف أنت هذا العمل؟
لم أكن مهتمًا بالتصنيف والتوصيف، ولم أتنبه للموضوع أصلًا، لكن المكتبة الوطنية صنّفته ضمن فئة الرواية العربية في صفحة المعلومات أول الكتاب. تسمياتي التي ذكرتها سالفًا كانت قبل أن تتحول الخربشات إلى كتاب مطبوع. قال عنه زهير أبو شايب والقراء إنه رواية، وهذا هو الأهم. القارئ هو من يقرر، حتى في ظل غياب التوصيفات المحددة تمامًا في الأعمال الروائية الحديثة.
كم كنت سأكون محرجًا لو قدّمته كرواية، وقال عنه الناس إنه مجرد خربشات... أترضاها عليّ؟

(*) "ملحمة علهامش"… تميل إلى اختيار عناوين لافتة من هذا النوع، كما في: "مؤخرة ابن خلدون"، "لماذا تركت الحمار وحيدًا"، "أولاد جارتنا"، "وهكذا تكلم هردبشت". ما سرّ هذا الميل إلى العناوين التي تبدو ساخرة؟ وما مصدر هذه السخرية؟
معظم، إن لم تكن جميع الكتابات الساخرة في العالم، تعتمد العناوين الخارجة عن المألوف، لأنها من ذات نوع العمل. وقد اختلفت مع الكثير من الأصدقاء حول العنوان، ومنهم زهير أبو شايب وياسر قبيلات وغيرهما، ممن اعتقدوا أن بعض تسمياتي الأخرى أفضل من العنوان الحالي، مثل: "أبو بريص" أو "قرش الدمدم" وغيرهما. لكنني انحزت إلى هذا العنوان الذي خطر لي قبل الطبع بيومين أو ثلاثة فقط. وقد اعتمدت هذه الطريقة في كتبي السابقة كما أشرت، وكانت ناجحة، لأن الاسم المفاجئ يعلق لفترة أطول في ذهن القارئ، والدليل أنك ما تزال تذكر بعض هذه الأسماء.
نعيش داخل وهم الزمن
(*) للوهلة الأولى، يبدو لقارئ الرواية أنك تكتب حكايات من الماضي، ربما دُوّنت في زمن بعيد. لكن القراءة المتأنية، خصوصًا لمن يعرفك عن قرب، تكشف أنك لا تستعيد الذكريات بقدر ما تحاول تأريخ زمن مضى، مع أنك ترى أن الزمن قد يكون وهمًا. كيف تفسّر هذه المفارقة؟
أنا لا أبحث عن إحياء زمن مضى، بل أسعى لتأريخ هذا الزمن بأكبر قدر من المصداقية، قبل أن يختلط بالذكريات والرغبات وينحرف تدريجيًا عن حقيقته الواقعية. وبما أنني لست مؤرخًا، فقد حولته إلى نص أدبي، أو حاولت على الأقل، ومزجته بقليل من السخرية والفكاهة، على سبيل الترفيه، وربما لتوريط القارئ في حب هذا النص والتعاطي معه عاطفيًا.
"أنا لا أبحث عن إحياء زمن مضى، بل أسعى لتأريخ هذا الزمن بأكبر قدر من المصداقية، قبل أن يختلط بالذكريات والرغبات وينحرف تدريجيًا عن حقيقته الواقعية"
أما بالنسبة لمفارقة الزمن، فأنا وأنت والقارئ نعيش داخل وهم الزمن، ونتحدث ونتعايش ونتناسل داخل هذا الوهم الذي يحاصرنا بداخله، ولا ندرك غيره لأن حواسنا غير مؤهلة لفهمه. ولعل أول محاولة جدية لفهم الزمن قام بها أينشتاين قبل أكثر من مائة عام، حينما حوّل الزمان من تاريخ يمشي إلى الأمام بثبات، إلى نسيج يرتبط بالمكان ويشكّل البعد الرابع للإنسان، وهو نسبي تمامًا، يتباطأ أو يتسارع حسب السرعة… سرعتنا كمراقبين لهذا الزمن. منذ ذلك الوقت، أصبح الزمن ملهاة العلماء والفلاسفة، وأنا أتابع هذه النقاشات مع أني لا أفهمها كثيرًا بصراحة.
(*) تُعرف ككاتب ساخر، وتلتزم بالسخرية حتى في حياتك اليومية. لكن في هذه الروح تبدو أقرب إلى الحكمة، وأكثر أمانة لطبيعة الحكايات التي تسردها. وإذا حضر الضحك، فكأنه نابع من الحكاية نفسها لا من أسلوبك. ما رأيك في ذلك؟
في هذا الكتاب كنت مجرد ناقل شبه فوتوغرافي بنسبة 90% للواقع، لكني أضفت أحيانًا بعض "النغاشة" على سبيل الترفيه والتشويق، ومنع القارئ من إلقاء الكتاب قبل إنهاء قراءته. وربما أكون قد نجحت نسبيًا في ذلك. أما الحكمة فلا تنبع مني، بل من طبيعة الحياة ومن ردود الفعل العفوية للناس على التحديات التي تواجههم. الناس هم منبع الحكمة دومًا، لأن الحكمة ضمير جمعي يحوله الفلاسفة والمفكرون إلى نص مختصر قابل للحياة.
(*) بصراحة، بعد قراءة "ملحمة علهامش"، يبدو أن دافعك لكتابتها أبعد مما قد يظنه القارئ. هل تكشف لنا هذا البعد الأعمق؟
ربما يفهم السياسيون دوافعهم، لكني لا أفهم نفسي ولا دوافعي. ربما هي "قلة الشغل التي تعلّم التطريز"، كما يقول المثل العامي.
أرجوك لا تعطِني أكثر من حجمي. أنا مجرد كاتب يحاول أن يكون ساخرًا، يعيش بهدوء ويرحل بهدوء من دون أن يؤذي أحدًا. لكنني كاتب يحاول أن يقول كلمته ويؤثر في الحياة، ولو كأثر الفراشة. ويكفيني، إن لم أؤثر في العمق، أن أكون قد قدمت للقارئ متوالية قصصية ممتعة ومسلية، يرتاح قليلًا بعد قراءتها، حتى لو لم تغيّر بداخله شيئًا يُذكر.
جلجامش نقيضي لا مرآتي
(*) لا يمر استحضارك لجلجامش قبل بدء السرد مرورًا عابرًا. ما الذي تجده فيه ويشبهك؟
جلجامش هو نقيضي تمامًا، ولا يشبهني، سوى في الشراكة الإجبارية بالشقاء البشري في جانبه الإنساني. هو لا يشبه شخصياتي ولا تاريخها، بل هو على النقيض منها. هو ملك ديكتاتور نصف إله (حسب النص القديم)، يرفض الزواج من عشتار، ويواجه معضلة الموت بعد مقتل صديقه أنكيدو، فيبحث عن سر الخلود، لكنه يفشل ويموت مثلنا تمامًا، وهذا وجه الشبه الوحيد بيننا. أما أنا وشخصياتي فلا نبحث عن الخلود، بل نبحث عن الماء والكلأ ومحاولة العيش بكرامة نسبية حتى نموت.
(*) لنتحدث عن الكتابة الساخرة عمومًا، وفي الأردن تحديدًا. كيف ترى واقعها اليوم؟
أنا لست وفيًا لهذا اللون من الكتابة، بل هذا اللون هو الوفي لي. أنا لا أعرف غيره، وأتلعثم عند الحديث أو الكتابة الجادة.
لولا الكتابة الساخرة، ربما تحولت إلى مجرد موظف بسيط يعاني الفقر المادي والمعنوي حتى يفنى.
أما مسألة "الأبرز"، فلا أحب هذه التصنيفات. أنا مجرد كاتب ساخر عاطل عن العمل حاليًا، ولا أجد مكانًا أكتب فيه، وربما كان هذا أحد أسباب كتابة هذه الرواية. أنا ساخر، عضو في "ميليشيا الساخرين"، لا أكثر.
الكتابة الساخرة في الأردن تم اغتيالها مع اغتيال ما كان من وهم الديمقراطية والحرية. الصحف استبعدت الساخرين، لا أحد يريدهم، لأن الساخر يكشف العيوب والخطايا، والمسؤول يعرف عيوبه ولا يريد من يذكّره بها أو يكشفها للناس.
(*) في الملحق رسالة بعنوان "صديقي يا أنا". ما الذي قصدته بها؟
هذه مجرد حيلة فنية، افترضت فيها أن مخطوطًا وصلني مع رسالة مني قبل خمسين عامًا… رسالة مني إليّ. لا أبعاد ولا ما يحزنون.
أما الماضي والمستقبل، فأنا لا أفهمهما، ولا أفهم الحاضر أيضًا. لكن النظريات العلمية الحالية تقول إن العودة إلى الماضي مستحيلة، لأن كسر سرعة الضوء يحتاج إلى طاقة أكبر من الموجودة في المادة، إضافة إلى ما يُعرف بـ"معضلة الجد".
أعتذر لأني دخلت في موضوعات بعيدة عن المقابلة، لكني أقرأ في ميكانيكا الكم، ولا أفهم منها الكثير.
أنا مجرد كاتب ساخر، حوّل جزءًا من ماضيه إلى ما يشبه نصًا روائيًا، أتمنى أن يحبه الناس، وأن يحفظ بعض الذكريات من الاندثار، وأن يُري الأجيال كيف كنا نعيش ونموت… وأن يغيّر، ولو قليلًا، في الآخرين.
أحمد طمليه
    نيسان ـ نشر في 2026/04/02 الساعة 00:00