ماذا لو كان لإيران نظام دفاع جوي متطور؟

حسين مجدوبي
نيسان ـ نشر في 2026/04/21 الساعة 00:00
الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران، التي تشهد هدنة مؤقتة في انتظار مفاوضات هشة في باكستان، تستمر في تقديم دروس عسكرية مهمة للغاية، قد تهم شكل الحروب خلال العقود المقبلة، حيث قد تصبح الانتصارات والهزائم نسبية على ضوء مفهوم «الحرب غير المتكافئة». ويبقى الدرس الكبير هو ضرورة التوفر على أنظمة دفاع متطورة وبأسعار رخيصة مثلها مثل المسيرات.
لعل أولى النتائج العسكرية المباشرة لهذه الحرب هي، أنه على الرغم من القوة الأمريكية، خاصة الأساطيل وشدة القصف الجوي العنيف، الذي لم يسجل من قبل بهذه الكثافة، لم تنجح في حسم الحرب الحالية، لاسيما وأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسم هدفين رئيسيين هما: تغيير النظام الحاكم في طهران والانتقال الى الديمقراطية، والهدف الثاني هو القضاء النهائي على المشروع النووي الإيراني. وهكذا، لم يتحقق الهدف الأول، بل إن غالبية المعارضة التزمت الموقف الوطني بالدفاع عن البلاد، ولم تكرر سيناريو المعارضة العراقية، وأدركت أنه لا يمكن باسم القضاء على النظام تفتيت البلاد وتدميرها، لأن النظام سيأتي يوما ما وسينتهي. في الوقت ذاته، يستمر الجدل حول اليورانيوم المخصب بنسبة 60% من دون مناقشة إيران في حق استعمال الطاقة النووية لأغراض سلمية، إضافة إلى أنه لا استسلام في ملف الصواريخ حتى الآن.
غياب الحسم العسكري الأمريكي – الإسرائيلي في هذه الحرب يعود إلى أن القوة العسكرية الفائقة أصبحت نسبية في الحروب غير المتكافئة، لاسيما إذا كان الخصم مبدعا في توظيف ترسانته من الأسلحة. وهذه الحرب هي الأولى من نوعها في الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة ولم تستطع أساطيلها لعب دور الحسم. فمن جهة، لم تنجح السفن الحربية الأمريكية في فتح مضيق هرمز الذي أغلقته القوات الإيرانية، ومن جهة أخرى فشلت في الاقتراب من السواحل الإيرانية، أو تحقيق أي إنزال بحري وتكتفي بأنها منصة للمقاتلات، وها هي تحاصر السفن الإيرانية، في أعالي البحار في بحر العرب، ويعود هذا، أي تقزيم السفن، إلى الصواريخ والمسيرات الإيرانية التي غيرت من المعادلة الحربية بشكل كبير، حيث لم يسبق للبنتاغون أن وجد نفسه في وضع مماثل، الأمر الذي يجعل القوات الأمريكية، ترفع من مستوى القصف الجوي، بما في ذلك أهداف مدنية، كما وقع مع الجسر المعلق بالقرب من العاصمة. كما يهدد الرئيس ترامب في أكثر من مناسبة، بضرب محطات الكهرباء، التي تبقى منشآت مدنية بامتياز وليست عسكرية. إن أول مستفيد من هذه الحرب هو الصين، إذا أرادت استعادة تايوان عسكريا. ذلك أن الولايات المتحدة تبني مشروعها الخاص بالوجود في منطقة الهادئ – الهندي على حماية تايوان، إذ يشكل استعادة بكين لهذه الجزيرة التي انفصلت في الأربعينيات عن الوطن الأم انتقالها الفعلي ريادة العالم.
غياب الحسم العسكري الأمريكي – الإسرائيلي في هذه الحرب يعود إلى أن القوة العسكرية الفائقة أصبحت نسبية في الحروب غير المتكافئة، لاسيما إذا كان الخصم مبدعا في توظيف ترسانته من الأسلحة
بنى البنتاغون خططه الحربية، التي يتولاها الأسطول السابع بحماية تايوان من أي هجوم صيني، غير أن ما جرى للأسطول الخامس الأمريكي، الذي اضطر إلى مغادرة مقره في البحرين والتمركز على بعد 1500 كلم من مضيق هرمز سيتكرر بشكل مضاعف في حالة الأسطول السابع في تايوان. ذلك أن الصين تمتلك صواريخ فرط صوتية قادرة على إغراق حاملات الطائرات. إن ما ينطبق على استنتاجات الصين، ينطبق على دول أخرى ومنها في المتوسط في مواجهة دول أخرى، حيث أصبحت الصواريخ والمسيرات، لدى طرف مثل المغرب أو الجزائر كافية لتقليل خطر البحرية الحربية الفرنسية، أو الإسبانية، نتحدث عن تراجع الردع.
يبقى الاستنتاج الثاني هو أنه لا يمكن خوض حرب في الوقت الراهن، من دون أنظمة دفاع جوي، وإذا كانت الحروب في الماضي تعتمد الغزو البري، ويتطلب الأمر الدبابات والمدرعات، فالآن أصبحت الحرب تحدث عن بعد بفضل الصواريخ والمسيرات والسلاح الكلاسيكي، المقاتلات. وأصبحت كل الجيوش تفكر في اقتناء أنظمة الدفاع الجوي، وتفكر الدول المتوسطة في تطوير أنظمة دفاع جوي خاصة بها. عمليا، لو كانت إيران قد توفرت على نظام إس 300
وإس 400 الروسي خاصة، لكانت الحرب الحالية قد شهدت منعطفا مختلفا. وكما أجبرت الصواريخ الإيرانية السفن الأمريكية على مغادرة مقر الأسطول الخامس في البحرين، كانت المقاتلات الأمريكية والإسرائيلية بالكاد ستقترب من الأجواء الإيرانية وستضطر إلى القصف من الأجواء العراقية على الأقل، باستثناء نسبيا أف 35 وبي 52، لأن المسافة التي يمكن أن تغطيها أنظمة مثل إس 400 تصل إلى 400 كلم، وكلما قصفت المقاتلة من مسافة بعيدة كان استهدافها في ضرب الأهداف ضعيفا. إن البحث العلمي في المجال العسكري سيركز على كيفية الحصول على أنظمة دفاع جوي بأسعار مناسبة جدا. وهذا يعني التوفر على منصات تستخدم صواريخ اعتراضية رخيصة الثمن وذات فعالية، أي تكرار سيناريو المسيرات في شكل معاكس.
عدد من منتديات النقاش الخاصة بالمجال العسكري في بحثها لما يترتب عن الحرب الإيرانية ثم الأوكرانية، تركز كثيرا على هذا الموضوع، رفقة ما بدأ يسمى «المسيرات الأرضية» التي تبدع فيها أوكرانيا، حيث تقوم مركبات بعمليات تجمع بين القتل والهجوم والدفاع والدعم اللوجيستي وسحب الجرحى من الميدان. وهكذا، لقد شهدت الحروب الأخيرة تحوّلا ملحوظًا مع تقدّم بعض الدول، مثل إيران وتركيا، في تطوير الطائرات المسيّرة والصواريخ. فقد أثبتت هذه الأسلحة قدرتها على التأثير في موازين القوى، كما ظهر في النزاعات الأخيرة، حيث لعبت المسيّرات دورا مهما في استنزاف الخصوم، ويبقى المثال استخدام أوكرانيا للمسيرات التركية ضد روسيا. ويعود صمود إيران في الحرب ضد الولايات المتحدة وإسرائيل الى المسيرات والصواريخ التي تصنعها. عندما ستنجح دول من أمم الجنوب في صناعة أنظمة دفاع جوي متقدمة، وقتها كما تجنبت السفن الحربية الأمريكية من حاملات طائرات ومدمرات مضيق هرمز تفاديا للصواريخ الإيرانية، ستتجنب المقاتلات المتطورة الاقتراب من فضاء الدول التي ستكون لديها أنظمة دفاع جوي متطورة. حينئذ، ستدخل الحرب منعطفا جديدا كما دخلته مع المسيرات. نعم، تأملوا تأثير المسيرات على الحروب الحالية، أو لنتساءل: كيف كان سيكون سيناريو الحرب الحالية لو كان لدى إيران أنظمة دفاع جوي في مستوى صواريخها؟
    نيسان ـ نشر في 2026/04/21 الساعة 00:00