صناعة الوهم: كيف يُعاد تشكيل التاريخ عبر المنصات؟

عبدالرحيم العرجان
نيسان ـ نشر في 2026/04/24 الساعة 00:00
التاريخ والتراث ليسا مجرد سردٍ قصصي للترفيه، ولا عكازًا لصناعة الشهرة، بل هما علم قائم على التوثيق والتحليل والنقد. وعندما يقوم بعض المؤثرين، ولا أعمم، بتقديم أحداث تاريخية أو تراث بطريقة سطحية أو منحازة، فإنهم لا يسيئون فقط إلى الحقيقة، بل يساهمون في تشكيل وعي زائف لدى متابعيهم، ويضعفون السردية المتوارثة بين أبناء الوطن وعبر الحدود بمنشوراتهم التي تنتشر كالنار في الهشيم، مع أن عددًا منهم أبدع وأصبح مصدر فكر وإلهام.
فالمشكلة لا تكمن فقط في الخطأ وسرعة انتشاره، بل في الثقة الكبيرة التي يمنحها الجمهور لهؤلاء الأشخاص دون التحقق من مصادرهم. إذ يلجأ بعض المؤثرين إلى الإثارة والمبالغة، فيعرضون نظريات أو "حقائق مخفية" دون أي دليل علمي، ممجدين أنفسهم كمستكشفين أبطال أو عباقرة، متجاهلين ما هو موثق في السجلات والوثائق. وقد يصل الأمر إلى الترويج لمواقع أثرية قيد الترميم أو غير متاحة للزيارة، مما يصدم الزائر الذي يُحرم من دخولها، في تناقض واضح مع أساس التسويق "ربط الواقع بالمتوقع".
وللأدهى تجرؤهم على دخول ملكيات خاصة مهجورة والتصوير والنشر دون إذن، وهم لا يعلمون أي جروح قد تُفتح بنشر حكاية من نسج الخيال أو زيارة موقع مقرون بمنع دخول وتحذير من الاقتراب، مع أن هناك من يجتهد بإبداع وتميز ويترك بصمة يُشهد لها بالنجاح بفكر خلاق او بلوغ مواقع قد غابت عن البال.
ورغم أن هذا النوع من المحتوى يحقق انتشارًا سريعًا، خاصة بين فئات غير متمكنة من البحث أو لا تملك الصبر على التحقق، إلا أن الدراسات تشير إلى ضعف الثقة به. فقد أظهرت دراستنا ضمن بحثنا الموسوم "مدى كفاية الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي للترويج لسياحة المغامرة"، والمقدم في جامعة النور في العراق 2025م، أن 6.2% من عينة البحث فقط يثقون بمحتوى المؤثرين، بينما يعتمد الغالبية على الإعلام الرسمي والكتب ونشرات وزارات السياحة والآثار، إضافة إلى تجارب الآخرين.
ويُعزى ذلك إلى قلة التخصص لدى معظمهم، ما يجعلهم غير مؤهلين للحديث في موضوعات دقيقة كالتاريخ والتراث والعادات والتقاليد وربطها بالعصر الحديث. ومع ذلك، يقدمون أنفسهم كمرجع موثوق، بل ويحصلون على دعم معنوي ومالي وتكريم رسمي يفتح لهم الآفاق، ويُستقبلون من قبل مسؤولين بحفاوة رسمية، مما يضفي عليهم هالة من المهنية والثقة ونوعًا من الشرعية، مع أننا لا نغفل أن التكريم حق لكل مجتهد.
من جهة أخرى، يتحمل الجمهور جزءًا من المسؤولية، بينما تبقى المسؤولية الأكبر على أصحاب القرار. فالاستهلاك السلبي للمحتوى دون تمحيص يسهم في انتشار الأخطاء، ويُحدث خللًا في الموروث ودقة السردية وثقة الزائر. فبدلًا من التحقق، يكتفي البعض بمشاهدة مقطع قصير واعتباره حقيقة مطلقة.
الحل لا يكمن في إلغاء دور المؤثرين، بل في تعزيز الوعي النقدي لدى المتلقي، وتشجيع صناع المحتوى القادرين على تحمل مسؤولية ما يقدمونه. وقد أكدت توصيات استراتيجية السياحة الثقافية في المثلث الذهبي، والتي أُوكلت إلينا إدارتها، على ضرورة بناء جيل من المؤثرين المحترفين، دقيقي المعلومة، يعتمدون على مصادر موثوقة، ويقدمون محتوى علميًا رصينًا للعمل بشراكة، مع إبراز دور المختصين في تبسيط التاريخ دون تشويهه.
في النهاية، تبقى الحقيقة مسؤولية مشتركة، لكن من يمتلك منصة وتأثيرًا أكبر، يتحمل عبئًا أخلاقيًا في نقل المعرفة بدقة وأمانة.
    نيسان ـ نشر في 2026/04/24 الساعة 00:00