ورّطتُ نفسي باختياري فلتُنقذوني أيها الجبناء!
نيسان ـ نشر في 2026/04/04 الساعة 00:00
كان الفنان يوسف وهبي أول مسلم يكرمه بابا الفاتيكان، بتوشيحه وسام “الدفاع عن الحقوق الكاثوليكية”، جزاء ما أبداه في شريطه السينمائي الرائع “كرسي الاعتراف” من دقة استيعاب لقوانين الكنيسة ومن حسن تصوير لصدق الإيمان بالعدالة الإلهية وأثره في تثبيت المرء على طلب الحق ونصرة المظلوم أيا كانت المحن والشدائد. والمُعجب في هذا الشريط، الذي أنتج عام 1949، أن يوسف وهبي ألف قصته (وأخرجه وقام ببطولته مع فاتن حمامة وسراج منير ونجمة إبراهيم) استلهاما من عيون الأدب العالمي واستثمارا لدقة معرفته بسيرة الكاردينال جوفاني دي ميديتشي الذي عاش في فلورنسا في منتصف القرن السادس عشر وتوفي في سن التاسعة عشرة من أثر الإصابة بالملاريا التي ما لبثت أن أودت بكل من أمه إيلينور طليطلة وشقيقه الأصغر غارثيا.
ترامب عاقل بمعنى ما، ولكن صبيانيّته تُبطل عقلانيّته، أي أنه طفل في هيئة رجل! “صبي مُسِنُّ” لا تحركه إلا نزواته
يصور الفيلم، الذي يغلب عليه الطابع المسرحي، معضلة الصراع بين الواجب الديني والعاطفة البشرية. وهذا غرض أصيل من أغراض الأدب النبيل قد تكون مسرحية “أنتيغونا” لسوفوكليس أحد أبكر تجلياته، ولو أن ما تتناوله تحديدا هو الصراع بين قوانين البشر وقوانين الآلهة، حيث تتحدى أنتيغونا، ابنة أوديبوس، قانون المدينة الذي سنّه خالها الملك كريون لما قرر حرمان أحد أخويْها، بولينيس، من الدفن في مقابر مدينة طيبة لأنه تآمر مع الأعداء في مسعاه للظفر بالمُلك واستنجد بهم في حربه على أخيه إيتوكليس (التي انتهت بأن قتل كل منهما أخاه). والذي يحدو بأنتيغونا إلى تحدي الملك (بينما تذعن أختها أسمينا وتستسلم لأنها “أضعف قوة من أن تخرج على الدولة”) هو إيمانها بأن لا شيء يعلو فوق إرادة الآلهة وقوانينها السرمدية (التي تشمل وجوب إكرام الميت بمُواراته الثرى).
والمعضلة التي يقع فيها الكاردينال جوفاني دي ميديتشي هي أن رجلا اعترف له بأنه قتل والد المرأة التي يحبها لأنه رفض تزويجها إياه، فما راع الكاردينال إلا وشقيقه الأصغر يُتهم ظلما بارتكاب الجريمة ذاتها ويصدر عليه حكم الإدانة، وما هي إلا أيام ويساق إلى المشنقة. فماذا يفعل رجل الدين: هل ينتهك قوانين الكنيسة بهتك سرية الاعتراف في سبيل إثبات براءة أخيه، أم يكتم السر ويترك أخاه يعدم ظلما؟ لا يألو الكاردينال جهدا في محاولة استنباط حيلة للتوفيق بين إثبات براءة أخيه وبين التزام قوانين الكنيسة، فيستعين في ذلك ببعض الشرفاء والأوفياء. ولكن عندما تتعقد القصة وتتشابك ويوشك كل الجهد أن يتبدد، لا يجد الكاردينال بدا من التظاهر بأنه أصيب بمس من الجنون، فإذا بهذه الحيلة الثانية تيسّر نجاح الحيلة الأصلية، فيعترف الجاني بجرمه على مسمع من الملأ وتثبت براءة الأخ المظلوم.
الخاطر الذي خطر لي لما رأيت المشاهد التي أتقن فيها يوسف وهبي التظاهر بالخبل أن هذا رجل عاقل حكيم يضطره السعي لإحقاق العدالة إلى اصطناع العته، أما الرجل الذي ينام العالم بأسره ويصحو على وقع هذيانه المستمر وكلامه المتهافت وأقواله المتناقضة فإنه في حقيقة الأمر مخبول أصلا طيلة الوقت، ولكنه يحاول في بعض الحالات التظاهر بالعقل والحصافة! وقد تفطن بعضهم لهذه الحقيقة فروجوا في شبكات التواصل صورة لافتة كبرى تشرف على الشارع كتب عليها: “إنها المرة الأولى في التاريخ التي يمكنك أن تغرّد ‘إنه أحمق’، فإذا بـ90 بالمائة من سكان المعمورة يفهمون من تقصد”. على أني أظن أن النسبة الحقيقية تتجاوز 99 بالمائة. ذلك أن السبعين مليون من الأمريكيين الموالين لترامب لا يبلغون نسبة 1 بالمائة من البشر. ومن القرائن على أن معتوه القرية الكونية معتوه فعلا، وأن نوبات الصحو الذهني التي تنتابه في بعض الأحيان ما هي إلا حالات عارضة، أنه قال مرة: “في وسعي أن أقف على قارعة الجادة الخامسة (فيفث آفنيو في نيويورك) وأطلق النار على أحد المارة دون أن يجرّ ذلك أي نقص في عدد الناخبين المناصرين لي!”
إلا أن من العارفين، مثل ليون بانيتا، من يرى أن ترامب عاقل بمعنى ما، ولكن صبيانيّته تُبطل عقلانيّته، أي أنه طفل في هيئة رجل! “صبي مُسِنُّ” لا تحركه إلا نزواته، فلا يستمع ولا يشاور ولا يقرأ لأنه لا طاقة له بالحقائق والدقائق. ولكن ما أن تنقطع به السبل و”يقف حمار الشيخ في العقبة” حتى يحنق ويحرد ويصب جام غضبه على “الجبناء” لأنهم لم ينقذوه من الورطة الاختيارية التي لم يستشرهم لما قرر السقوط فيها.
ترامب عاقل بمعنى ما، ولكن صبيانيّته تُبطل عقلانيّته، أي أنه طفل في هيئة رجل! “صبي مُسِنُّ” لا تحركه إلا نزواته
يصور الفيلم، الذي يغلب عليه الطابع المسرحي، معضلة الصراع بين الواجب الديني والعاطفة البشرية. وهذا غرض أصيل من أغراض الأدب النبيل قد تكون مسرحية “أنتيغونا” لسوفوكليس أحد أبكر تجلياته، ولو أن ما تتناوله تحديدا هو الصراع بين قوانين البشر وقوانين الآلهة، حيث تتحدى أنتيغونا، ابنة أوديبوس، قانون المدينة الذي سنّه خالها الملك كريون لما قرر حرمان أحد أخويْها، بولينيس، من الدفن في مقابر مدينة طيبة لأنه تآمر مع الأعداء في مسعاه للظفر بالمُلك واستنجد بهم في حربه على أخيه إيتوكليس (التي انتهت بأن قتل كل منهما أخاه). والذي يحدو بأنتيغونا إلى تحدي الملك (بينما تذعن أختها أسمينا وتستسلم لأنها “أضعف قوة من أن تخرج على الدولة”) هو إيمانها بأن لا شيء يعلو فوق إرادة الآلهة وقوانينها السرمدية (التي تشمل وجوب إكرام الميت بمُواراته الثرى).
والمعضلة التي يقع فيها الكاردينال جوفاني دي ميديتشي هي أن رجلا اعترف له بأنه قتل والد المرأة التي يحبها لأنه رفض تزويجها إياه، فما راع الكاردينال إلا وشقيقه الأصغر يُتهم ظلما بارتكاب الجريمة ذاتها ويصدر عليه حكم الإدانة، وما هي إلا أيام ويساق إلى المشنقة. فماذا يفعل رجل الدين: هل ينتهك قوانين الكنيسة بهتك سرية الاعتراف في سبيل إثبات براءة أخيه، أم يكتم السر ويترك أخاه يعدم ظلما؟ لا يألو الكاردينال جهدا في محاولة استنباط حيلة للتوفيق بين إثبات براءة أخيه وبين التزام قوانين الكنيسة، فيستعين في ذلك ببعض الشرفاء والأوفياء. ولكن عندما تتعقد القصة وتتشابك ويوشك كل الجهد أن يتبدد، لا يجد الكاردينال بدا من التظاهر بأنه أصيب بمس من الجنون، فإذا بهذه الحيلة الثانية تيسّر نجاح الحيلة الأصلية، فيعترف الجاني بجرمه على مسمع من الملأ وتثبت براءة الأخ المظلوم.
الخاطر الذي خطر لي لما رأيت المشاهد التي أتقن فيها يوسف وهبي التظاهر بالخبل أن هذا رجل عاقل حكيم يضطره السعي لإحقاق العدالة إلى اصطناع العته، أما الرجل الذي ينام العالم بأسره ويصحو على وقع هذيانه المستمر وكلامه المتهافت وأقواله المتناقضة فإنه في حقيقة الأمر مخبول أصلا طيلة الوقت، ولكنه يحاول في بعض الحالات التظاهر بالعقل والحصافة! وقد تفطن بعضهم لهذه الحقيقة فروجوا في شبكات التواصل صورة لافتة كبرى تشرف على الشارع كتب عليها: “إنها المرة الأولى في التاريخ التي يمكنك أن تغرّد ‘إنه أحمق’، فإذا بـ90 بالمائة من سكان المعمورة يفهمون من تقصد”. على أني أظن أن النسبة الحقيقية تتجاوز 99 بالمائة. ذلك أن السبعين مليون من الأمريكيين الموالين لترامب لا يبلغون نسبة 1 بالمائة من البشر. ومن القرائن على أن معتوه القرية الكونية معتوه فعلا، وأن نوبات الصحو الذهني التي تنتابه في بعض الأحيان ما هي إلا حالات عارضة، أنه قال مرة: “في وسعي أن أقف على قارعة الجادة الخامسة (فيفث آفنيو في نيويورك) وأطلق النار على أحد المارة دون أن يجرّ ذلك أي نقص في عدد الناخبين المناصرين لي!”
إلا أن من العارفين، مثل ليون بانيتا، من يرى أن ترامب عاقل بمعنى ما، ولكن صبيانيّته تُبطل عقلانيّته، أي أنه طفل في هيئة رجل! “صبي مُسِنُّ” لا تحركه إلا نزواته، فلا يستمع ولا يشاور ولا يقرأ لأنه لا طاقة له بالحقائق والدقائق. ولكن ما أن تنقطع به السبل و”يقف حمار الشيخ في العقبة” حتى يحنق ويحرد ويصب جام غضبه على “الجبناء” لأنهم لم ينقذوه من الورطة الاختيارية التي لم يستشرهم لما قرر السقوط فيها.
نيسان ـ نشر في 2026/04/04 الساعة 00:00