بعد إسلام آباد

بكر صدقي
نيسان ـ نشر في 2026/04/14 الساعة 00:00
انقضى الأسبوع الأول على بداية الهدنة الهشة في الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، وبقي أسبوع. وانتهت المفاوضات بين طهران وواشنطن بإعلان فشلها في التوصل إلى أي اتفاق، لتدخل التاريخ باعتبارها أول اجتماع رسمي بهذا المستوى بين ممثلي البلدين منذ ثورة الخميني في العام 1979. من مفارقات هذا الاجتماع أن يرأس نائب الرئيس الأمريكي فانس وفد بلده، وهو المعروف بمعارضته للحرب؛ وأن يرأس الوفد الإيراني رئيس البرلمان قاليباف الذي دخل اسمه التداول بصفته “الشخصية الخفية” التي زعم ترامب أنه يتواصل مع الأمريكيين من وراء ظهر النظام.
غير أن بروز اسم فانس، في الآونة الأخيرة، مرة وهو يظهر في بودابست لإعلان دعمه لفيكتور أوربان في الانتخابات العامة المجرية، وأخرى في إسلام آباد لخوض مفاوضات صعبة مع طهران، قد أثار تساؤلات حول ما إذا كان يعد نفسه، إعلامياً، لخلافة ترامب الذي ليس من المستبعد أن يدفع الفاتورة السياسية لحربه سواء بإرغامه على الاستقالة أو بعزله قانوناً. قاليباف، بالمقابل، يبدو رجل إيران القوي بعد انطواء حقبة خامنئي الذي اغتالته إسرائيل في أول أيام الحرب، ممثلاً للحرس الثوري الذي تجمع التحليلات على أنه بات المؤسسة الحاكمة فعلياً في إيران بدلاً من ولاية الفقيه.
بكلمات أخرى يمكن القول إن النظام الإيراني قد تغيّر فعلاً بتغير مركز القرار فيه، وإن لم يتعرض للانهيار، وسنرى في الأيام المقبلة في أي وجهة سيمضي هذا التغيير. لا يمكن للنخبة الجديدة طبعاً أن تعلن استسلام النظام الفوري أمام المطالب الأمريكية، حفاظاً على تماسك قاعدته الاجتماعية، كما أنه يريد الحصول على ضمانات بعدم تكرار الحرب مقابل التنازلات التي سيضطر لتقديمها، وبوصلته الوحيدة هي الاستمرار في السلطة.
ولكن على ماذا اختلف الجانبان حقيقةً؟
هل الهدف الحقيقي من الحرب هو فرض وصاية دولية على المضيق للتخلص بصورة نهائية من الابتزاز الإيراني لأسواق النفط والغاز في العالم؟
من السذاجة الركون إلى التصريحات الرسمية بهذا الخصوص. فقد أشار فانس إلى البرنامج النووي الإيراني باعتباره سبب فشل المفاوضات! هذه نكتة بالنظر إلى أن الجانب الإيراني سبق وأعلن مراراً أنه لا نوايا لديه لتصنيع أسلحة نووية، قبل الحرب وأثناءها، وطوال السنوات السابقة. هذا فضلاً عن إعلان ترامب عن قضائه على منشآت إيران النووية مرتين! ربما ليس بلا دلالة أن موضوع مضيق هرمز قد طغى على كل ما عداه من عناصر الحرب وأهدافها. فها هو ترامب يعلن، في أعقاب فشل المفاوضات، أنه سيبدأ بفرض حصار على المضيق وعلى الشواطئ الإيرانية. ترى هل الهدف الحقيقي من الحرب هو فرض وصاية دولية على المضيق للتخلص بصورة نهائية من الابتزاز الإيراني لأسواق النفط والغاز في العالم؟ وهل يستطيع نظام ما بعد خامنئي في إيران التخلي عن هذا السلاح الأخطر من السلاح النووي؟ إذا تذكرنا أن بوصلة النظام الوحيدة هي، مثل أي نظام استبدادي مشابه، البقاء في الحكم مهما بلغت الكلفة، سيبدو خضوعه لترتيبات دولية بشأن قواعد العبور محتملاً، لأنه لا يملك ترف مواجهة المجتمع الدولي. رفضت الدول الأوروبية المشاركة في الحرب على إيران، وبدت واشنطن، ومعها تل أبيب، معزولتين بشأنها، لكنها ستكون معنية ومنخرطة بصورة فعالة حين يتعلق الأمر بمضيق هرمز، كقضية فرعية قائمة بذاتها بسبب تأثير وضعها الكارثي على اقتصادات تلك الدول. وحدها روسيا بوتين سعيدة باحتمال إغلاق المضيق لأنها رفعت من مداخيلها من تصدير النفط والغاز. حتى الصين التي قيل إنها تزود إيران بوسائل دفاع جوي، ضغطت على قادة إيران للموافقة على الانخراط في المفاوضات، وهي من أكثر الدول تضرراً بارتفاع أسعار النفط. يبقى لإيران فقط السعي للتخفيف من الشروط القاسية التي ستفرض عليها في إطار ترتيبات دولية بشأن قواعد العبور في المضيق. أي محاولة الخروج من التفاوض بشأنها بأقل الخسائر الممكنة.
بالعودة إلى ترامب، فهو تحت ضغط مختلف عما تواجهه إيران. إنه ضغط الوقت المتاح أمامه للخروج بإنجاز ما يسمح له بالقول إنه انتصر على إيران، قبل دخول البلاد أجواء الانتخابات النصفية في الكونغرس. فخسارة هذه الانتخابات، إذا حدثت، ستفتح الباب أمام إجراءات عزله بدعوى افتقاره لملكات القيادة. الخروج باتفاق دولي بشأن مضيق هرمز يحيده عن التجاذبات والصراعات السياسية سيكون إنجازاً كبيراً حقاً يمكن لترامب أن يتبجح به أمام خصومه في الداخل والخارج على حد سواء. ومن المحتمل أن يوافق على بعض الشروط الإيرانية مقابل ذلك، كإطلاق الودائع ورفع العقوبات. الأمر الذي ستكون القيادة الإيرانية الجديدة بحاجة ماسة إليه لتعلن بدورها أنها حققت نصراً. فقد تعودنا أن تحقق الأطراف المتصارعة النصر على جانبي الصراع، والحقيقة هي أن الطرفين يخسران، باستثناء حالات خاصة كالذي حصل للرئيس الفنزويلي في بداية العام.
قال فانس بلهجة زعيم مافيا: “قدمنا آخر وأفضل عرض للإيرانيين، ونأمل أن يوافقوا عليه”. وهو ما يعني أن فشل مفاوضات إسلام آباد لا يعني نهاية التفاوض. سيكون على قادة إيران الجدد أن يشربوا كأس سم جديد تحت ضغط الحصار البحري والتهديد باستئناف الضربات.
    نيسان ـ نشر في 2026/04/14 الساعة 00:00