باكستان كوسيط صديق لأمريكا وعدو لإسرائيل

وسام سعادة
نيسان ـ نشر في 2026/04/11 الساعة 00:00
قبل أقل من عام بقليل خرجت باكستان من مواجهة عسكرية لأربعة أيام مع الهند بانطباع يفيد بأنها كانت أسرع بديهة ولياقة في المواجهة مع جارتها اللدود. فبينما كانت الهند تشن عملية سندور انتقاما من مجزرة بهالغام التي اقترفها فرع من منظمة “عسكر طيبة” المرابطة في باكستان، باغتتها اسلام آباد باستهداف العمق الهندي في وقت قياسي، كما أظهرت المواجهة فعالية المقاتلات الصينية الصنع والمنظومات الدفاعية التي مكنت باكستان من إسقاط طائرات مسيرة ومقاتلات هندية، مما كسر التفوق العددي التقليدي للهند.
نجحت باكستان في تقديم نفسها قبل عام كطرف “متفاجئ”، لماذا تستهدفها الهند من بعد المجزرة المرتكبة في كشمير، وكطرف “مسؤول” يرد على النار بالنار ويدرج ذلك في خانة الدفاع عن النفس، ويسعى في الوقت نفسه لتوسط الأمريكيين لخفض درجة التصعيد بسرعة، وهذا ما حصل حين قبلت الهند تدخل دونالد ترامب، ما أفسح بالمجال أمام ما كانت ترفضه الأخيرة لسنوات طويلة: “تدويل” لمسألة كشمير.
عززت حرب الأيام الأربعة من مكانة الجنرال عاصم منير قائد الجيش. رُفع إلى رتبة مشير ومن ثم استحدث له منصب رئيس قوات الدفاع ما أوجب تعديلا للدستور، فتولاه إلى جانب قيادة الجيش، ما منحه سلطة مباشرة على القوات البحرية والجوية أيضاً. يحاول عاصم منير المواءمة بين علاقتي بلاده الوثيقتين مع كل من الصين وأمريكا، وفي علاقاته الإسلامية، بين روابط بلاده مع كل من تركيا والسعودية وإيران. هذا ما بات يعرف بـ”عقيدة منير”: تحويل باكستان من ساحة للتناقضات وصراعات إلى قوة صلبة ووسيط موثوق في خفض التوترات وحل النزاعات. تفترض عقيدة منير التحوط في الداخل الباكستاني، انطلاقا من هيمنة غير مباشرة للعسكر، وتفاهم مع آل شريف والرابطة الإسلامية في إطار الحفاظ على شكليات الديمقراطية الانتخابية والبرلمانية، ومع استمرار الحجر على عمران خان وحركته، مع ظهور منير بمظهر المحافظ دينيا، المتجهز لمواجهة تصاعد الغلو القومي الديني في الهند بحمية دينية إسلامية.
في زمن “عقيدة منير” لا يُفقه التحالف الهندي الإسرائيلي إلا كتحالف هجومي عسكري استخباري ديبلوماسي ضد باكستان. ويعتبر الباكستانيون أن هذا التحالف يسعى إلى عزل دولتهم، وبالتالي الرد يكون بتكثيف علاقاتها المتعددة والمتناقضة. في الوقت نفسه، تنظر باكستان الى نظام حركة طالبان في أفغانستان واستثارته للمسألة الإثنية الباشتونية في الداخل الباكستاني، كما تنظر إلى الدعم الهندي للمتمردين الانفصاليين البلوش، على أنهما ينذران بكماشة لا يمكن التهاون حيالها، لا بل يُنظر إلى دور لإسرائيل أنها شكلت غرفة عمليات مشتركة مع المتمردين البلوش لعرقلة الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني.
البنية التحتية لتخصيب اليورانيوم الإيرانية استندت في بداياتها إلى تصاميم حصلت عليها طهران من شبكة العالم الباكستاني عبد القدير خان في التسعينيات
وفي وقت سعت فيه الصين مؤخرا لوضع حد للحرب بين باكستان وطالبان، يأتي دور إسلام آباد الوسيط بين أمريكا وإيران ليحمل معه جملة دلالات: أولها أن الدولة التي تدخل على الخط لوقف تصاعد الحرب في الشرق الأوسط ليست دولة محايدة بين جميع أطراف النزاع.
هي دولة صديقة لأمريكا – ولو بأزمات عديدة منذ ربع قرن على خلفية هجمات 11 أيلول والخلاف حول الموقف في أفغانستان وحول كيفية مواجهة الإسلاميين في المنطقة الحدودية الباكستانية معها.
وهي دولة حليفة استراتيجيا للصين، في مواجهة الهند بالدرجة الأولى. باكستان هي التي لعبت دور الجسر عام 1971 لتسهيل التقارب بين الصين والولايات المتحدة؛ وكان الرد الهندي بالتدخل حينها لفرض استقلال بنغلاديش، وللتعجيل من ثم بامتلاك القنبلة النووية عام 1974.
أما علاقتها بإيران فتقلبت بين المراحل. لفترة طويلة، شعرت باكستان بالقلق من الاستثمارات الهندية في ميناء تشابهار الإيراني، معتبرة إياه محاولة هندية للالتفاف عليها والوصول إلى أفغانستان وآسيا الوسطى، مما يضعف الأهمية الاستراتيجية لميناء جوادر. وفي مطلع العام 2024 نفذ الحرس الثوري الإيراني هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة داخل إقليم بلوشستان الباكستاني، لاستهداف مواقع لجماعة بلوشية إيرانية لها قواعد خلف الحدود، وردت باكستان بضربات جوية ضد جماعات انفصالية بلوشية باكستانية تعمل من داخل الأراضي الإيرانية، فنشطت الصين لاحتواء الأزمة، ومن بعدها شهدت العلاقات بين البلدين تحسنا، زاد من إلحاحه استفحال التحالف الهندي الإسرائيلي. بل أخذت باكستان تساعد إيران على التفلت من رزمة العقوبات الأمريكية والغربية. ومن حجج إسلام آباد أن هذا التعاون ضروري لتفادي تدفق ملايين اللاجئين من إيران إليها. تلتزم باكستان في المقابل بسقف لهذا التقارب مع إيران، وهو اتفاقية دفاعها الاستراتيجي مع السعودية (سبتمبر 2025)، وهي تنص على أن الهجوم على أحد الطرفين هجوم على الآخر. يبقى أنه، بالنسبة الى إسرائيل يعد تسرب التكنولوجيا النووية والعسكرية من باكستان أو من خلالها الى إيران هو الكابوس. فالبنية التحتية لتخصيب اليورانيوم الإيرانية استندت في بداياتها إلى تصاميم حصلت عليها طهران من شبكة العالم الباكستاني عبد القدير خان في التسعينيات، وتخشى إسرائيل استمرار هذا الدعم ولو بشكل موارب، كما تخشى من تعاون عسكري تستفيد فيه إيران من دقة الصواريخ الباليستية الباكستانية ذات الوقود الصلب. في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، لا يعتبر وصف القنبلة النووية الباكستانية بـ”القنبلة الإسلامية” مجازا. مع هذا فان باكستان هي التي تسعى اليوم لوقف الحرب. تحاول أن تثبت جدارتها كوسيط للسلام، في مقابل البث الهندي الإسرائيلي ضدها على أنها دولة عدوانية. تسعى باكستان لما من شأنه إحداث صدع في التحالف الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران هذا فيما تنظر إسرائيل إلى باكستان كخطر تسرب تكنولوجيا نووية وعسكرية بشكل عام إلى إيران، هذا من جهة، والقناة الوحيدة للضغط على إيران سياسيا، هذا من جهة ثانية. فباكستان لها دور متعدد الأبعاد في الشرق الأوسط: صديقة للولايات المتحدة، عدوة لإسرائيل، ليس من مصلحتها استفراد أمريكا وإسرائيل بإيران، وليست تقبل مع ذلك هجمات إيران ضد الدول العربية المجاورة.
    نيسان ـ نشر في 2026/04/11 الساعة 00:00