خناجر الغدر في خاصرة الصمود… كيف أسقطت عشائر غزة مؤامرة 'روابط القرى' الجديدة؟

نيسان ـ نشر في 2026/04/12 الساعة 00:00
في أزقة غزة التي تعانق رائحةُ البارود فيها عبقَ الزعتر البري، وحيث تشبثت الجدران المهدمة بأسماء ساكنيها الذين ارتقوا، تولد حكاية غدر لا تَقِلُّ قسوة عن قذائف الطائرات. هناك، خلف غبار الدمار في حي الشجاعية الصامد، لم تكن الرصاصات التي اخترقت أجساد الأخوين فهمي وصائب قدوم آتية من فوهة دبابة إسرائيلية فحسب، بل كانت بنكهة الخيانة المرة، أطلقتها فئة مارقة ارتضت أن تكون ذراعًا مسمومة للمحتل الإسرائيلي في قلب الحاضنة الشعبية.
إنها حكايةٌ عن صراع الإرادات؛ حيث يحاول الاحتلال كسر شوكة شعب أذاقه الويل، لا عبر القصف الجوي فحسب، بل عبر «مصفوفة اجتماعية» خبيثة تهدف إلى إحلال الفوضى محل النظام، والخيانة محل الوفاء، والميليشيا محل المقاومة. في هذه السطور، تسبر أغوار المخطط الذي أراد لغزة أن تأكل أبناءها، وكيف وقف الوجهاء والمخاتير حائطَ صدٍّ منيعًا أمام رياح الفتنة المسمومة، محطمين أحلام ملادينوف ومن خلفه في تحويل العشيرة إلى «شرطي مرور» يحمي أمن المحتل.
ليلة الغدر في الشجاعية.. تشريح الجريمة ميدانيًّا
تبدأ فصول الجريمة في ليلة معتمة، وتحديدًا في السابع والعشرين من اذار/مارس لعام 2026. يروي منير قدوم، ابن عم الشهيدين، تفاصيل اللحظات الغادرة بنبرة تختنق بالقهر، واصفًا مشهدًا يعيد للأذهان عصابات «الهاغاناه» ومذبحة صبرا وشاتيلا: «في منتصف الليل، وتحديدًا عند الساعة الرابعة فجرًا، داهمت فئة ضالة تقطن شرق غزة منزل أبنائنا. لم يكونوا وحدهم، بل كانت طائرات الاحتلال تحلق فوقهم وتؤمن حركتهم. لقد قتلوا فهمي وصائب بدم بارد، بأسلحة حصلوا عليها من العدو ليطعنوا بها إخوانهم».
هذا التنسيق الميداني العالي بين الميليشيا والطيران المروحي، يثبت أننا لسنا أمام خلاف عائلي أو نزاع جنائي، بل أمام وحدة كوماندوز «بديلة» تعمل بالوكالة.
ويضيف المختار سائد جندية، أحد وجهاء الشجاعية، بمرارة: «تخرج علينا فئة مارقة ليست من عادات شعبنا، استطاعت أن تكون أداة بدلًا من أدوات العدو، يقتلون ويبطشون في شعبهم تحت ذريعة تخليصهم من العذاب، لكنهم هم العذاب ذاته. لقد انسحب الاحتلال تقريبًا من الشجاعية، ولكنهم كانوا هم أدوات الاحتلال المتبقية في هذه المنطقة».
هنا تبرز خطورة الدور المنوط بهذه المجموعات؛ فهي تعمل كـ «جيش ظل» يتولى المهام القذرة التي يعجز الاحتلال عن تنفيذها وسط الأزقة الضيقة، مستغلين معرفتهم بالطرقات والبيوت والوشائج العائلية، ما يجعل خطرهم يتجاوز خطر الدبابة التي يسهل رصدها واستهدافها. إن مقتل الأخوين قدوم كان «بالونة اختبار» لمدى قدرة هذه المجموعات على فرض واقع أمني جديد تحت غطاء «محلي».
خطة ملادينوف وعسكرة المساعدات
لفهم أبعاد ما حدث في الشجاعية، يجب ربطه بالتحركات السياسية الدولية التي كانت تُطبخ خلف الكواليس، وتحديدًا ما يُعرف بـ «خطة ملادينوف». نيكولاي ملادينوف، المنسق الأممي السابق لعملية السلام في الشرق الأوسط، لطالما عُرف بطروحاته التي تدمج بين الجزرة الإنسانية والعصا الأمنية. وتتمحور خطته الأخيرة حول ضرورة تسليم المقاومة لسلاحها كشرط مسبق لدخول «لجنة إدارة غزة» المعينة ضمن المرحلة الثانية لاتفاق وقف إطلاق النار، للبدء في خطة إعادة الإعمار.
لقد صرح ملادينوف مؤخرًا بوضوح صادم أن «الإعمار وتدفق الأموال وإعادة الحياة إلى غزة مرهون بتفكيك البنية العسكرية للفصائل»، داعيًا إلى تشكيل لجان إدارية وأمنية تكنوقراطية تمارس عملها الإداري تحت مظلة دولية وإقليمية.
هذه التصريحات لم تكن مجرد آراء دبلوماسية، بل كانت «مانيفستو» لعمل الميليشيات على الأرض؛ حيث حاولت هذه المجموعات تصوير نفسها كـ «اللجان الإدارية» التي بشر بها ملادينوف، مدعية أنها جاءت لتنظيم المساعدات وحماية الإعمار، بينما كانت في الحقيقة قفازًا ناعمًا لليد الصهيونية الخشنة.
أبو عبد الله العماوي، رئيس وجهاء ومخاتير حي الصبرة، يربط بوضوح بين الجريمة الميدانية والمخطط السياسي: «جئنا لنبين للعالم أجمع أننا وحدة واحدة ضد هذا الاحتلال الذي يريد أن يهجرنا وينزع سلاح مقاومتنا. نحن مع المقاومة قلبًا وقالبًا، ولا يستطيع أي إنسان أن ينزع سلاحنا، وسيبقى سلاحنا مشرعًا ضد الاحتلال وضد أعوانه». إن محاولة «عسكرة المساعدات» عبر ميليشيات مسلحة كانت تهدف إلى جعل «رغيف الخبز» ثمنًا للتنازل عن السلاح، وهو ما ترفضه العشائر التي تدرك أن السلاح هو الضامن الوحيد للبقاء والكرامة.
آذار اللهيب العشائري.. مؤتمرات الحسم والرفض
شهد شهر آذار/مارس من العام الجاري 2026 ذروة المواجهة الشعبية مع هذه المخططات، حيث تحولت دواوين العشائر إلى مراكز قيادة وطنية. ففي مؤتمر صحافي حاشد بمدينة غزة في 22 آذار/مارس 2026، أعلن التجمع الوطني للقبائل والعشائر رفضه القاطع لأي طروحات دولية تسعى لتشكيل «إدارات محلية» أو «لجان تكنوقراط» كبديل عن التوافق الوطني. وأكد الوجهاء في بيانهم التاريخي أن محاولات الالتفاف على خيار الشعب الفلسطيني عبر خلق كيانات أمنية موازية لن تمر، مشددين على أن العشائر لن تكون جسرًا لتمرير «خطة ملادينوف» التي ترهن لقمة العيش بنزع السلاح، معتبرين أن أي انخراط في هذه المشاريع هو خروج صريح عن الإجماع الشعبي وخيانة لدماء الشهداء.
ومع تصاعد التحركات المشبوهة لبعض المجموعات المسلحة عند المعابر (مثل مدينة رفح وكرم أبو سالم) تحت غطاء «تأمين القوافل»، عقدت عائلات قطاع غزة مؤتمرًا صحافيًا في 28 آذار/مارس 2026، أعلنت فيه «البراءة التامة» من أي فرد يثبت تورطه في ميليشيات ممولة خارجيًا. وشدد المتحدث باسم الوجهاء على أن حماية الأمن الداخلي هي مسؤولية وطنية بامتياز، محذرًا من محاولات الاحتلال استنساخ تجارب أمنية فاشلة كـ «روابط القرى» أو «جيش لبنان الجنوبي»، مؤكدًا أن العشائر ستقف بالمرصاد لكل من يحاول العبث بالسلم الأهلي مقابل امتيازات مادية مشبوهة.
سحب الشرعية وإهدار الدم
إن الرهان الإسرائيلي التاريخي على العشيرة كبديل للوطن سقط مرة أخرى. ففي ذكرى يوم الأرض (30 آذار/مارس 2026)، توجت العشائر الفلسطينية حراكها بمؤتمر مركزي أعلنت فيه رسميًا «إهدار دم» كل من يثبت تورطه في التنسيق الأمني المباشر مع الاحتلال.
يقول د. علاء الدين العكلوك، عضو قيادة التجمع الوطني للقبائل والعشائر: «رسالتنا لأولئك الأوغاد الذين ارتموا في أحضان الاحتلال: فتحنا لكم باب التوبة ولكنكم أبيتم. قريباً سنغلق هذا الباب ونرفع الغطاء عنكم أمام الجهات الأمنية المختصة». وأمهل المؤتمر المنخرطين في هذه التشكيلات ساعات قليلة لإعلان التوبة وتسليم سلاحهم، مؤكدًا أن «الخيانة لا قبيلة لها».
ويذهب المختار أبو السعدي عطالله، مختار حي الدرج، إلى مستوى أكثر صرامة: «هؤلاء العملاء لسنا منهم وليسوا منا، ودَمُهم مهدور للعشائر والقبائل. من لم تتلطخ يده بالدماء فليعد ويعلن التوبة والحكومة ستحميه، أما من ولغ في دم شعبه فلا عهد له». إن مصطلح «الدم المهدور» يعني أن العائلة تتبرأ من تبعات مقتل ابنها إذا ما قامت الأجهزة الأمنية أو المقاومة بتصفيته، وهو ما يقطع الطريق على أي فتنة داخلية أو «ثأر» قد يستغله الاحتلال لضرب النسيج الاجتماعي.
البعد الأمني..
مواجهة الجيل الثالث من العملاء
يرى د. إبراهيم حبيب، المحلل الأمني والسياسي، أن هذه الميليشيات تمثل «الجيل الثالث» من العملاء. فبعد فشل العميل الفردي، وفشل «روابط القرى» في الثمانينيات، يحاول الاحتلال الآن خلق «عصابات منظمة» تمتلك سلاحًا وهيكلًا قياديًا وتتغطى بغطاء إنساني أو إداري يتماشى مع رؤية ملادينوف.
ويضيف حبيب: «هذه العصابات جاءت لتنفذ أجندة تفتيت الجبهة الداخلية، وندعو العائلات كافة للتبرؤ من هؤلاء الخونة لمحو عار الخيانة». إن استهداف عائلة قدوم العريقة كان رسالة إرهاب لكل العائلات الأخرى، لإيهامهم بأن الميليشيا فوق القانون، لكن الزحف العشائري من رفح إلى بيت حانون أثبت العكس.
ويؤكد المختار أبو نضال الغرابلي بلهجة حادة: «يجب أن نضرب على يد هذه الميليشيات الخائنة بيد من حديد. شعبنا معطاء ويرفض الخونة، وعلى كل عائلة أن تتبرأ من ابنها إذا سار في ركاب المحتل». هذه الدعوة للضرب بـ «يد من حديد» تعطي الضوء الأخضر للأجهزة الأمنية للتحرك من دون خوف من التبعات العشائرية، مما يعزز السلم الأهلي في وقت الحرب.
الوعي الجمعي وسقوط نظرية «الفوضى الخلاقة»
إن مشهد تلاحم المخاتير يعكس فشل نظرية «الفوضى الخلاقة» التي أراد الاحتلال من خلالها تحويل غزة إلى غابة يحكمها المسلحون الموالون له. يوضح المختار أبو محمد سكر (رجل إصلاح): «هذا المشهد يمثل عائلات قطاع غزة كافة، وهو يعبر عن تماسكنا مع المقاومة وضد العملاء. أوجه رسالة لمن ضل الطريق: لا تزال لديكم فرصة للعودة، فالمسامحة موجودة لمن لم تتلطخ يده بالدم».
هذه «الوسطية» العشائرية ـ بين الحسم مع القتلة وفتح باب التوبة للمغرر بهم– هي التي منعت انفجار القطاع من الداخل. فالعشائر تدرك أن الاحتلال يريد تحويل البوصلة من «فلسطيني ضد محتل» إلى «فلسطيني ضد فلسطيني». ومن هنا كان إصرار المختار أبو موسى قدوم على وصف الميليشيات بأنهم «جبناء يسيئون لعائلاتهم»، مؤكدًا أن «كيد العدو لن يغيرنا».
الجدار الذي لم يُهدم ولن يُخترق
في ختام هذا الاستقصاء الميداني، يتبين أن معركة غزة ليست فقط فوق الأرض وتحتها، بل هي معركة على «الوعي» و«الولاء». إن دماء فهمي وصائب قدوم لم تذهب سدى، بل كانت الزيت الذي أوقد سراج الوحدة العشائرية في وجه مشروع الميليشيات المشرعن دوليًا عبر خطط ملادينوف.
إن الميليشيات التي ولدت في أحضان الطائرات الصهيونية، ستموت في أزقة غزة التي لا تقبل الغرباء ولا الخونة. ورغم كل الضغوط الدولية، ورغم خطط ملادينوف ومشاريع «اليوم التالي»، يبقى الصوت العشائري في غزة مخلصًا لثوابته: السلاح للعدو، والخبز للكرامة، والخيانة في مزابل التاريخ.
لقد أثبتت عائلات غزة، من الشجاعية إلى الصبرة ومن الدرج إلى رفح، أن «الحاضنة الشعبية» ليست شعارًا للاستهلاك الإعلامي، بل هي عقيدة راسخة ترفض المقايضة على السلاح مقابل الطحين. وسيبقى موقف أ. منير قدوم وعائلته صرخةً في وجه كل من تسول له نفسه العبث بأمن هذا الشعب: «سنلاحقكم قانونيًا وعرفيًا وعشائريًا، ولن نرحم من ثبت تورطه، فدماء أبنائنا ليست للمساومة». غزة اليوم، بوحدتها العشائرية والسياسية، تسحق النسخة الجديدة من «روابط القرى»، وتؤكد لملادينوف وللاحتلال أن السلاح الذي يحمي الأرض لا يُسلم مقابل وعود الإعمار الزائفة.
    نيسان ـ نشر في 2026/04/12 الساعة 00:00