خسائر اقتصادية كبيرة للمنطقة

محمد عايش
نيسان ـ نشر في 2026/04/07 الساعة 00:00
ينشغل الكثيرون في الحديث عن التكاليف المباشرة للحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية على إيران، وهي تكاليف تتفاوت بين عسكرية مباشرة، أو خسائر المنشآت المدنية التي تصاب بالضرر، والواقع أن التكلفة التي تدفعها المنطقة هي أكبر بكثير من الخسائر التقليدية المباشرة التي تكبدتها وستتكبدها الدول العربية.
هذه الحرب تسببت بفوضى في المنطقة بأكملها، وهددت لأول مرة الاستقرار في أغلب دولها، وتسببت بإغلاق كامل لمضيق هرمز وارتفاع صاروخي لأسعار النفط والغاز، وتعطيل لحركة السفر والطيران، وتركت الآلاف أو ربما مئات الآلاف عالقين، من دون أن يتمكنوا من العودة إلى بلدانهم، ولكن هذا كله ليس سوى الخسائر المباشرة لمنطقتنا، من جراء هذه الحرب، والحقيقة أن الخسائر غير المباشرة أكبر بكثير من ذلك.
ثمة أمر لافت وبالغ الأهمية في هذه الحرب وهو أنها المرة الأولى التي لا تستفيد فيها دول الخليج العربية من الارتفاع الحاد في أسعار النفط، لأن إغلاق مضيق هرمز يُعطل ويُعرقل عمليات التصدير التقليدية، ما يعني بالضرورة تعطل مبيعات النفط، فضلاً عن أن بعض المنشآت النفطية تضررت بصورة كبيرة، بما يدفع إلى الاعتقاد بأن إعادتها الى العمل قد يستغرق وقتاً إضافياً بعد انتهاء الحرب، وإعادة فتح مضيق هرمز. الحرب الحالية تسببت بخسائر اقتصادية فادحة للمنطقة برمتها، وعلى الرغم من أن الأعين جميعها تقع على دول الخليج والدول المتصارعة، لكن واقع الحال أن هذه الخسائر تطال حتى الدول التي لا تزال بمنآى عن القتال العسكري المباشر، وهذا يعني أن هذه الحرب سوف تترك المنطقة بأكملها غارقة في أزمة اقتصادية عميقة سوف ترفع من مستويات الفقر والجوع في بلداننا التي تعاني أصلاً من هذه الآفات.
وفيما يلي أبرز ملامح الخسائر الاقتصادية والتكاليف غير المباشرة لهذه الحرب:
ثمة انعكاسات كبيرة للحرب ضد إيران وفي حال استمرت، أو توسعت جغرافياً، أو ازدادت عنفاً فستدفع المنطقة ثمناً أكبر لها، وستتكبد الاقتصادات العربية خسائر أكثر إيلاماً
أولاً: تصدر الجنيه المصري قائمة أسوأ العملات العالمية أداء أمام الدولار منذ بداية الحرب على إيران في 28 شباط/فبراير الماضي، متراجعاً بنحو 12.2 في المئة، ليُسجل بذلك انتكاسة كبيرة، بعد أن كان قد حقق مكاسب بنحو 6.2 في المئة خلال النصف الثاني من العام الماضي. وخلال هذه الحرب سجل الجنيه المصري أدنى مستوى في تاريخه على الإطلاق مُقابل الدولار، وخسر بالمجمل نحو 14 في المئة من قيمته خلال الشهر الأول من الحرب. ويأتي هبوط الجنيه متزامناً بطبيعة الحال مع اجراءات تقشفية في مصر، في مقدمتها قرار بإغلاق مبكر للمحال التجارية وإطفاء الأنوار ليلاً في محاولة لتقليل فاتورة الطاقة. فيما تضاعفت في مصر فاتورة الغاز مرتين ونصف من 560 مليون دولار شهرياً إلى 1.1 مليار دولار، وفق تأكيد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي. ومن المعلوم بالضرورة أن الهبوط في سعر صرف العملة المحلية يعني ارتفاعاً حاداً في نسبة التضخم، وارتفاعاً في أسعار السلع والمواد الأساسية، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى اتساع رقعة الفقر والجوع وتراجع الخدمات العامة في البلاد.
ثانياً: ثمة أزمة غذائية عالمية صامتة ستظهر بشكل تدريجي، وسببها أن الخليج العربي هو مركز عالمي لإنتاج الأسمدة، وبات في حكم المؤكد أن القطاع الزراعي العالمي سوف يواجه أزمة أسمدة ستؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع تكلفته وبالتالي ترتفع بصورة حادة أسعار المواد الغذائية والمنتجات الزراعية. تقول جريدة «فايننشال تايمز» البريطانية، إن الخليج العربي يُعدّ مركزاً لأسواق الأسمدة العالمية، وقد توقف إنتاجه وتعطلت شحناته بسبب هذه الحرب، مما قلّص الإمدادات ورفع الأسعار العالمية، حيث إن 43% من تجارة اليوريا العالمية معرضة للخطر، بسبب الصراع في الشرق الأوسط، وكذلك بسبب أن نحو 45% من صادرات الكبريت العالمية، وهو عنصر أساسي في صناعة الأسمدة الفوسفاتية، يتم شحنها عبر مضيق هرمز. وحسب الأمم المتحدة، فقد يواجه نحو 45 مليون شخص إضافي في الدول الفقيرة، انعداماً حاداً في الأمن الغذائي بحلول حزيران/ يونيو المقبل، أي خلال شهرين فقط من الآن، إضافة إلى 318 مليون شخص يعانون أصلاً من انعدام الأمن الغذائي.
ثالثاً: يتجه السوق العقاري في بعض دول الخليج، خاصة في الإمارات، إلى الركود وربما الانهيار الكامل، حيث غادر مئات الآلاف من الأجانب، من بينهم نحو 100 ألف بريطاني، وهذا يعني أن المعروض من العقارات الفارغة سيرتفع بصورة حادة، كما إن بعض الشركات ستضطر إلى تسريح موظفيها، أو تقليص عددهم على غرار ما حدث خلال الأزمة المالية العالمية في عام 2008، ما سيؤدي حتماً إلى فائض في المعروض العقاري مع تراجع في الطلب، ويعني بالضرورة تراجعاً حاداً في أسعار البيع والتأجير، على حد سواء.
ثمة انعكاسات كبيرة لهذه الحرب وفي حال استمرت طويلاً، أو توسعت جغرافياً، أو ازدادت عنفاً فسوف تدفع المنطقة ثمناً أكبر لها، وسوف تتكبد الاقتصادات العربية خسائر أكثر إيلاماً، وهو ما لا نتمناه بالمطلق، لأن الفقراء هم من يدفعون الثمن في نهاية المطاف.
    نيسان ـ نشر في 2026/04/07 الساعة 00:00