حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني
نيسان ـ نشر في 2026/04/05 الساعة 00:00
الوضع الدولي على غاية التعقيد، وكذلك الوضع الإقليمي، وهذا يعود إلى عجز النظام العالمي، الذي توافقت بشأنه القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية 1939-1945، على مواكبة التطورات والمتغيرات التي استجدت منذ انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991. وقد تمثّل في تراجع المكانة الاستراتيجية لبعض القوى الدولية المؤثرة، وانشغال روسيا بأوضاعها الداخلية، وبروز الصين كقوة اقتصادية عملاقة تمتلك رؤية مستقبلية توسعية، وقادرة على منافسة أوروبا والولايات المتحدة تجارياً في العديد من مناطق العالم، وبل وفي الأسواق الغربية ذاتها.
أما في منطقتنا فقد كانت الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988، ومن ثم غزو الكويت عام 1990، وتشكّل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة؛ وهو التحالف الذي أرغم صدام حسين على الخروج من الكويت عام 1991. بعد ذلك كان إسقاط نظام صدام حسين في العراق عام 2003، وقبله نظام طالبان في أفغانستان عام 2001. وكل هذه الأحداث كانت مقدمة لتحوّلات بنيوية كبرى في المعادلات الإقليمية، تمظهرت بصورة أساسية في المشروع الإيراني التوسعي الإقليمي؛ وهو المشروع الذي مكّن النظام الإيراني من الهيمنة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، عبر اعتماد استراتيجية تشكيل الميليشيات المحلية، ودعمها بالمال والسلاح والتخطيط والتوجيه، لتكون من بين الأدوات التنفيذية للمشروع.
ولم تقتصر المساعي الإيرانية في هذا المجال على الوسط الشيعي وحده في الدول المعنية ليكون مادة وساحة للتجييش، وخزاناً بشرياً لتأمين المقاتلين العقائديين؛ بل امتد ليشمل حركة حماس وفصائل أخرى في الوسط الفلسطيني لم تكن جميعها إسلاموية التوجه. وشملت حملة التجنيد الإيرانية الإقليمية هذه حزب العمال الكردستاني بواجهاته المختلفة في دول المنطقة، وذلك بالتناغم مع الرؤية البراغماتية الإيرانية المعهودة، والنزوع الإمبراطوي الاستعلائي القائم على اعتقاد مضلل يوهم صاحبه بحقه المشروع في الهيمنة على المنطقة، ويدفع به إلى امتلاك القدرات واستخدام كل الأساليب بغية التمكّن من ذلك.
ولعل هذا ما يفسر الإصرار الإيراني على امتلاك القدرات النووية، وتطوير الصواريخ الباليستية والاستراتيجية، والإمساك بمفاصل الجوار الإقليمي بأدوات القوتين الخشنة والناعمة.
تعود علاقة حزب العمال الكردستاني مع النظام الإيراني إلى أوائل ثمانينات القرن المنصرم، أي بعد دخول عبدالله أوجلان إلى سوريا بسنوات قليلة (دخل إلى سوريا عن طريق كوباني/عين العرب عام 1979)، ومكث في دمشق بعض الوقت (عدة أشهر)، ثم توجه إلى بيروت ليستقر هناك لفترة محدودة، ويعود ثانية إلى دمشق ليستقر فيها إلى حين إخراجه منها عام 1998 بناء على ضغط تركي، وتدخل الرئيس المصري الراحل حسني مبارك لدى حافظ الأسد، وإقناعه له بضرورة إبعاد أوجلان عن سوريا، وعقد اتفاقية أمنية مع الجانب التركي (اتفاقية أضنة عام 1998).
في دمشق نسج أوجلان علاقات مع سلطة آل الأسد لم تبلغ المستوى السياسي؛ وإنما ظلت في المستوى الأمني. وقد وفرت هذه العلاقات لحزبه فرصة حرية الحركة في المناطق الكردية، والأحياء والتجمعات الكردية في حلب ودمشق، وبناء التنظيمات فيها، مستغلاً القمع الذي كان مفروضاً على الأحزاب الكردية السورية، إلى جانب انقسامات وترّهل تلك الأحزاب وخلافاتها البينية، وابتعادها بصورة تدريجية عن الناس خاصة في الأرياف. هذا بالإضافة إلى المزاودات الشعاراتية التي كان حزب العمال الكردستاني يلجأ إليها، خاصة شعاره تحرير وتوحيد كردستان. فقد كان يطرح نفسه بوصفه حركة تحرر كردستانية شاملة، لا تعرف الحدود بين أجزاء كردستان. ومع ذلك كان يحظى هذا الحزب بدعم سلطة حافظ الأسد، ويحصل على دعمها المالي والعسكري والإعلامي، وسُمح له بفتح معسكرات التدريب في البقاع بلبنان وريف دمشق بسوريا؛ هذا في الوقت الذي كانت الأجهزة الأمنية تلاحق باستمرار نشطاء الحركة الكردية السورية الذين لم تتجاوز مطالبهم حدود رفع الظلم عن الكرد، والإقرار بحقوقهم القومية المشروعة ضمن الإطار الوطني السوري.
بدأت علاقة حزب العمال بصورة فعلية مع النظام الإيراني بين عامي 1982-1983، واللافت هنا أن هذه العلاقات تزامنت مع تأسس حزب الله في لبنان، تحت شعار المقاومة وتحرير الجنوب اللبناني ومناصرة القضية الفلسطينية؛ هذا في حين أن حزب العمال كان يرفع الشعارات التي كانت تتمحور حول معاداة الإمبريالية والصهيونية، مع تركيز على الساحة الكردية، وتشدّد لافت في التوجه الماركسي اللينيني الستاليني (جسدته شعاراته الكبرى الصاخبة)؛ وقد استغل هذا الحزب ظروف الفراغ السياسي الذي حدث في الوسط الكردي بعد توقف ثورة الراحل ملا مصطفى بارزاني في كردستان العراق عام 1975 نتيجة الاتفاقية التي تمت بين شاه إيران محمد رضا بهلوي وصدام حسين برعاية هواري بومدين في الجزائر.
وكان من الواضح أن حافظ الأسد يريد استخدام ورقة حزب العمال في سياق حساباته مع تركيا، إلى جانب رغبته في الهيمنة على الورقة الكردية، كما كان يفعل مع الورقتين الفلسطينية واللبنانية، وذلك لتعزيز دوره الإقليمي في مواجهة صدام حسين في العراق بعد إخراج مصر بزعامة أنور السادات من الجامعة العربية عام 1979.
أما النظام الإيراني فيبدو أنه منذ ذلك الحين كان قد اعتمد استراتيجية استخدام الميليشيات في مشروعه الإقليمي التوسعي، وقد وجد في حزب العمال ضالته لاستخدامه كردياً في كل من العراق وتركيا وسوريا، وحتى إيران (لتحجيم الحركة الكردية هناك كما فعل حافظ الأسد في سوريا). وقد تمكّن من ذلك عبر واجهات حزب العمال بمختلف الأسماء في الدول المعنية.
ورغم التزام سلطة آل الأسد العلني بتوافقات اتفاقية أضنة الأمنية مع تركيا، إلا أن العلاقات الأمنية مع حزب العمال عبر واجهاته المختلفة في سوريا لم تنقطع، بل ظلت مستمرة في الخفاء؛ في حين أن النظام الإيراني كان يستخدم الحزب المذكور لإزعاج الحزب الديمقراطي الكردستاني في إقليم كردستان العراق.
وفي الأشهر الأولى للثورة السورية عام 2011، قرر النظام الإيراني التدخل لمنع سقوط سلطة بشار بأي ثمن تحت شعار حماية المراقد المقدسة ومحاربة الفصائل الإرهابية، وكان دخول حزب الله والفصائل العراقية والباكستانية والأفغانية، وحتى بعض الفصائل الفلسطينية إلى سوريا للوقوف إلى جانب سلطة بشار في حربها على السوريين الثائرين على استبدادها وفسادها. وتم دخول قوات حزب العمال تحت اسم «حزب الاتحاد الديمقراطي» و«قوات حماية الشعب» و«قوات حماية المرأة»، التي نزلت جاهزة بتشكيلاتها وأسلحتها من جبال قنديل، ولم تتشكّل في سوريا بناء على «عبقرية أو بطولة» هذا الشخص أو ذاك كما يروجه بعضهم اليوم. وحصلت تلك القوات على المزيد من الدعم المالي والعسكري من سلطة آل الأسد التي سلمتها مهمة إدارة المناطق الكردية، كما كلفتها بحماية حقول النفط، والإشراف على الإنتاج مقابل توافقات بشأن الحصص والشروط.
وكان ذلك مقابل أن تقوم القوات المعنية بضبط الأمور في تلك المنطقة ومنع انضمامها إلى الثورة بعد التفاعل الشبابي الواسع مع الثورة في مختلف المناطق، خاصة في عامودا والقامشلي وكوباني وحلب ودمشق. وقد قامت القوات المشار إليها، وبالتنسيق مع أجهزة السلطة وإداراتها، بتنفيذ ما كان قد تم تكليفها به عبر جملة من عمليات القمع والقتل والاغتيال في القامشلي وعامودا والدرباسية وكوباني وبقية المناطق.
ولكن الغريب أنها كان تسوّق نفسها كردياً بأنها قد «حررت مناطقها بغية المحافظة على سلامة الكرد» هذا مع العلم أنها لم تخض عملية واحدة مع قوات وأجهزة السلطة، وانما كانت تشارك من حين إلى آخر في عمليات مسرحية كان هدفها اعادة الانتشار والتضليل، وربما تصفية الحسابات بين المسؤولين المحليين ليس إلاّ.
ومع سقوط سلطة آل الأسد وهروب بشار، ومجيء الإدارة السورية الجديدة بعد التوافقات الإقليمة والدولية التي كانت لإخراج قوات وأذرع النظام الإيراني من سوريا، حاول حزب العمال عبر واجهة «قسد» و«الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا» البقاء في المشهد تحت شعار رفض الخضوع لـ «سلطة إرهابية»، هذا مع العلم بأن بين «قوات حماية الشعب/قسد لاحقاً» وجبهة النصرة، التي كانت العمود الفقري لهيئة تحرير الشام، تعود إلى عام 2013، وذلك باعتراف سيبان حمو نفسه (سمير آسو معاون وزير الدفاعي السوري حالياً) وذلك في مقابلته مع صحيفة «المجلة» مؤخراً.
وقد تمكّنت «قسد» نتيجة الدعم الأمريكي العسكري والمالي لها من خلال التحالف الدولي لمحاربة داعش، إلى جانب تحكّمها بالثروات الطبيعية، وجمع الضرائب، وفرض الأتاوات، والتحكّم بمختلف أوجه النشاط التجاري والخدمات والحياة المعيشية للناس، من السيطرة على الوضع في الشارع الكردي بعد أن همّشت الأحزاب الكردية السورية، خاصة المجلس الوطني الكردي، حتى بات مصطلح «قسد» في وجدان الكرد المخلصين البسطاء يعادل الكرد، رغم أن مسؤولي «قسد» كانوا يحرصون على رفع الصفة الكردية عنها؛ وقد أسهمت وسائل الإعلام المختلفة العربية والدولية، وحتى الكردية رغم معرفتها الدقيقة باللوحة الكردية السورية في عملية الخلط بين «قسد» والكرد.
واليوم وبعد أن أعلنت الولايات المتحدة انتهاء المهمة الوظيفية لـ «قسد»، وبعد الاتفاق الذي تم بين الحكومة السورية وهذه الأخيرة في 29 كانون الثاني/يناير 2026 وتطبيقاته تحت صيغة الاندماج، وذلك على إثر الانهيار السريع لـ«قسد» في معارك لم يكن لها لزوم وفق حوار سيبان حمو المشار إليه؛ انكشفت الأمور، وتبيّن حجم الفساد الهائل في الإدارة الذاتية المزعومة، التي حصلت على أموال طائلة من مصادر مختلفة، ولا يعلم أحد، سوى المشرفين عليها، كيف وأين بدّدتها، أو من الذي حصل عليها. فهي لم تنفق قرشا واحداً على البنية التحتية والطرق والخدمات؛ ولم تشمل دائرة إنجازاتها سوى حفر الخنادق، وبناء القبور، والاستثمار في دماء الشهداء، والشعارات الكبرى التي ما أنزل الله بها من سلطان.
أما في منطقتنا فقد كانت الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988، ومن ثم غزو الكويت عام 1990، وتشكّل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة؛ وهو التحالف الذي أرغم صدام حسين على الخروج من الكويت عام 1991. بعد ذلك كان إسقاط نظام صدام حسين في العراق عام 2003، وقبله نظام طالبان في أفغانستان عام 2001. وكل هذه الأحداث كانت مقدمة لتحوّلات بنيوية كبرى في المعادلات الإقليمية، تمظهرت بصورة أساسية في المشروع الإيراني التوسعي الإقليمي؛ وهو المشروع الذي مكّن النظام الإيراني من الهيمنة على العراق وسوريا ولبنان واليمن، عبر اعتماد استراتيجية تشكيل الميليشيات المحلية، ودعمها بالمال والسلاح والتخطيط والتوجيه، لتكون من بين الأدوات التنفيذية للمشروع.
ولم تقتصر المساعي الإيرانية في هذا المجال على الوسط الشيعي وحده في الدول المعنية ليكون مادة وساحة للتجييش، وخزاناً بشرياً لتأمين المقاتلين العقائديين؛ بل امتد ليشمل حركة حماس وفصائل أخرى في الوسط الفلسطيني لم تكن جميعها إسلاموية التوجه. وشملت حملة التجنيد الإيرانية الإقليمية هذه حزب العمال الكردستاني بواجهاته المختلفة في دول المنطقة، وذلك بالتناغم مع الرؤية البراغماتية الإيرانية المعهودة، والنزوع الإمبراطوي الاستعلائي القائم على اعتقاد مضلل يوهم صاحبه بحقه المشروع في الهيمنة على المنطقة، ويدفع به إلى امتلاك القدرات واستخدام كل الأساليب بغية التمكّن من ذلك.
ولعل هذا ما يفسر الإصرار الإيراني على امتلاك القدرات النووية، وتطوير الصواريخ الباليستية والاستراتيجية، والإمساك بمفاصل الجوار الإقليمي بأدوات القوتين الخشنة والناعمة.
تعود علاقة حزب العمال الكردستاني مع النظام الإيراني إلى أوائل ثمانينات القرن المنصرم، أي بعد دخول عبدالله أوجلان إلى سوريا بسنوات قليلة (دخل إلى سوريا عن طريق كوباني/عين العرب عام 1979)، ومكث في دمشق بعض الوقت (عدة أشهر)، ثم توجه إلى بيروت ليستقر هناك لفترة محدودة، ويعود ثانية إلى دمشق ليستقر فيها إلى حين إخراجه منها عام 1998 بناء على ضغط تركي، وتدخل الرئيس المصري الراحل حسني مبارك لدى حافظ الأسد، وإقناعه له بضرورة إبعاد أوجلان عن سوريا، وعقد اتفاقية أمنية مع الجانب التركي (اتفاقية أضنة عام 1998).
في دمشق نسج أوجلان علاقات مع سلطة آل الأسد لم تبلغ المستوى السياسي؛ وإنما ظلت في المستوى الأمني. وقد وفرت هذه العلاقات لحزبه فرصة حرية الحركة في المناطق الكردية، والأحياء والتجمعات الكردية في حلب ودمشق، وبناء التنظيمات فيها، مستغلاً القمع الذي كان مفروضاً على الأحزاب الكردية السورية، إلى جانب انقسامات وترّهل تلك الأحزاب وخلافاتها البينية، وابتعادها بصورة تدريجية عن الناس خاصة في الأرياف. هذا بالإضافة إلى المزاودات الشعاراتية التي كان حزب العمال الكردستاني يلجأ إليها، خاصة شعاره تحرير وتوحيد كردستان. فقد كان يطرح نفسه بوصفه حركة تحرر كردستانية شاملة، لا تعرف الحدود بين أجزاء كردستان. ومع ذلك كان يحظى هذا الحزب بدعم سلطة حافظ الأسد، ويحصل على دعمها المالي والعسكري والإعلامي، وسُمح له بفتح معسكرات التدريب في البقاع بلبنان وريف دمشق بسوريا؛ هذا في الوقت الذي كانت الأجهزة الأمنية تلاحق باستمرار نشطاء الحركة الكردية السورية الذين لم تتجاوز مطالبهم حدود رفع الظلم عن الكرد، والإقرار بحقوقهم القومية المشروعة ضمن الإطار الوطني السوري.
بدأت علاقة حزب العمال بصورة فعلية مع النظام الإيراني بين عامي 1982-1983، واللافت هنا أن هذه العلاقات تزامنت مع تأسس حزب الله في لبنان، تحت شعار المقاومة وتحرير الجنوب اللبناني ومناصرة القضية الفلسطينية؛ هذا في حين أن حزب العمال كان يرفع الشعارات التي كانت تتمحور حول معاداة الإمبريالية والصهيونية، مع تركيز على الساحة الكردية، وتشدّد لافت في التوجه الماركسي اللينيني الستاليني (جسدته شعاراته الكبرى الصاخبة)؛ وقد استغل هذا الحزب ظروف الفراغ السياسي الذي حدث في الوسط الكردي بعد توقف ثورة الراحل ملا مصطفى بارزاني في كردستان العراق عام 1975 نتيجة الاتفاقية التي تمت بين شاه إيران محمد رضا بهلوي وصدام حسين برعاية هواري بومدين في الجزائر.
وكان من الواضح أن حافظ الأسد يريد استخدام ورقة حزب العمال في سياق حساباته مع تركيا، إلى جانب رغبته في الهيمنة على الورقة الكردية، كما كان يفعل مع الورقتين الفلسطينية واللبنانية، وذلك لتعزيز دوره الإقليمي في مواجهة صدام حسين في العراق بعد إخراج مصر بزعامة أنور السادات من الجامعة العربية عام 1979.
أما النظام الإيراني فيبدو أنه منذ ذلك الحين كان قد اعتمد استراتيجية استخدام الميليشيات في مشروعه الإقليمي التوسعي، وقد وجد في حزب العمال ضالته لاستخدامه كردياً في كل من العراق وتركيا وسوريا، وحتى إيران (لتحجيم الحركة الكردية هناك كما فعل حافظ الأسد في سوريا). وقد تمكّن من ذلك عبر واجهات حزب العمال بمختلف الأسماء في الدول المعنية.
ورغم التزام سلطة آل الأسد العلني بتوافقات اتفاقية أضنة الأمنية مع تركيا، إلا أن العلاقات الأمنية مع حزب العمال عبر واجهاته المختلفة في سوريا لم تنقطع، بل ظلت مستمرة في الخفاء؛ في حين أن النظام الإيراني كان يستخدم الحزب المذكور لإزعاج الحزب الديمقراطي الكردستاني في إقليم كردستان العراق.
وفي الأشهر الأولى للثورة السورية عام 2011، قرر النظام الإيراني التدخل لمنع سقوط سلطة بشار بأي ثمن تحت شعار حماية المراقد المقدسة ومحاربة الفصائل الإرهابية، وكان دخول حزب الله والفصائل العراقية والباكستانية والأفغانية، وحتى بعض الفصائل الفلسطينية إلى سوريا للوقوف إلى جانب سلطة بشار في حربها على السوريين الثائرين على استبدادها وفسادها. وتم دخول قوات حزب العمال تحت اسم «حزب الاتحاد الديمقراطي» و«قوات حماية الشعب» و«قوات حماية المرأة»، التي نزلت جاهزة بتشكيلاتها وأسلحتها من جبال قنديل، ولم تتشكّل في سوريا بناء على «عبقرية أو بطولة» هذا الشخص أو ذاك كما يروجه بعضهم اليوم. وحصلت تلك القوات على المزيد من الدعم المالي والعسكري من سلطة آل الأسد التي سلمتها مهمة إدارة المناطق الكردية، كما كلفتها بحماية حقول النفط، والإشراف على الإنتاج مقابل توافقات بشأن الحصص والشروط.
وكان ذلك مقابل أن تقوم القوات المعنية بضبط الأمور في تلك المنطقة ومنع انضمامها إلى الثورة بعد التفاعل الشبابي الواسع مع الثورة في مختلف المناطق، خاصة في عامودا والقامشلي وكوباني وحلب ودمشق. وقد قامت القوات المشار إليها، وبالتنسيق مع أجهزة السلطة وإداراتها، بتنفيذ ما كان قد تم تكليفها به عبر جملة من عمليات القمع والقتل والاغتيال في القامشلي وعامودا والدرباسية وكوباني وبقية المناطق.
ولكن الغريب أنها كان تسوّق نفسها كردياً بأنها قد «حررت مناطقها بغية المحافظة على سلامة الكرد» هذا مع العلم أنها لم تخض عملية واحدة مع قوات وأجهزة السلطة، وانما كانت تشارك من حين إلى آخر في عمليات مسرحية كان هدفها اعادة الانتشار والتضليل، وربما تصفية الحسابات بين المسؤولين المحليين ليس إلاّ.
ومع سقوط سلطة آل الأسد وهروب بشار، ومجيء الإدارة السورية الجديدة بعد التوافقات الإقليمة والدولية التي كانت لإخراج قوات وأذرع النظام الإيراني من سوريا، حاول حزب العمال عبر واجهة «قسد» و«الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا» البقاء في المشهد تحت شعار رفض الخضوع لـ «سلطة إرهابية»، هذا مع العلم بأن بين «قوات حماية الشعب/قسد لاحقاً» وجبهة النصرة، التي كانت العمود الفقري لهيئة تحرير الشام، تعود إلى عام 2013، وذلك باعتراف سيبان حمو نفسه (سمير آسو معاون وزير الدفاعي السوري حالياً) وذلك في مقابلته مع صحيفة «المجلة» مؤخراً.
وقد تمكّنت «قسد» نتيجة الدعم الأمريكي العسكري والمالي لها من خلال التحالف الدولي لمحاربة داعش، إلى جانب تحكّمها بالثروات الطبيعية، وجمع الضرائب، وفرض الأتاوات، والتحكّم بمختلف أوجه النشاط التجاري والخدمات والحياة المعيشية للناس، من السيطرة على الوضع في الشارع الكردي بعد أن همّشت الأحزاب الكردية السورية، خاصة المجلس الوطني الكردي، حتى بات مصطلح «قسد» في وجدان الكرد المخلصين البسطاء يعادل الكرد، رغم أن مسؤولي «قسد» كانوا يحرصون على رفع الصفة الكردية عنها؛ وقد أسهمت وسائل الإعلام المختلفة العربية والدولية، وحتى الكردية رغم معرفتها الدقيقة باللوحة الكردية السورية في عملية الخلط بين «قسد» والكرد.
واليوم وبعد أن أعلنت الولايات المتحدة انتهاء المهمة الوظيفية لـ «قسد»، وبعد الاتفاق الذي تم بين الحكومة السورية وهذه الأخيرة في 29 كانون الثاني/يناير 2026 وتطبيقاته تحت صيغة الاندماج، وذلك على إثر الانهيار السريع لـ«قسد» في معارك لم يكن لها لزوم وفق حوار سيبان حمو المشار إليه؛ انكشفت الأمور، وتبيّن حجم الفساد الهائل في الإدارة الذاتية المزعومة، التي حصلت على أموال طائلة من مصادر مختلفة، ولا يعلم أحد، سوى المشرفين عليها، كيف وأين بدّدتها، أو من الذي حصل عليها. فهي لم تنفق قرشا واحداً على البنية التحتية والطرق والخدمات؛ ولم تشمل دائرة إنجازاتها سوى حفر الخنادق، وبناء القبور، والاستثمار في دماء الشهداء، والشعارات الكبرى التي ما أنزل الله بها من سلطان.
نيسان ـ نشر في 2026/04/05 الساعة 00:00