ذاكرة النار وأفق الحلم

رمزي الغزوي
نيسان ـ نشر في 2026/04/14 الساعة 00:00
منذ ثلاثة أعوام والسودان الجريح يترنح فوق حافة الانهيار. وطن يلتهمه لهيب الحرب ببطء موجع، كأن الزمن توقف عند لحظات الخراب. لا أحد يمد يده، والعالم يشيح بوجهه كما لو أن ما يحدث مجرد صدى بعيد. في الأزقة المهجورة، وتحت خيام لا تقي من مطر ولا خوف، يصمد الملايين بصمت ثقيل، يواجهون قدرا لم يختاروه، لكنهم يحملونه كل صباح وكأنه قدرهم وحدهم.
ما يجري ليس خلافا عابرا بين جنرالين، بل صدى لعقود من التهميش والتراكمات. نزاع طويل على السلطة، ووراثة مشوّهة لثروات حُبست في مركز ضيق، بينما تُركت الأطراف تتآكلها الفجوة والفقر والنسيان. السودان، هذا البلد الغني بتعدده العرقي والثقافي واللغوي، لم يُمنح فرصة ليصنع سلاما داخليا مع نفسه. عرف ثروته، لكنه لم يحسن استثمارها، فانقسم على ذاته، وتكسّرت وحدته تحت ضغط الجشع وشهوة الهيمنة.
الأشد إيلاما أن الذين أشعلوا شرارة الدمار، هم من يفترض أنهم خُلقوا لحمايته. اليوم، يقف السودان أسير أطماع جنرالات يرون في البندقية سلما للسلطة لا وسيلة لحماية الوطن. هذا ليس صراعا على كراسي، بل انفجار لذاكرة طويلة من القهر والتناقضات، ذاكرة تراكمت حجرا بعد حجر، حتى انفجرت على رؤوس الأبرياء.
وما يزيد المشهد قسوة، أن هذه المأساة تُدار من الخارج ببرود مخيف، كما لو أنها مجرد ملف سياسي في أرشيف المصالح الدولية. تُختزل المدن إلى نقاط على الخرائط، وتُسمّى الأقاليم بمصطلحات مكررة: مناطق نزاع، مناطق تمرد، مناطق سيطرة. لكن أين ذهب الإنسان؟ أين الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن؟ أين ضحكات الأطفال التي سُرقت؟ أين أحلام الشباب التي لم تولد بعد؟
ربما لن يأتي السلام قريبا، وربما يستمر الألم سنوات أخرى، لكن لا مفر من لحظة صدق. لحظة نعترف فيها أن السودان لن ينهض إلا إذا تخلّى عن أمراضه المزمنة؛ عن الاستعلاء، والعنف، والتمييز. هذا الوطن لن يُبنى بالزي العسكري، ولا بالخطب المرتفعة، بل بإرادة حقيقية تضع الإنسان أولا، وتصنع من التنوع ثروة لا تهديدا.
السودان ليس ورقة على طاولة مفاوضات، ولا رقعة جيوسياسية في لعبة الكبار. السودان بيت كبير، تعب من الانهيار، واشتاق لمن يرمم جدرانه بصدق، لا من يرفع شعارات فارغة فوق أنقاضه. إنه يحتاج إلى ضمير حي، لا إلى سلاح جديد. إلى عدالة تجمع، لا إلى طموحات تفرّق.
قد يبدو الطريق طويلا، والظلام كثيفا، لكن النور يولد دائما من رحم العتمة. والسودان، رغم كل ما فقده، لا يزال حيا في قلوب من آمنوا به. لا يزال ينتظر من يعيد إليه الحلم، لا من يضاعف الرماد.
    نيسان ـ نشر في 2026/04/14 الساعة 00:00