خيبات الخرائط الكاذبة .. نحن 'أبناء مسطرة' ما بعد الظهيرة

نيسان ـ نشر في 2026/04/13 الساعة 00:00
إبراهيم قبيلات
بينما كانت الشمس تميل نحو الغروب في لندن، كان "تشرتشل" يمسح جبهته بمنديل حريري، ليس تعبا من فأس ضرب بها الأرض، ولا عناء من أكياس "بقالة" حملها لزوجته، بل كان يفرك راحته المنتصرة فقد أنهى لتوّه هندسة جغرافيا كاملة.
"لا بأس بهذا العمل في فترة ما بعد الظهيرة". قال. "شهادة ميلاد" مشوّهة لبلاد عُجنت بالدم والدموع، ورُسمت بمسطرة باردة وقلم رصاص لا يدرك أن الخط الذي يشقه على الخارطة سيصبح لاحقا خندقا، أو جدارا، أو مقبرة جماعية.
تلك هندسة الارهاب البريطاني. فتشرتشل، في لحظة تجلٍ استعمارية، لم يكن يرى شعوبا، ولا قبائل، ولا تضاريس مقدسة. كان يرى قطيعا يحتاج إلى السوق نحو المذبحة.
وبمنتهى اناقة الارهاب الإمبريالية، قرر أن مصائر الملايين لا تستحق أكثر من ساعتين بين الغداء وشرب الشاي.
جيد انا اجدادنا في القبور. فكيف يمكن ان يقنعهم. ان شتاتنا صار هويتنا الجامعة التي يموت احدنا في سبيلها.
اما المسطرة التي بترت أوصال العائلات ومصائر امتنا، فقد استحدث بها وبالقلم حدودا مستقيمة في بيئة لم تعرف يوما الانحناءات. والنتيجة دول وُلدت "خديجة" في حضانات الغرب، تعاني من ثقوب في القلب الجغرافي منذ اللحظة الأولى.
المأساة ليست في ما فعله تشرتشل؛ فالذئب لا يُلام على افتراسه، إنما المأساة فينا نحن. نحن الذين ألقينا بكتب التاريخ في سلال المهملات، واكتفينا بقراءة "عناوين" الفخر الامبريالي فصدقناها وفخرنا بها وكان دونها ارواحنا.
كانت رصاصة الجهل على رأس ذاكرتها، فقتلت الحقيقة قبل أن تصل إلى الأجيال. وعندما أطلقنا النار على ماضينا، لم يمت الماضي وحده، بل استدار إلينا المستقبل، ذلك الشاهد الصامت ليفتح علينا مدافع الفناء.
المستقبل لا يرحم الذين يدخلونه بجيوب فارغة من الوعي، وعقول ممسوحة بخيبات الخرائط الكاذبة.
يقولون إن التاريخ يكتبه المنتصرون، لكن في حالتنا، التاريخ كتبه "المستعجلون" برعونة، وقرأه "المهزومون" بجهالة.
نحن "أبناء المسطرة"، الذين نعيش في غرف او سجون صممها رجل كان يفكّر في موعد عشائه أكثر مما يفكر في استقرار منطقة ليست له. وما زلنا، حتى اللحظة، نتقاتل على "ملمترات" رسمها تشرتشل وهو يتثاءب في فترة "ما بعد الظهيرة".
    نيسان ـ نشر في 2026/04/13 الساعة 00:00