إدارة ترامب والهوس الديني
نيسان ـ نشر في 2026/04/20 الساعة 00:00
في لحظات التوتر الكبرى، يظهر وجه آخر للسلطة لا يتصل بإدارة الدولة بقدر ما يتصل بإدارة المعنى. هذا ما تكشفه بوضوح الوقائع الأخيرة التي رافقت إدارة دونالد ترامب، حيث لم يعد الدين مجرد خلفية ثقافية، أو مرجعية أخلاقية، بل تحول إلى أداة مركزية في صياغة السردية السياسية، بل وإلى مسرح لإعادة إنتاج صورة الرئيس في هيئة تتجاوز السياسة إلى ما هو أقرب إلى القداسة. وكنت قد تناولت جانبا من الموضوع قبل اسابيع عندما كتبت مقالا بعنوان (الحرب باسم الرب) سلطت فيه الضوء على تصاعد الخطاب الديني اليميني المتطرف في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
أما هذه الايام، فيبدو المشهد متخما بسلوكيات غير مسبوقة، نتيجة تصاعد التوتر بين البيت الأبيض والفاتيكان، على خلفية الموقف من الحرب الأخيرة. لم يكن الخلاف تقليديا بين سلطة سياسية ومؤسسة دينية، بل اتخذ طابعا رمزيا حادا، حين وجّه البابا ليو الرابع عشر انتقادا واضحا للحرب، واعتبر التهديدات التي طالت «حضارة كاملة» أمرا غير مقبول أخلاقيا. في المقابل، لم يتردد ترامب في الرد بلغة هجومية، واصفا البابا بأنه «ضعيف» و»سيئ في السياسة الخارجية»، بل ومُلمّحا إلى أن صعوده إلى الكرسي البابوي لم يكن ليتم لولا وجود ترامب في السلطة .
هذا التراشق لم يكن مجرد سجال لفظي، بل كشف عن تصورين متناقضين للدين: أحدهما يرى فيه دعوة إلى السلام ونقدا للقوة، كما عبّر البابا بوضوح، حين دعا إلى «رفض الحرب دائما» ، بينما الاتجاه الآخر يوظفه كغطاء أخلاقي لقرارات عسكرية غير أخلاقية، كما يظهر في خطاب الإدارة الأمريكية التي لم تكتفِ بتبرير الحرب سياسيا، بل سعت إلى تغليفها بمشروعية دينية إسطورية وسوقتها بشكل شعبوي فج.
التحول الأكثر دلالة لم يكن في الخطاب، بل في الصور التي بات الرئيس ينشرها على صفحته في منصة «تروث سوشيال» التي يمتلكها. إذ نشر صورا مولّدة بالذكاء الاصطناعي يظهر فيها بهيئة المسيح، أو في علاقة مباشرة معه، لم يكن ذلك مجرد استعراض إعلامي، أو استفزاز عابر، بل كان خطوة أبعد في بناء صورة ذاتية تتماهى مع رمزية الإله المنقذ أو المخلص. الصورة الأولى ظهر فيها واضعا يده على جبهة مريض، محاطا بهالة نور، فيما تتجمع حوله رموز القوة الأمريكية من علم ونسور وجنود، هذه الصورة تعيد تركيب سردية كاملة: القائد ليس فقط حامي الأمة، بل شافيها، ومخلّصها، أو بكلمات أكثر وضوحا كأنه أراد أن يوصل رسالة مفادها (أنا ظل الإله في الارض). وبعد الضجة التي حصلت على الصورة، رفعها الرئيس من حسابه، وبرر الأمر بشكل مضحك عندما ادعى أنه كان في تلك اللوحة يلعب دور الطبيب دعما لمنظمة الصليب الأحمر، وأن الآخرين من الأغبياء هم من لفقوا تفسيرها الخاطئ. لكن وبعد يومين أعاد ترامب نشر لوحة أخرى مولدة بالذكاء الاصطناعي يظهر فيها مع يسوع المسيح هذه المرة، وكأنه يقدم له الدعم في مساره السياسي والعسكري.
حين يُختزل الدين في شعارات، أو يُستخدم لتبرير الحرب، أو يُخلط بنصوص سينمائية، فإنه يفقد قدرته على النقد الأخلاقي، ويتحول إلى أداة في يد السلطة
هذا النوع من التمثيل لا يمكن فصله عن بنية نفسية وسياسية أعمق، حيث تتداخل النرجسية الفردية مع خطاب جماعي يبحث عن اليقين في زمن القلق. فالحروب الكبرى، كما تُظهر التجربة التاريخية، لا تنتج فقط صراعات عسكرية، بل تفتح المجال أمام سرديات خلاصية، يكون القائد فيها محورا مطلقا للمعنى. هنا، لا يعود الجمهور مجرد ناخبين، بل يتحول إلى جماعة مؤمنة، تبحث عن رمز يختزل لها العالم ويمنحها تفسيرا بسيطا للمعقد.
في هذا السياق، تبدو عبارة البابا ليو الرابع عشر عن «وهم القدرة المطلقة» توصيفا دقيقا للحالة. فالهوس الديني الذي يتجلى في خطاب إدارة ترامب لا يقوم على تدين تقليدي، بل على إعادة تشكيل الدين نفسه ليخدم فكرة القوة. الله هنا ليس مرجعا أخلاقيا يُحتكم إليه، بل شاهدا يُستدعى لتبرير الفعل السياسي، أو بالأحرى، لتأكيد صوابيته مسبقا. هذا التداخل بين المقدس والسياسي بلغ ذروته في مشهد آخر لا يقل دلالة، حين وقف وزير الدفاع بيت هيغسيث أمام جمهور رسمي في البنتاغون، ليقتبس ما ظنه نصا من الكتاب المقدس، ليتحول الحدث الى كوميديا سوداء، إذ اتضح إن الاقتباس هو مقطع من فيلم «Pulp Fiction» للمخرج الامريكي كوينتن تارانتينو. الخطأ هنا ليس مجرد زلة ثقافية، بل خطأ كشف طبيعة تهافت الخطاب ذاته: خلط بين النصوص، بين الدين والسينما، بين المقدس والخيال، في محاولة لصناعة تأثير رمزي بغض النظر عن الدقة أو الحقيقة.
النص الذي تلاه الوزير واصفا عملية إنقاذ الطيار الأمريكي الذي سقط في إيران، والذي يبدأ بـ»طريق الطيار الساقط محاط من كل جانب بظلم الأشرار»، هو في الأصل إعادة صياغة سينمائية لآية من سفر حزقيال، استخدمها فيلم «Pulp Fiction» في سياق عنف دموي. وحين يُستدعى هذا النص في خطاب رسمي، مع تحويره ليصبح «اسمي الحركي هو ساندي 1» بدل «أنا الرب»، فإننا أمام مشهد تتداخل فيه الكوميديا مع التراجيديا: سلطة تتحدث بلغة دينية، لكنها تستند إلى نص سينمائي، وتخلط بين الوحي والاقتباس من فيلم عنيف، من دون وعي بالفارق. وقد التقط المراقبون هذه المفارقة سريعا، معتبرين أن ما جرى «مزيج صادم من الجهل والاستعراض». لكن المسألة أعمق من مجرد جهل؛ إنها تعبير عن نمط من التفكير يرى في الرموز أدوات قابلة لإعادة التدوير، بغض النظر عن أصلها، ما دامت تخدم الغرض: إضفاء طابع بطولي، بل شبه مقدس، على الفعل السياسي.
هنا يتكامل المشهد: رئيس يُصوَّر ليظهر بمظهر السيد المسيح، ونائب رئيس يطلب من البابا «أن يكون حذرا في اللاهوت»، ووزير دفاع يخلط بين الكتاب المقدس وسينما تارانتينو، في خطاب واحد يربط الحرب بالإيمان، والقوة بالخلاص. هذه ليست مجرد مفارقات معزولة، بل بنية متكاملة يمكن تسميتها بـ»الهوس الديني السياسي» عندما ينحدر إلى الدرك الأسفل، حيث يتحول الدين من منظومة قيم إلى لغة رمزية تُستخدم لإعادة إنتاج السلطة الفاسدة. المفارقة أن هذا الاستخدام للدين لا يؤدي إلى تعميق الإيمان، بل إلى تفريغه من محتواه، فحين يُختزل الدين في شعارات، أو يُستخدم لتبرير الحرب، أو يُخلط بنصوص سينمائية، فإنه يفقد قدرته على النقد الأخلاقي، ويتحول إلى أداة في يد السلطة. وهذا ما يفسر حدة رد الفاتيكان، الذي لم يرَ في الأمر خلافا سياسيا، بل انحرافا عن جوهر الرسالة الدينية نفسها. لكن هذا التلاقي الفج بين الديني والسياسي يحمل في طياته خطرا بنيويا. فحين يتحول القائد إلى رمز ديني، يصبح نقده مساسا بالعقيدة، لا مجرد اختلاف سياسي. وحين تُربط الحرب بالإيمان، يصبح رفضها نوعا من التمرد الأخلاقي، لا موقفا سياسيا مشروعا. وفي هذه اللحظة، تتآكل المسافة بين الدولة والعقيدة، بين السياسة والإيمان، لتُستبدل بنمط من الحكم يقوم على الولاء الرمزي لا على المساءلة، لأننا لحظتها سنعيش في دولة يحكمها (الزعيم/ظل الإله) وليس رئيسا منتخبا عبر آليات ديمقراطية معروفة.
ما تكشفه هذه الوقائع، في النهاية، ليس فقط إننا إزاء إدارة سياسية مثيرة للجدل، بل إن هناك تحولا أعمق في طبيعة السلطة المعاصرة، حيث لم تعد القوة تُمارس فقط عبر المؤسسات، بل عبر الصور والرموز والسرديات. في هذا العالم، لا يكفي أن تكون رئيسا؛ عليك أن تكون قصة، وأسطورة، وربما ـ كما توحي الصورـ مخلّصا. لكن التاريخ، في كل تجاربه، يُظهر لنا أن هذا النوع من التماهي بين السلطة والقداسة لا يدوم من دون ثمن. فحين ترتفع صورة القائد إلى مستوى المقدس، فإن سقوطها -حين يحدث- يكون أكثر عنفا. وبين الصعود والسقوط، تبقى الحقيقة البسيطة التي يحاول الخطاب المفرط في رمزيته إخفاءها: أن السياسة، في جوهرها، ليست خلاصا، بل إدارة معقدة للواقع، لا تحتمل أن تُختزل في صورة أو أسطورة.
أما هذه الايام، فيبدو المشهد متخما بسلوكيات غير مسبوقة، نتيجة تصاعد التوتر بين البيت الأبيض والفاتيكان، على خلفية الموقف من الحرب الأخيرة. لم يكن الخلاف تقليديا بين سلطة سياسية ومؤسسة دينية، بل اتخذ طابعا رمزيا حادا، حين وجّه البابا ليو الرابع عشر انتقادا واضحا للحرب، واعتبر التهديدات التي طالت «حضارة كاملة» أمرا غير مقبول أخلاقيا. في المقابل، لم يتردد ترامب في الرد بلغة هجومية، واصفا البابا بأنه «ضعيف» و»سيئ في السياسة الخارجية»، بل ومُلمّحا إلى أن صعوده إلى الكرسي البابوي لم يكن ليتم لولا وجود ترامب في السلطة .
هذا التراشق لم يكن مجرد سجال لفظي، بل كشف عن تصورين متناقضين للدين: أحدهما يرى فيه دعوة إلى السلام ونقدا للقوة، كما عبّر البابا بوضوح، حين دعا إلى «رفض الحرب دائما» ، بينما الاتجاه الآخر يوظفه كغطاء أخلاقي لقرارات عسكرية غير أخلاقية، كما يظهر في خطاب الإدارة الأمريكية التي لم تكتفِ بتبرير الحرب سياسيا، بل سعت إلى تغليفها بمشروعية دينية إسطورية وسوقتها بشكل شعبوي فج.
التحول الأكثر دلالة لم يكن في الخطاب، بل في الصور التي بات الرئيس ينشرها على صفحته في منصة «تروث سوشيال» التي يمتلكها. إذ نشر صورا مولّدة بالذكاء الاصطناعي يظهر فيها بهيئة المسيح، أو في علاقة مباشرة معه، لم يكن ذلك مجرد استعراض إعلامي، أو استفزاز عابر، بل كان خطوة أبعد في بناء صورة ذاتية تتماهى مع رمزية الإله المنقذ أو المخلص. الصورة الأولى ظهر فيها واضعا يده على جبهة مريض، محاطا بهالة نور، فيما تتجمع حوله رموز القوة الأمريكية من علم ونسور وجنود، هذه الصورة تعيد تركيب سردية كاملة: القائد ليس فقط حامي الأمة، بل شافيها، ومخلّصها، أو بكلمات أكثر وضوحا كأنه أراد أن يوصل رسالة مفادها (أنا ظل الإله في الارض). وبعد الضجة التي حصلت على الصورة، رفعها الرئيس من حسابه، وبرر الأمر بشكل مضحك عندما ادعى أنه كان في تلك اللوحة يلعب دور الطبيب دعما لمنظمة الصليب الأحمر، وأن الآخرين من الأغبياء هم من لفقوا تفسيرها الخاطئ. لكن وبعد يومين أعاد ترامب نشر لوحة أخرى مولدة بالذكاء الاصطناعي يظهر فيها مع يسوع المسيح هذه المرة، وكأنه يقدم له الدعم في مساره السياسي والعسكري.
حين يُختزل الدين في شعارات، أو يُستخدم لتبرير الحرب، أو يُخلط بنصوص سينمائية، فإنه يفقد قدرته على النقد الأخلاقي، ويتحول إلى أداة في يد السلطة
هذا النوع من التمثيل لا يمكن فصله عن بنية نفسية وسياسية أعمق، حيث تتداخل النرجسية الفردية مع خطاب جماعي يبحث عن اليقين في زمن القلق. فالحروب الكبرى، كما تُظهر التجربة التاريخية، لا تنتج فقط صراعات عسكرية، بل تفتح المجال أمام سرديات خلاصية، يكون القائد فيها محورا مطلقا للمعنى. هنا، لا يعود الجمهور مجرد ناخبين، بل يتحول إلى جماعة مؤمنة، تبحث عن رمز يختزل لها العالم ويمنحها تفسيرا بسيطا للمعقد.
في هذا السياق، تبدو عبارة البابا ليو الرابع عشر عن «وهم القدرة المطلقة» توصيفا دقيقا للحالة. فالهوس الديني الذي يتجلى في خطاب إدارة ترامب لا يقوم على تدين تقليدي، بل على إعادة تشكيل الدين نفسه ليخدم فكرة القوة. الله هنا ليس مرجعا أخلاقيا يُحتكم إليه، بل شاهدا يُستدعى لتبرير الفعل السياسي، أو بالأحرى، لتأكيد صوابيته مسبقا. هذا التداخل بين المقدس والسياسي بلغ ذروته في مشهد آخر لا يقل دلالة، حين وقف وزير الدفاع بيت هيغسيث أمام جمهور رسمي في البنتاغون، ليقتبس ما ظنه نصا من الكتاب المقدس، ليتحول الحدث الى كوميديا سوداء، إذ اتضح إن الاقتباس هو مقطع من فيلم «Pulp Fiction» للمخرج الامريكي كوينتن تارانتينو. الخطأ هنا ليس مجرد زلة ثقافية، بل خطأ كشف طبيعة تهافت الخطاب ذاته: خلط بين النصوص، بين الدين والسينما، بين المقدس والخيال، في محاولة لصناعة تأثير رمزي بغض النظر عن الدقة أو الحقيقة.
النص الذي تلاه الوزير واصفا عملية إنقاذ الطيار الأمريكي الذي سقط في إيران، والذي يبدأ بـ»طريق الطيار الساقط محاط من كل جانب بظلم الأشرار»، هو في الأصل إعادة صياغة سينمائية لآية من سفر حزقيال، استخدمها فيلم «Pulp Fiction» في سياق عنف دموي. وحين يُستدعى هذا النص في خطاب رسمي، مع تحويره ليصبح «اسمي الحركي هو ساندي 1» بدل «أنا الرب»، فإننا أمام مشهد تتداخل فيه الكوميديا مع التراجيديا: سلطة تتحدث بلغة دينية، لكنها تستند إلى نص سينمائي، وتخلط بين الوحي والاقتباس من فيلم عنيف، من دون وعي بالفارق. وقد التقط المراقبون هذه المفارقة سريعا، معتبرين أن ما جرى «مزيج صادم من الجهل والاستعراض». لكن المسألة أعمق من مجرد جهل؛ إنها تعبير عن نمط من التفكير يرى في الرموز أدوات قابلة لإعادة التدوير، بغض النظر عن أصلها، ما دامت تخدم الغرض: إضفاء طابع بطولي، بل شبه مقدس، على الفعل السياسي.
هنا يتكامل المشهد: رئيس يُصوَّر ليظهر بمظهر السيد المسيح، ونائب رئيس يطلب من البابا «أن يكون حذرا في اللاهوت»، ووزير دفاع يخلط بين الكتاب المقدس وسينما تارانتينو، في خطاب واحد يربط الحرب بالإيمان، والقوة بالخلاص. هذه ليست مجرد مفارقات معزولة، بل بنية متكاملة يمكن تسميتها بـ»الهوس الديني السياسي» عندما ينحدر إلى الدرك الأسفل، حيث يتحول الدين من منظومة قيم إلى لغة رمزية تُستخدم لإعادة إنتاج السلطة الفاسدة. المفارقة أن هذا الاستخدام للدين لا يؤدي إلى تعميق الإيمان، بل إلى تفريغه من محتواه، فحين يُختزل الدين في شعارات، أو يُستخدم لتبرير الحرب، أو يُخلط بنصوص سينمائية، فإنه يفقد قدرته على النقد الأخلاقي، ويتحول إلى أداة في يد السلطة. وهذا ما يفسر حدة رد الفاتيكان، الذي لم يرَ في الأمر خلافا سياسيا، بل انحرافا عن جوهر الرسالة الدينية نفسها. لكن هذا التلاقي الفج بين الديني والسياسي يحمل في طياته خطرا بنيويا. فحين يتحول القائد إلى رمز ديني، يصبح نقده مساسا بالعقيدة، لا مجرد اختلاف سياسي. وحين تُربط الحرب بالإيمان، يصبح رفضها نوعا من التمرد الأخلاقي، لا موقفا سياسيا مشروعا. وفي هذه اللحظة، تتآكل المسافة بين الدولة والعقيدة، بين السياسة والإيمان، لتُستبدل بنمط من الحكم يقوم على الولاء الرمزي لا على المساءلة، لأننا لحظتها سنعيش في دولة يحكمها (الزعيم/ظل الإله) وليس رئيسا منتخبا عبر آليات ديمقراطية معروفة.
ما تكشفه هذه الوقائع، في النهاية، ليس فقط إننا إزاء إدارة سياسية مثيرة للجدل، بل إن هناك تحولا أعمق في طبيعة السلطة المعاصرة، حيث لم تعد القوة تُمارس فقط عبر المؤسسات، بل عبر الصور والرموز والسرديات. في هذا العالم، لا يكفي أن تكون رئيسا؛ عليك أن تكون قصة، وأسطورة، وربما ـ كما توحي الصورـ مخلّصا. لكن التاريخ، في كل تجاربه، يُظهر لنا أن هذا النوع من التماهي بين السلطة والقداسة لا يدوم من دون ثمن. فحين ترتفع صورة القائد إلى مستوى المقدس، فإن سقوطها -حين يحدث- يكون أكثر عنفا. وبين الصعود والسقوط، تبقى الحقيقة البسيطة التي يحاول الخطاب المفرط في رمزيته إخفاءها: أن السياسة، في جوهرها، ليست خلاصا، بل إدارة معقدة للواقع، لا تحتمل أن تُختزل في صورة أو أسطورة.
نيسان ـ نشر في 2026/04/20 الساعة 00:00