أسس الخروج من المأزق العربي

علي محمد فخرو
نيسان ـ نشر في 2026/04/23 الساعة 00:00
وإذن فنحن أمام وصف لأوضاعنا العربية الحالية مشابه إلى أبعد الحدود بالأوصاف التي فصّلها كتاب “آفاق التعاون العربي في التسعينيات”، الذي تحدثت عنه في مقال الأسبوع الماضي.
وكما حاول المنتدون آنذاك تشخيص الأسباب التي كانت وراء تلك الصورة البائسة لأوضاع الأمة، فإنهم حاولوا أن يرسموا الخطوط العريضة لكيفية الخروج من تلك الأوضاع تحت عنوان “أسس النظام العربي الجديد”، على المستويات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية. ولكي لا تظل تلك الأسس في النطاق النظري، تطرق المنتدون إلى مدى توفر إمكانات بناء ذلك النظام العربي الجديد في الواقع العربي المأزوم.
أما الأسس المطلوبة التي وضعها المؤتمرون، فلم تخرج عن إطار الأسس التي كتب عنها الكثيرون طيلة القرن العشرين، والتي يلخصها المشروع النهضوي العربي، بنقاطه الست، بصورة واضحة كطريق لخروج الأمة من مصائبها وتخلفها التاريخي، ويستطيع القارئ أن يجدها في آلاف الكتابات الفكرية والسياسية والاقتصادية العربية.
ولكن ما يهمنا هو التحدث عن مدى توفر الإمكانات، لجعل تلك الأسس جزءاً من الواقع العربي وعن القوى المؤهلة للقيام بذلك. وهذا سيمثل الجواب على تساؤلات شباب وشابات الأمة الدائمة حول كيفية الخروج من أزماتنا.
لقد تبين آنذاك أن إمكانيات بناء نظام عربي جديد كانت محدودة إلى أبعد الحدود، لأسباب كثيرة أهمها، الخلافات والصراعات الخفية والظاهرة في ما بين بلدان الأرض العربية الصحراوية الصفراء (أي بلدان الخليج العربي النفطية) والأرض العربية الخضراء (أي بلدان مثل مصر وسوريا والعراق)، ما جعل النظام العربي برمته مليئاً بالأخطار ونقاط الضعف والانقسام، خصوصاً بعد أن عادت القضية الفلسطينية، قضية متفقا على أسس حلّها، بل أصبح الكيان الصهيوني معترفا به من قبل العديد من الأقطار العربية، وخصوصاً بعد أن أصبح للكلمة الأمريكية وللمشاريع الأمريكية المكانة الأعلى في الحياة السياسية العربية، وعبر الوطن العربي الكبير كلّه.
ومع ذلك طرح العديد من المؤتمرين إمكانيات ثلاث قابلة للتحقق، حتى لو كان بصورة جزئية ولكنها تنمو تدريجياً في الواقع العربي.
الإمكانية الأولى والأهم والأجدى في الإمكانيات، هي العمل نضالياً على الانتقال إلى نظام ديمقراطي سياسي واقتصادي عادل، على المستويين القطري والقومي. لقد اعتبرت الديمقراطية ضرورة وجودية لإمكانية تحقق الأسس النهضوية والآمال المستقبلية، وعلى الأخص بالنسبة للوحدة العربية والاستقلال الوطني والقومي والتنمية وشتى أنواع الأمن مثل الأمن الغذائي والمائي والعسكري.
تاريخ التواضع في المطالب ما زال يهيمن على حاضرنا المتواضع في العزيمة، بانتظار جيل نضالي جديد لا يقبل إلا بالأهداف الكبرى، ولا يكتفي بالفتات
الإمكانية الثانية تمثلت في إمكانية قيام مشاريع مشتركة في حقول مثل، الصحة والتعليم والثقافة والصناعة والزراعة إلخ.. إن ذلك سيفيد الجميع ويخدم الجميع بشتّى الصور، وسيبني علاقات ثقة وتضامن ما بين الأقطار المشاركة في تلك المشاريع، ومع الوقت سيقتنع الجميع بالفوائد الهائلة التي سيجنونها من كل مشروع تنسيقي مشترك في البداية، ليصبح مشروعاً وحدوياً مشتركاً مع مرور الوقت. واعتبروا أن تحقق ذلك يجب أن يتم بتعاون وتنسيق ما بين الجهات الرسمية وجهات مؤسسات المجتمع المدني المعنية بذلك النشاط المشترك. وفي جميع الأحوال فإن تلك المشاريع المشتركة تستطيع أن تبدأ ببناء علاقات جوارية تكاملية ما بين قطرين عربيين، أو أكثر متجاورين جغرافياً. وهنا تأتي الأهمية الكبرى للنضالات السياسية القطرية لتحقيق تلك الخطوات الأولية.
الإمكانية الثالثة، حسب المؤتمرين، كانت في مواجهة ما سموها “كماشة الشمال”، التي قصدوا بها النظام العولمي الاستعماري المسيطر على الوطن العربي. وهذا يتطلب في الأساس بناء الأمن القومي العربي، الاقتصادي والعسكري والثقافي، وأكدوا أن “بلورة موقف عربي موحد في هذا المجال أصبح ضرورة لأمن وسلامة ليس فقط الأمة، بل أيضاً أمن وسلامة كل قطر”، خصوصاً بعد أن تبين أن أي قطر عربي لا يستطيع بمفرده أن ينهض بأعباء أمنه الغذائي والمائي والاستراتيجي، وحتى التنموي المعرفي البالغ الاتساع والتعقيد.
ما يملأ النفس أسىّ أننا في هذه اللحظة، بعد خمسين سنة من تلك الفترة، عدنا نطالب بتلك النقاط الثلاث المتواضعة نفسها، الديمقراطية والعلاقات والمشاريع التعاونية المشتركة والموقف العربي الموحد، من أجل إيقاف التّدهور العربي المفجع أمام الهجمة الأمريكية ـ الصهيونية الاستعمارية المتعاظمة.
تاريخ التواضع في المطالب ما زال يهيمن على حاضرنا المتواضع في العزيمة، بانتظار جيل نضالي جديد لا يقبل إلا بالأهداف الكبرى، ولا يكتفي بالفتات.
    نيسان ـ نشر في 2026/04/23 الساعة 00:00