فرص التسوية بين الولايات المتحدة وإيران
نيسان ـ نشر في 2026/04/07 الساعة 00:00
يأتي الحديث عن فرص التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، حيث تتداخل اعتبارات الحرب والردع مع حسابات الاقتصاد والسياسة الداخلية لدى الطرفين، فضلًا عن ضغوط الحلفاء والمنافسين. وفي هذا السياق، لا يبدو وقف إطلاق النار مجرد إجراء تكتيكي لاحتواء التصعيد، بل قد يمثل نقطة انطلاق محتملة لمسار تفاوضي أوسع يعيد ترتيب أولويات الطرفين ويفتح الباب أمام تفاهمات طال انتظارها بشأن ملفات شائكة مثل أمن الملاحة في مضيق هرمز، والبرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، ونظام العقوبات، بل وربما يضع أسسًا أولية لنقاش أوسع حول الأمن الجماعي في الخليج.
من حيث المبدأ، يدرك صانعو القرار في واشنطن وطهران أن استمرار المواجهة المفتوحة يحمل كلفة متزايدة يصعب تحملها على المدى المتوسط. الولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري، تواجه تحديات تتعلق بتعدد بؤر التوتر عالميًا، وبالضغوط الداخلية لتجنب الانخراط في حروب طويلة ومكلفة في الشرق الأوسط. أما إيران، فرغم قدرتها على الصمود والمناورة، تعاني من ضغوط اقتصادية هائلة نتيجة العقوبات، ومن هشاشة داخلية تجعل من استمرار التصعيد العسكري مخاطرة قد تهدد استقرارها الداخلي. هذه المعادلة تخلق مساحة موضوعية للتفكير في التهدئة، ليس بدافع حسن النية، بل بدافع الضرورة.
وقف إطلاق النار، إذا ما تحقق، يمكن أن يؤدي إلى خفض مستوى التوتر وخلق بيئة أكثر ملاءمة للدبلوماسية. ففي ظل العمليات العسكرية، تضيق مساحة المناورة السياسية، وتتصاعد الخطابات المتشددة، ويصعب على أي طرف تقديم تنازلات دون أن يُتهم بالضعف. أما في حالة التهدئة، فيمكن إعادة تفعيل القنوات الخلفية، سواء عبر وسطاء إقليميين أو دوليين، واستكشاف إمكانيات التفاهم التدريجي على ملفات محددة.
أحد أهم هذه الملفات هو أمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي. إيران لطالما استخدمت المضيق كورقة ضغط، ملوحة بإمكانية تعطيل حركة النفط كرد على الضغوط الغربية. في المقابل، تعتبر الولايات المتحدة وحلفاؤها أن حرية الملاحة في المضيق خط أحمر لا يمكن المساس به. وقف إطلاق النار قد يفتح المجال لاتفاق ضمني أو صريح يقضي بضمان أمن الملاحة مقابل تخفيف بعض أشكال الضغط الاقتصادي، أو على الأقل تجنب التصعيد في هذا الملف. مثل هذا التفاهم لن يكون سهلًا، لكنه ممكن إذا ما توافرت الإرادة السياسية، خاصة وأن جميع الأطراف تدرك أن أي اضطراب كبير في المضيق ستكون له تداعيات عالمية لا يمكن السيطرة عليها.
الملف النووي يظل، بطبيعة الحال، في قلب أي مفاوضات محتملة. التجربة السابقة مع الاتفاق النووي أظهرت أن التوصل إلى تفاهم ممكن، لكنه هش وقابل للانهيار في ظل تغير الإدارات والسياسات. اليوم، تبدو المعادلة أكثر تعقيدًا، حيث قطعت إيران شوطًا أكبر في تطوير قدراتها النووية، بينما تراجعت الثقة بين الطرفين إلى مستويات غير مسبوقة. ومع ذلك، فإن وقف إطلاق النار قد يتيح العودة إلى منطق “التجميد مقابل التخفيف”، أي أن تقوم إيران بتقييد بعض أنشطتها الحساسة مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات. هذا النهج المرحلي قد يكون أكثر واقعية من محاولة التوصل إلى اتفاق شامل دفعة واحدة.
البديل عن التفاهم ليس النصر الكامل، بل استمرار الاستنزاف وعدم اليقين. وقف إطلاق النار قد يوفر نافذة نادرة لإعادة التفكير
أما البرنامج الصاروخي الإيراني، فيمثل تحديًا إضافيًا، نظرًا لارتباطه المباشر بمفاهيم الردع والأمن القومي الإيراني. طهران تنظر إلى صواريخها باعتبارها أداة تعويض عن ضعفها في مجالات أخرى، وترفض إدراجها بسهولة في أي مفاوضات. ومع ذلك، يمكن تصور ترتيبات جزئية، مثل فرض قيود على مدى الصواريخ أو طبيعة حمولاتها، أو الاتفاق على إجراءات لبناء الثقة، مثل الشفافية أو الإخطار المسبق بالتجارب. مثل هذه الخطوات قد لا تلبي جميع مطالب الولايات المتحدة وحلفائها، لكنها قد تشكل بداية لمسار تدريجي.
ملف العقوبات يمثل بدوره عنصرًا حاسمًا في أي اتفاق محتمل. بالنسبة لإيران، يشكل رفع العقوبات الهدف الرئيسي لأي تفاوض، نظرًا لما تسببه من أضرار عميقة للاقتصاد والمجتمع. أما الولايات المتحدة، فتنظر إلى العقوبات كأداة ضغط رئيسية يجب استخدامها بحذر لتحقيق مكاسب سياسية وأمنية. هنا أيضًا، قد يكون الحل في مقاربة تدريجية، تقوم على ربط كل خطوة إيرانية ملموسة بتخفيف محدد في العقوبات، مع إمكانية إعادة فرضها في حال عدم الالتزام. هذا النوع من “المقايضة المرحلية” قد يساعد في تجاوز فجوة الثقة.
الأهم من ذلك، أن وقف إطلاق النار قد يفتح الباب لنقاش أوسع حول قضايا الأمن الجماعي في الخليج. لعقود، ظل هذا المفهوم غائبًا أو ضعيفًا، في ظل اعتماد دول المنطقة على ترتيبات أمنية ثنائية مع قوى خارجية، وفي ظل التنافس الحاد بين إيران وجيرانها العرب. لكن التجارب الأخيرة أظهرت حدود هذا النموذج، وكلفته العالية. من هنا، قد تبرز فرصة – وإن كانت محدودة – لطرح أفكار جديدة تقوم على مبادئ مثل عدم الاعتداء، واحترام السيادة، وتسوية النزاعات بالطرق السلمية، وبناء آليات إقليمية للحوار والتنسيق.
بالطبع، لا ينبغي المبالغة في التفاؤل. فالعقبات أمام التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لا تزال كبيرة. هناك انعدام عميق للثقة، وتباينات جوهرية في الرؤى، وضغوط داخلية في كلا البلدين تعرقل أي تنازلات. في الولايات المتحدة، قد تواجه أي إدارة انتقادات حادة إذا ما بدت متساهلة مع إيران، خاصة في ظل الاستقطاب السياسي. وفي إيران، قد يعارض التيار المتشدد أي اتفاق يُنظر إليه على أنه تراجع أمام الضغوط. كما أن دور الفاعلين الإقليميين، الذين قد يرون في أي تقارب أمريكي إيراني تهديدًا لمصالحهم، قد يعقد المشهد أكثر.
ومع ذلك، فإن التاريخ يُظهر أن اللحظات التي تبدو فيها الصراعات في ذروتها قد تحمل في طياتها بذور التسوية. وقف إطلاق النار، إذا ما تحقق، لن يكون نهاية الصراع، لكنه قد يكون بداية مسار مختلف، يقوم على إدارة الخلاف بدلًا من تفجيره، وعلى البحث عن نقاط التقاء محدودة بدلًا من الإصرار على حسم شامل. في هذا الإطار، قد لا يكون الهدف الواقعي هو “اتفاق كبير” يعالج جميع الملفات دفعة واحدة، بل سلسلة من التفاهمات الجزئية التي تتراكم بمرور الوقت وتخلق واقعًا جديدًا أقل توترًا وأكثر قابلية للاستقرار.
في النهاية، تتوقف فرص التوصل إلى اتفاق على مدى استعداد الطرفين للاعتراف بحدود القوة، وبأن البديل عن التفاهم ليس النصر الكامل، بل استمرار الاستنزاف وعدم اليقين. وقف إطلاق النار قد يوفر نافذة نادرة لإعادة التفكير، وإذا ما أحسن استغلالها، فقد يفتح الطريق أمام ترتيبات جديدة تعيد رسم معادلات الأمن في الخليج، وتخفف من حدة أحد أخطر صراعات المنطقة.
من حيث المبدأ، يدرك صانعو القرار في واشنطن وطهران أن استمرار المواجهة المفتوحة يحمل كلفة متزايدة يصعب تحملها على المدى المتوسط. الولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري، تواجه تحديات تتعلق بتعدد بؤر التوتر عالميًا، وبالضغوط الداخلية لتجنب الانخراط في حروب طويلة ومكلفة في الشرق الأوسط. أما إيران، فرغم قدرتها على الصمود والمناورة، تعاني من ضغوط اقتصادية هائلة نتيجة العقوبات، ومن هشاشة داخلية تجعل من استمرار التصعيد العسكري مخاطرة قد تهدد استقرارها الداخلي. هذه المعادلة تخلق مساحة موضوعية للتفكير في التهدئة، ليس بدافع حسن النية، بل بدافع الضرورة.
وقف إطلاق النار، إذا ما تحقق، يمكن أن يؤدي إلى خفض مستوى التوتر وخلق بيئة أكثر ملاءمة للدبلوماسية. ففي ظل العمليات العسكرية، تضيق مساحة المناورة السياسية، وتتصاعد الخطابات المتشددة، ويصعب على أي طرف تقديم تنازلات دون أن يُتهم بالضعف. أما في حالة التهدئة، فيمكن إعادة تفعيل القنوات الخلفية، سواء عبر وسطاء إقليميين أو دوليين، واستكشاف إمكانيات التفاهم التدريجي على ملفات محددة.
أحد أهم هذه الملفات هو أمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي. إيران لطالما استخدمت المضيق كورقة ضغط، ملوحة بإمكانية تعطيل حركة النفط كرد على الضغوط الغربية. في المقابل، تعتبر الولايات المتحدة وحلفاؤها أن حرية الملاحة في المضيق خط أحمر لا يمكن المساس به. وقف إطلاق النار قد يفتح المجال لاتفاق ضمني أو صريح يقضي بضمان أمن الملاحة مقابل تخفيف بعض أشكال الضغط الاقتصادي، أو على الأقل تجنب التصعيد في هذا الملف. مثل هذا التفاهم لن يكون سهلًا، لكنه ممكن إذا ما توافرت الإرادة السياسية، خاصة وأن جميع الأطراف تدرك أن أي اضطراب كبير في المضيق ستكون له تداعيات عالمية لا يمكن السيطرة عليها.
الملف النووي يظل، بطبيعة الحال، في قلب أي مفاوضات محتملة. التجربة السابقة مع الاتفاق النووي أظهرت أن التوصل إلى تفاهم ممكن، لكنه هش وقابل للانهيار في ظل تغير الإدارات والسياسات. اليوم، تبدو المعادلة أكثر تعقيدًا، حيث قطعت إيران شوطًا أكبر في تطوير قدراتها النووية، بينما تراجعت الثقة بين الطرفين إلى مستويات غير مسبوقة. ومع ذلك، فإن وقف إطلاق النار قد يتيح العودة إلى منطق “التجميد مقابل التخفيف”، أي أن تقوم إيران بتقييد بعض أنشطتها الحساسة مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات. هذا النهج المرحلي قد يكون أكثر واقعية من محاولة التوصل إلى اتفاق شامل دفعة واحدة.
البديل عن التفاهم ليس النصر الكامل، بل استمرار الاستنزاف وعدم اليقين. وقف إطلاق النار قد يوفر نافذة نادرة لإعادة التفكير
أما البرنامج الصاروخي الإيراني، فيمثل تحديًا إضافيًا، نظرًا لارتباطه المباشر بمفاهيم الردع والأمن القومي الإيراني. طهران تنظر إلى صواريخها باعتبارها أداة تعويض عن ضعفها في مجالات أخرى، وترفض إدراجها بسهولة في أي مفاوضات. ومع ذلك، يمكن تصور ترتيبات جزئية، مثل فرض قيود على مدى الصواريخ أو طبيعة حمولاتها، أو الاتفاق على إجراءات لبناء الثقة، مثل الشفافية أو الإخطار المسبق بالتجارب. مثل هذه الخطوات قد لا تلبي جميع مطالب الولايات المتحدة وحلفائها، لكنها قد تشكل بداية لمسار تدريجي.
ملف العقوبات يمثل بدوره عنصرًا حاسمًا في أي اتفاق محتمل. بالنسبة لإيران، يشكل رفع العقوبات الهدف الرئيسي لأي تفاوض، نظرًا لما تسببه من أضرار عميقة للاقتصاد والمجتمع. أما الولايات المتحدة، فتنظر إلى العقوبات كأداة ضغط رئيسية يجب استخدامها بحذر لتحقيق مكاسب سياسية وأمنية. هنا أيضًا، قد يكون الحل في مقاربة تدريجية، تقوم على ربط كل خطوة إيرانية ملموسة بتخفيف محدد في العقوبات، مع إمكانية إعادة فرضها في حال عدم الالتزام. هذا النوع من “المقايضة المرحلية” قد يساعد في تجاوز فجوة الثقة.
الأهم من ذلك، أن وقف إطلاق النار قد يفتح الباب لنقاش أوسع حول قضايا الأمن الجماعي في الخليج. لعقود، ظل هذا المفهوم غائبًا أو ضعيفًا، في ظل اعتماد دول المنطقة على ترتيبات أمنية ثنائية مع قوى خارجية، وفي ظل التنافس الحاد بين إيران وجيرانها العرب. لكن التجارب الأخيرة أظهرت حدود هذا النموذج، وكلفته العالية. من هنا، قد تبرز فرصة – وإن كانت محدودة – لطرح أفكار جديدة تقوم على مبادئ مثل عدم الاعتداء، واحترام السيادة، وتسوية النزاعات بالطرق السلمية، وبناء آليات إقليمية للحوار والتنسيق.
بالطبع، لا ينبغي المبالغة في التفاؤل. فالعقبات أمام التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لا تزال كبيرة. هناك انعدام عميق للثقة، وتباينات جوهرية في الرؤى، وضغوط داخلية في كلا البلدين تعرقل أي تنازلات. في الولايات المتحدة، قد تواجه أي إدارة انتقادات حادة إذا ما بدت متساهلة مع إيران، خاصة في ظل الاستقطاب السياسي. وفي إيران، قد يعارض التيار المتشدد أي اتفاق يُنظر إليه على أنه تراجع أمام الضغوط. كما أن دور الفاعلين الإقليميين، الذين قد يرون في أي تقارب أمريكي إيراني تهديدًا لمصالحهم، قد يعقد المشهد أكثر.
ومع ذلك، فإن التاريخ يُظهر أن اللحظات التي تبدو فيها الصراعات في ذروتها قد تحمل في طياتها بذور التسوية. وقف إطلاق النار، إذا ما تحقق، لن يكون نهاية الصراع، لكنه قد يكون بداية مسار مختلف، يقوم على إدارة الخلاف بدلًا من تفجيره، وعلى البحث عن نقاط التقاء محدودة بدلًا من الإصرار على حسم شامل. في هذا الإطار، قد لا يكون الهدف الواقعي هو “اتفاق كبير” يعالج جميع الملفات دفعة واحدة، بل سلسلة من التفاهمات الجزئية التي تتراكم بمرور الوقت وتخلق واقعًا جديدًا أقل توترًا وأكثر قابلية للاستقرار.
في النهاية، تتوقف فرص التوصل إلى اتفاق على مدى استعداد الطرفين للاعتراف بحدود القوة، وبأن البديل عن التفاهم ليس النصر الكامل، بل استمرار الاستنزاف وعدم اليقين. وقف إطلاق النار قد يوفر نافذة نادرة لإعادة التفكير، وإذا ما أحسن استغلالها، فقد يفتح الطريق أمام ترتيبات جديدة تعيد رسم معادلات الأمن في الخليج، وتخفف من حدة أحد أخطر صراعات المنطقة.
نيسان ـ نشر في 2026/04/07 الساعة 00:00