الغاز وأهميته في تنويع مصادر الطاقة

المهندس عبدالفتاح الدرادكة
نيسان ـ نشر في 2026/04/09 الساعة 00:00
لقد كُتب كثيراً عن موضوع الغاز، إلا أن أهميته المتزايدة تفرض إعادة تناوله، كونه يشكّل حالياً المصدر الرئيسي لتوليد الكهرباء، وذلك لأسباب فنية وتجارية. فهو يُعد من مصادر الطاقة التقليدية الأنظف نسبياً، كما أنه أرخص مصدر تقليدي مستمر ومتواصل، ويمتاز – شأنه شأن بقية أنواع التوليد التقليدية – بالقدرة على التكيف مع ارتفاع وانخفاض الأحمال الكهربائية، من خلال مرونة استجابة الوحدات التوليدية العاملة عليه.
في المقابل، ونظراً لعدم توفر تقنيات تخزين للطاقة المتجددة بشكل منافس تجارياً حتى الآن، فإن هذه الطاقات تساهم في تخفيض الكلف فقط في أوقات توفرها، وهي بطبيعتها محدودة بزمن معين. فعند ذروة الأحمال المسائية، تغيب مساهمة الطاقة المتجددة، مما يجعل الغاز الخيار الأكثر جدوى من الناحيتين الاقتصادية والفنية لمواجهة الأحمال.
كما أن عدم استمرارية الطاقة المتجددة وتقطعها بين حين وآخر قد يربك تشغيل النظام الكهربائي. وخير مثال على ذلك الإطفاء الشامل الذي حدث عام 2021، والذي ارتبط بالاهتزازات الناتجة عن ارتفاع مساهمة الطاقة المتجددة في وقت كانت فيه الأحمال متدنية.
من المعروف أن الغاز المستورد من شرق البحر المتوسط قد أُحيط بالكثير من التحليلات والتأويلات، والتي لم تستند في كثير من الأحيان إلى مصادر موثوقة. إلا أن الأمانة والمسؤولية تقتضيان الإحاطة بجميع جوانب هذا الملف لإظهار الحقيقة كاملة، خاصة أن النقاش في حينه تأثر بموجة معارضة ركزت بشكل كبير على البعد السياسي، وأهملت أو شوّهت الجانب التجاري، من خلال اتهامات بالفساد وخلط غير موضوعي بين البعدين السياسي والاقتصادي بأسلوب شعبوي، مما حدّ من إمكانية تناول الموضوع بموضوعية في ذلك الوقت.
أما اليوم، وبعد أن اتضح دور الغاز في حماية النظام الكهربائي من العودة إلى الظروف التي سادت إبان انقطاع الغاز المصري عام 2011، فقد أصبح من الممكن مناقشة هذا الملف بقدر أكبر من الوضوح.
ولتفهم الموضوع بشكل كامل من المهم التمييز بين نوعين رئيسيين من الغاز:
• الغاز الطبيعي المسال (LNG): يتم استيراده عبر البواخر إلى ميناء الغاز في العقبة، الذي أنشأه الأردن عام 2015 ليكون منفذاً مرناً لاستيراد الغاز من الأسواق العالمية.
• الغاز الطبيعي عبر الأنابيب: وهو خيار مقيد جغرافياً، حيث يقتصر استيراده على دول الجوار مثل مصر أو من حقول شرق البحر الأبيض المتوسط.
وبسبب الخلط بين اشكال الغاز اعلاه ،أُثيرت تساؤلات حول أسعار اتفاقيات الغاز طويلة الأمد، واعتُبرت مرتفعة عند مقارنتها بالأسعار العالمية. إلا أن هذا الطرح يغفل حقيقة مهمة، وهي أن ما يُتداول غالباً هو أسعار السوق الأمريكية المحلية، التي لا تعكس الأسعار الفعلية للغاز المسال في الأسواق العالمية.
فالمرجعية الحقيقية لأسعار الغاز المسال تعتمد على نشرات متخصصة، أبرزها نشرة “بلاتس” (Platts)، إضافة إلى مؤشرات عالمية مثل مؤشر JKM الخاص بأسواق شرق آسيا، وهي المعايير التي تستند إليها الشركات الكبرى في تسعير الغاز عالمياً.
وبعيداً عن الجدل السياسي، تشير البيانات إلى أن اتفاقيات الغاز طويلة الأمد أسهمت في توفير ما لا يقل عن خمسة مليارات دولار على النظام الكهربائي الأردني منذ بدء العمل بها. ويتجلى هذا التوفير في الفارق الكبير بين:
• كلفة التوليد باستخدام الغاز الطبيعي
• وكلفة التوليد باستخدام الوقود البديل مثل الديزل والوقود الثقيل
كما أن الفارق بين الغاز طويل الأمد والغاز المسال يصل في الظروف الطبيعية إلى نحو 30%، وقد يتضاعف بشكل كبير في أوقات الأزمات العالمية، كما حدث خلال أزمة أوكرانيا.
وتشكل الظروف الإقليمية الراهنة مثالاً واضحاً على أهمية الغاز. ففي ظل التوترات والحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران، وما رافقها من اضطرابات في إمدادات الطاقة، تكبد النظام الكهربائي الأردني خسائر يومية تجاوزت 3 ملايين دولار نتيجة اللجوء إلى الوقود البديل.
وخلال فترة امتدت لنحو 12 يوماً في عام 2025، ارتفعت الخسائر إلى حوالي 8 ملايين دولار يومياً، بسبب تشغيل محطات التوليد على الديزل والوقود الثقيل في ظل غياب إمدادات الغاز، وعدم توفر الباخرة العائمة في تلك الفترة.
في المحصلة، لا يمكن إنكار أن اتفاقيات الغاز أسهمت بشكل ملموس في خفض كلف التوليد وتعزيز استقرار الإمدادات. إلا أنها، في الوقت ذاته، ترتبط بواقع سياسي معقد، كونها مع طرف يحتل أرضاً عربية ويمارس سياسات عدوانية بحق الشعب الفلسطيني.
وهذا الواقع يفرض على الأردن التفكير الجاد في مرحلة ما بعد هذه الاتفاقيات.
ومع اقتراب الاتفاقية من منتصف مدتها، تبرز الحاجة لوضع استراتيجية طاقة وطنية واضحة تهدف إلى تقليل الاعتماد عليها مستقبلاً، من خلال:
• التوسع في استغلال الصخر الزيتي
• تعزيز إنتاج الغاز المحلي من حقل الريشة
• الاستثمار في تقنيات تخزين الطاقة (الكهربائية والمائية)
• الاستمرار في تنويع مصادر الطاقة المتجددة
وفي الختام فإن أمن الطاقة ليس شعاراً سياسياً، بل ضرورة اقتصادية واستراتيجية، يقوم جوهرها على تنويع المصادر وتقليل الاعتماد على أي مصدر واحد، مهما بدا منخفض الكلفة أو مريحاً في مرحلة معينة.
ومن هنا، ينبغي أن ينتقل النقاش حول الغاز من جدل الماضي إلى تخطيط المستقبل، بهدف بناء نظام طاقة أردني متوازن، يعتمد بدرجة أكبر على موارده الوطنية، ويضمن في الوقت ذاته استقرار الإمدادات وكلفتها المعقولة.
    نيسان ـ نشر في 2026/04/09 الساعة 00:00