عندما يرث الأحفاد عبء لصوصية الأجداد

توفيق رباحي
نيسان ـ نشر في 2026/04/23 الساعة 00:00
تعيش فرنسا منذ شهور على وقع نقاش سياسي علني عنوانه الممتلكات المسروقة من المستعمرات السابقة.
لتفادي الحرج، يفضل السياسيون والإعلاميون الفرنسيون الذين يتعاطون مع الموضوع عبارة الممتلكات «المُحصَّلة بطريقة غير قانونية» أو «غير لائقة». بينما العبارة الأدق والأبسط هي «الممتلكات المسروقة».
أخذ النقاش منحنى جادا منذ منتصف العام الماضي، لكنه لا يزال في طور التشريع. وهذا يدل على ثقله المعنوي والسياسي داخل المجتمع السياسي والنخبوي في فرنسا.
برز النقاش للعلن منذ سنوات، تحديدا مع وصول الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الرئاسة في 2017 ومحاولته الابتعاد عن الإرث الاستعماري البشع الذي خلّفه الفرنسيون حيثما حلُّوا. لكن الموضوع أخذ بُعداً عمليا إثر تقرير قدمته المؤرخة الفرنسية بنيدكت سافوي والكاتب رجل الاقتصاد السنغالي فيلوين سار للرئيس ماكرون في السنة الثانية من رئاسته الأولى. في 2023 رفض «مجلس الدولة» (المحكمة الإدارية العليا) مسودة قانون لإعادة المقتنيات المسروقة إلى أصحابها. في آب (أغسطس) 2025 طرحت الحكومة الفرنسية على مجلس الشيوخ مشروع قانون حول الموضوع. في أيلول (سبتمبر) من العام ذاته بدأ مجلس الشيوخ النظر في مشروع القانون. في كانون الثاني (يناير) الماضي صدّق عليه. الإثنين المصادف 13 من الشهر الجاري صدّقت الجمعية الوطنية (البرلمان) على مشروع القانون. الخطوة المقبلة مناقشة مشروع القانون في لجنة تشريعية مختلطة من المجلسين.
يتضمن مشروع القانون الذي قطع هذه المراحل وضع الإطار القانوني لكل ما يتعلق بإعادة الممتلكات المسروقة إلى أصحابها.
للوهلة الأولى يبدو الأمر جيداً. تبدو فرنسا ماضية بجدية نحو تصفية هذا الموضوع الذي يثير الكثير من التوتر بين دول إفريقية كانت مستعمرات فرنسية، وباريس. داخل فرنسا يبدو أن منحنى قبول الموضوع في تصاعد بعد تردد ورفض في البداية. كما يبدو السياق الخارجي مناسبا، ومن ضمنه موافقة بلجيكا على إعادة آلاف القطع المنهوبة لجمهورية الكونغو، وأيضا حاجة فرنسا إلى إصلاح علاقاتها مع مستعمراتها السابقة بعد أن خسرت العديد منها، في إفريقيا خصوصا، خلال السنوات الخمس الأخيرة.
لكن الشيطان في التفاصيل. القانون الذي تعتزم فرنسا العمل به يتضمن ألغاما ستعرقل تنفيذه بسلاسة، وتشي بوجود نوايا غير بريئة لدى الفرنسيين. من هذه الألغام أن مشروع القانون يستثني المقتنيات المشمولة بمبدأ «منع التصرف في الملكية العامة»، أي التي سُلبت من المستعمرات ثم أُدرجت ضمن الممتلكات العامة للدولة الفرنسية. ويستثني أيضا المواد التي جرت السيطرة عليها خلال أعمال عسكرية (قتال)، والمسوّغ هنا أن «غنائم الحرب» لا يمكن اعتبارها «مقتنيات غير مشروعة». ثم تأتي المواد التي تثير جدلا يصعب حسمه، كأن يكون أحد الأعيان أو القادة المحليين قد أهدى غرضا أو أغراضا إلى الحاكم (الاستعماري) الفرنسي أو لضابط ميداني. يشكل برنوس الأمير عبد القادر الجزائري مثالا على هذا النوع من الجدل، إذ يعتبر مؤرخون فرنسيون أن الهاشمي، أحد أبناء الأمير، أهدى البرنوس لفرنسا بعد وفاة والده بأكثر من عشر سنوات.
لو تفصح فرنسا عن حجم وقيمة ما سرقت من مستعمراتها، سيصاب الكثيرون بالذهول
إذا أقرت فرنسا بهذا المنطق وأغلقت أبواب الاجتهاد القانوني والسياسي والإداري، فالنتيجة ستكون إفراغ القانون من روحه ومحتواه. مجرد أن يُلزم القانون الدولة التي تطالب بمقتنيات بأن تثبت أن فرنسا استولت على تلك المقتنيات بشكل غير قانوني، يعني وجود نية للعرقلة لدى الفرنسيين. استثناء «غنائم الحرب» و»الهدايا» يعني أنه لن يبقى هناك الكثير ما يستحق عناء التعب من أجل إعادته.
ولأن التاريخ سياق، لنضع الأشياء في سياقها: أجدادك وأجداد أبيك وجدك ذهبوا إلى شعوب مسالمة تبعد عنهم آلاف الكيلومترات، قتلوا منها مَن قتلوا، وأسروا من أسروا، أحرقوا الأرض والنسل واستولوا على ما وقعت عليه أيديهم، ثم تجرؤ أنت على تسمية ما استولوا عليه غنيمة حرب. أين هي هذه الحرب حتى تعتبر نفسك انتصرت فيها وغمنت الغنائم؟
نفس هؤلاء الأجداد وأجداد الأجداد سيطروا بالقوة على أراض وشعوب لم تقترب منهم ولم تُؤذهم بأي طريقة. فرضوا عليها أنماط إدارة وحياة جديدة وغريبة، وحدث أن بين هذه الشعوب من كان قريبا من الغزاة أو يمتلك نفوذا ما، فأهدى قادتهم مقتنيات أو عجز عن حمايتها منهم، ثم تأتي أنت وتسمّي هذا هدايا أو هبة بالرضا. بالعقل، لا يمكن للمستعمَر أن يهب شيئا لمستعمِره. ولا يمكن للمضطَهد أن يهدي شيئا لمضطهده. (وإنْ فعل عيب على المضطهِد أن يقبل «هدية» من ضحيته).
هناك في فرنسا من يصرّون على التفريق بين «النهب» و»الاقتناء». والحقيقة أن الفرق بين المصطلحين شبه منعدم، لأن بعض القطع أُخذت بالقوة خلال حملات عسكرية، بينما «أُهديت» أخرى تحت الضغط الاستعماري والإكراه وعبر اتفاقيات غير متكافئة.
لو تفصح فرنسا عن حجم وقيمة ما سرقت من مستعمراتها، سيصاب الكثيرون بالذهول. غير صحيح أن أغلب الممتلكات ذات طابع عسكري حربي وذات صلة بالقتال. من كوت ديفوار سرق الفرنسيون طبلة عريقة ذات قيمة ثقافية وروحية عالية لكونها تعود للمجتمعات الأصلية هناك. من مدغشقر سرقوا تاج رانافالونا الثالثة، آخر ملوك البلاد وأغراضا أخرى ثمينة كثيرة. من البنين سرقوا مقتنيات تعود لمملكة داهومي القديمة. ولم تنجُ الجزائر وتشاد والكاميرون ومناطق أخرى.
الكثير من هذه المقتنيات معروضة في متاحف فرنسية. وأخرى في خزنات سرية نظرا لقيمتها العالية.
وللأمانة، فرنسا ليست استثناء. البريطانيون أجرموا بحق مستعمراتهم، الهند، مصر، العراق، نيجيريا ودول أخرى، بشكل لا يقل همجية عمّا فعلت فرنسا. بلجيكا هي الأخرى «أبدعت» حتى أوشكت على نهب أوراق الشجر من الكونغو. ولم تُقصّر البرتغال بحق ممتلكات شعوب غينيا بيساو وموزامبيق وأنغولا والبرازيل.
النقطة المضيئة في الموضوع أن صحوة شبه عالمية حول المقتنيات المسروقة في عهود الاستعمار تأخذ طريقها للبروز. إفريقيا تشكل أحد مسارح هذه الصحوة، خصوصا تجاه فرنسا، مرفوقة بضغط لإقناع باريس بفتح الملف شجاعة. لو تتكاتف الجهود وتتحد في قنوات مشتركة سيكون مفعولها لصالح الشعوب الإفريقية كبيرا.
    نيسان ـ نشر في 2026/04/23 الساعة 00:00