الملاحة في مضيق هرمز.. اختبار يومي لاستقرار الاقتصاد العالمي

نيسان ـ نشر في 2026/04/16 الساعة 00:00
مع كل رحلة عبور أو توقف للسفن في مضيق هرمز يتكرر المشهد ذاته؛ ناقلة تشق عباب البحر، بينما يحبس العالم أنفاسه في حالة من القلق والترقب بانتظار وصولها بسلام. ومنذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط نهاية فبراير الماضي، تتجه أنظار الأسواق العالمية نحو هذا المضيق، حيث يؤدي أي تأخير أو توتر فيه إلى انعكاسات فورية على أسعار الطاقة؛ إذ لتتحول الرحلات البحرية الاعتيادية في هذا الممر الاستراتيجي الحساس إلى اختبار يومي لاستقرار الاقتصاد العالمي.
في هذا الممر الذي لا يتجاوز عرضه عشرات الكيلومترات، كانت تمر يومياً كميات هائلة من النفط تمثل نحو 20% من الإمدادات العالمية، ما يجعل أي اضطراب ولو كان محدوداً- قادراً على إحداث صدمة فورية في الأسواق. ولهذا، لا تُقرأ حركة الناقلات باعتبارها نشاطاً تجارياً فحسب، بل كمؤشر مباشر على استقرار تدفقات الطاقة في العالم.
بينما تبدو الرحلة روتينية على سطح البحر، فإنها في العمق تعكس تفاعلات دقيقة بين العرض والطلب، وبين قرارات المنتجين وحسابات المستهلكين، وبين التوترات السياسية واستجابات الأسواق.
وصار كل عبور في "هرمز" بمثابة تصويت يومي على استقرار النظام الاقتصادي العالمي؛ فإذا مرّت الناقلات بسلاسة، تنفست الأسواق الصعداء، وإذا تعثرت أو تأخرت، ارتفعت موجات القلق سريعا من بورصات الطاقة إلى حياة الناس اليومية.
في هذا الممر الضيق، الذي يربط الخليج بالعالم، لا تتحرك السفن وحدها، بل تتحرك معها أسعار النفط، ومؤشرات التضخم، وقرارات البنوك المركزية، وحتى حسابات القوى الكبرى. فالمضيق الذي كان يوماً مجرد معبر جغرافي، تحوّل مع الزمن إلى نقطة اختبار دائمة لقدرة العالم على إدارة أزماته، حيث يكفي خلل محدود في حركة العبور ليعيد رسم خريطة الأسواق خلال ساعات.
هذا الدور لم يتشكل فجأة، بل هو امتداد لتاريخ طويل من الأزمات ففي عام 1973، أدى الحظر النفطي إلى خفض الإمدادات بشكل حاد، لتشهد الأسواق واحدة من أكبر الصدمات في تاريخها، حيث ارتفعت الأسعار وتعرضت اقتصادات كبرى لركود تضخمي. تلك الأزمة رسّخت حقيقة أن الطاقة ليست مجرد سلعة، بل أداة تأثير سياسي واقتصادي.
وعلى مدى العقود التالية، تكررت الأزمات لكن بأشكال مختلفة. ففي حرب العراق عام 2003، ورغم التوترات العسكرية، استمرت الإمدادات بالتدفق مع تأثيرات محدودة نسبيًا على الأسواق. وفي ليبيا عام 2011، أدى النزاع إلى تراجع الإنتاج، لكنه بقي محصورًا ضمن نطاق يمكن تعويضه جزئيًا.
أما خلال جائحة كورونا عام 2020، فقد واجهت الأسواق صدمة من نوع مختلف، حيث انهار الطلب العالمي على النفط بشكل غير مسبوق، ما أدى إلى تراجع الأسعار إلى مستويات تاريخية.
وفي عام 2022، أعادت الحرب الروسية الأوكرانية رسم خريطة تدفقات الطاقة، عبر العقوبات وإعادة توجيه الصادرات، دون أن يتوقف الإمداد بشكل كامل، بل تغيرت مساراته. لكن ما يميز التوترات المرتبطة بـ مضيق هرمز هو أنها لا تتعلق بإنتاج دولة بعينها، بل بممر تمر عبره نسبة ضخمة من تجارة النفط العالمية، ما يجعل تأثيرها أكثر شمولًا وسرعة.
نشر موقع "أكسيوس" هذا الأسبوع تقريراً حول تعطل سلاسل الإمداد المرتبط بالأزمات العالمية، حيث سجلت حرب الشرق الأوسط 2026 النسبة الأعلى بـ 16%، تلتها أزمة حظر النفط عام 1973 بنسبة 8%، ثم غزو العراق للكويت عام 1990 بنسبة 8%، فالحرب في العراق عام 2003 بنسبة 4%، بينما بلغت نسبة كل من الحرب الأهلية في ليبيا عام 2011 والغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 نسبة 2%.
وتتفاعل الأسواق بصورة فورية منذ بدء الحرب في الشرق الأوسط في 28 فبراير، وإعلان الهدنة لمدة أسبوعين اعتباراً من 8 أبريل، ثم تحرك القوات الأمريكية لحصار المضيق وفتح ممرات آمنة لعبور السفن، حيث شهدت أسعار النفط تقلبات حادة بين الارتفاع والانخفاض، مدفوعة بمخاوف من تعطل الإمدادات وآمال الهدنة ومسارات الاستقرار.
وعبر البيت ⁠الأبيض أمس، عن تفاؤله بشأن التوصل إلى اتفاق وذكر أن المزيد من المحادثات المباشرة ستجري على الأرجح في باكستان مرة أخرى. وتراجعت أسعار النفط في التعاملات المبكرة اليوم الخميس وسط آمال في خفض التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران.
وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت 44 سنتا أو 0.5 بالمئة إلى 94.49 دولار للبرميل بحلول الساعة 0021 بتوقيت جرينتش. وهبطت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 70 سنتا أو 0.8 بالمئة إلى 90.59 دولار للبرميل..
وسجل خام برنت ارتفاعاً من 73 دولاراً للبرميل في 28 فبراير يوم بدء الحرب في الشرق الأوسط إلى 120 دولاراً في مارس ثم عاود التراجع إلى ما دون الـ100 دولار.
وتسببت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في أكبر اضطراب على الإطلاق للإمدادات العالمية من النفط والغاز بسبب عرقلة إيران لحركة المرور عبر المضيق الذي كان يمر عبره حوالي ⁠20 بالمئة من تدفقات النفط ⁠والغاز الطبيعي المسال في العالم.
وقال وزير ‌الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أمس الأربعاء إن واشنطن لن تجدد إعفاءات سمحت بشراء بعض النفط الإيراني والروسي دون التعرض لعقوبات أمريكية.
ودعا وزراء المال خلال اجتماعات الربيع لـ(صندوق النقد والبنك الدولي) هذا الأسبوع في واشنطن إلى تحرّك "منسّق ومسؤول وسريع" لمواجهة التداعيات الاقتصادية للحرب في الشرق الأوسط وفي مقدّمها المخاطر المتعلقة بـ"النمو والتضخم والأسواق".
وعلى متن الناقلة، تبدو هذه التوازنات في شكل مختلف. الطاقم يراقب المسار، يتابع الاتصالات، ويتعامل مع الرحلة باعتبارها مهمة دقيقة في بيئة لا تحتمل الخطأ. لكن في الواقع، كل قرار يُتخذ على متنها يرتبط بشكل غير مباشر بمنظومة أوسع تشمل الأسواق المالية وصناع القرار حول العالم.
أما على اليابسة، فتظهر نتائج هذه الرحلة في تفاصيل الحياة اليومية، من أسعار الوقود إلى تكاليف النقل، وصولًا إلى أسعار السلع الأساسية. وهكذا، يتحول عبور ناقلة نفط في هذا الممر الضيق إلى حدث عالمي في تأثيره، حتى وإن بدا عاديًا في شكله.
وفي عالم يسعى إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات الحيوية، يبقى مضيق هرمز اختباراً مستمراً لقدرة هذا النظام على التكيف. فمع كل ناقلة تعبر المضيق يتجدد السؤال: هل يستمر هذا التوازن، أم أن اضطرابًا جديدًا قد يعيد رسم ملامح الاقتصاد العالمي؟
في النهاية، لا تعبر هذه الناقلة البحر وحدها، بل تعبر معها قرارات استثمارية، وحسابات سياسية، وتوقعات اقتصادية، ومخاوف ملايين المستهلكين حول العالم.
    نيسان ـ نشر في 2026/04/16 الساعة 00:00