كيف سيبدو العالم بعد عشر سنوات؟
نيسان ـ نشر في 2026/04/25 الساعة 00:00
نعيش اليوم في عصرٍ يتسارع فيه التغيير بوتيرة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً. كل يوم يحمل معه صرعة أو اختراعاً أو فتحاً جديداً، أو تحولاً اجتماعياً أو سياسياً أو جيوسياسياً، أو أزمةً عالمية أو كارثة لم تكن في الحسبان. وحين نحاول أن نتخيّل كيف سيبدو العالم بعد عشر سنوات فقط، نجد أنفسنا أمام مهمة تشبه النظر إلى الأفق وسط ضباب كثيف يحجب كل شيء … نعلم أن ثمة شيئاً هناك، لكن من المستحيل أن نرى ملامحه بوضوح.
ربما يكمن جوهر هذه الصعوبة في طبيعة الإنسان ذاته. فنحن كائناتٌ تجمع بين النقيضين: نحن أذكياء بما يكفي لاختراع أشياء مذهلة، وحمقى بما يكفي لإساءة استخدامها وتسخيرها ضد بعضنا البعض بطريقة شيطانية. هذا التوتر الأساسي في التاريخ البشري هو الذي يجعل رسم صورة واضحة للمستقبل أمراً عسيراً. لم يكن أحدٌ يتوقع أن شبكات التواصل الاجتماعي التي صُمِّمت في الأصل لتقريب الناس بعضهم من بعض، ستتحول إلى آلات مدمرة تغذّي الغضب والخوف والحقد والكراهية والانقسامات وتصنع الكوارث. تعلّمت خوارزمياتها بسرعة كيف تُحرّك المشاعر وتدفع التفاعل، لكنها رفعت معها موجات غير مسبوقة من انعدام الثقة، فعمّ التناحر والصراع والفوضى الإعلامية والمعلوماتية في أرجاء العالم، لا بل داخل الدول والشعوب نفسها.
هذا النمط المتكرر، الاختراع العظيم يليه الاستخدام السيئ، يُصعّب علينا التنبؤ بما ستؤول إليه التقنيات الناشئة اليوم كالذكاء الاصطناعي وغيره. فنحن لا ندري إن كانت الأدوات التي نبنيها الآن ستكون رافعةً للحضارة أم معولاً لهدمها. لا عجب أن البعض مثلاً يعتبر الذكاء الاصطناعي أخطر على البشر من القنبلة النووية، لأنه سيدمر كل إعدادات البشرية المعروفة.
ومن أشد التساؤلات إلحاحاً في هذا السياق: إذا كانت الشركات تتمتع بشخصية قانونية، فلماذا لا يحظى بها الذكاء الاصطناعي مثلاً الذي أصبح ملء السمع والبصر في عالم اليوم، والذي سيكون الحاكم بأمره خلال وقت قياسي؟ الفارق الجوهري بين الحالتين هو أن القرارات التي تتخذها الشركات يقف وراءها في نهاية المطاف بشر، في حين أن الذكاء الاصطناعي قادر اليوم على العمل باستقلالية تامة دون أي تدخل إنساني. هذا يطرح سؤالاً فلسفياً وعملياً في آنٍ واحد: هل من الحكمة أن نمنح هذه الأنظمة صلاحيات واسعة تعيد تشكيل العالم من رأسه حتى أخمص قدميه؟
القدرة على الاستماع، وبناء الثقة، والتعاون، وحل النزاعات، هذه ليست “مهارات ناعمة” ثانوية، بل هي الدروع الحقيقية التي تحمينا
بعد عشر سنوات، قد يكون وكلاء الذكاء الاصطناعي قد اندمجوا في نسيج حياتنا اليومية لدرجة لا نستطيع معها تمييز ما هو “قرار إنساني” مما هو “قرار آلي”. وفي عالم كهذا، يصبح التنبؤ بمآلات الحوكمة والسياسة والاقتصاد أمراً بالغ التعقيد، لأننا لا نعرف بعد كيف سيوزّع المجتمع السلطة بين الإنسان والآلة.
ثمة تحدٍّ آخر لا يقل خطورة: لدينا اليوم أكثر أنظمة المعلومات تطوراً في التاريخ، وفي الوقت ذاته تتراجع قدرتنا على التحاور والتواصل والتفاهم مع بعضنا، كما يرى عالم وفيلسوف التاريخ والمستقبليات يوفال هراري. وهنا تكمن مفارقة مؤلمة؛ فالديمقراطية مثلاً تعتمد في جوهرها على آليةٍ للتصحيح الذاتي: حين يُخطئ المجتمع، يتحاور، ويتعلم، ويصحح مساره. لكن إذا فقدنا هذه القدرة على الحوار الحقيقي، فقدنا معها واحدةً من أهم مزايا النظام الديمقراطي الإنساني الذي قد يصبح أثراً بعد عين.
كيف سيبدو عالمنا إذاً بعد مرور عقد من الزمن؟ ربما مجتمعات أكثر انقساماً وخوفاً وتقوقعاً وفوضى وعزلة، وثقافة عامة تتعامل مع كل خلاف بوصفه معركةً وجودية، وليس نقاشاً يمكن أن يُفضي إلى تفاهم وتعايش وحلول.
في عصر ما بعد الحقيقة، حيث تتنافس روايات لا حصر لها على إثبات صحتها، يصبح التنبؤ بالمسار الذي ستسلكه المجتمعات أمراً شبه مستحيل. فأي رواية ستنتصر؟ وهل سيبقى ثمة مساحة للحقيقة المشتركة التي تجعل التعاون الإنساني ممكناً؟
في مواجهة كل هذا الغموض، تبرز حكمةٌ عملية واحدة: في عالم سريع التغير، لا تكفي المهارات التقنية الضيقة وحدها للاستعداد للمستقبل. يجب أن ننظر إلى أبعد من ذلك، نحو تطوير المهارات الاجتماعية والعاطفية والجسدية والحفاظ عليها بأسناننا في عالم مجنون، فهي التي تجعلنا قادرين على التكيّف مع أي شيء غير معهود يأتي به الغد.
القدرة على الاستماع، وبناء الثقة، والتعاون، وحل النزاعات، هذه ليست “مهارات ناعمة” ثانوية، بل هي الدروع الحقيقية التي تحمينا في عالم متقلب ومتحور لا نعرف شكله القادم. الشخص الذي يستطيع أن يتواصل مع الآخرين بصدق وتعاطف وإنسانية سيكون أكثر قدرةً على الصمود في مواجهة التقنيات المتغيرة أو الاقتصادات المتقلبة.
البشر في معظمهم يتوقون إلى التعاون والسلام. لهذا علينا أن نرعى الثقة وننميها، وأن ننطلق دائماً من حسن النية كي نحافظ على إنسانيتنا وآدميتنا في عالم اصطناعي جديد لا يؤمن بكل قيمنا وعادتنا وتركيباتنا وعقلياتنا القديمة.
في السنوات العشر القادمة، سيكون أعظم تحدٍّ أمامنا ليس تقنياً بل إنسانياً: هل سنحافظ على ثقتنا ببعضنا البعض رغم كل ما تفعله الخوارزميات وأنظمة الذكاء الاصطناعي الشيطانية؟ هل سنجد طريقةً للتحاور مع من يختلفون عنا، بدلاً من حبسهم في صورة العدو الدائم التي برمجتها في عقولنا التكنولوجيا الجديدة؟
العالم بعد عشر سنوات سيكون مختلفاً، هذا مؤكد. لكن شكل هذا الاختلاف يبقى طيّ الكتمان. لا توجد نماذج تنبؤية كافية، ولا بيانات تاريخية تستوعب حجم التغيير المتسارع والمرعب الذي نشهده. ما نملكه هو وعيٌ بالتوترات الكبرى التي شكلت مسار التاريخ من قبل، والإرادة للتعامل معها بحكمة لا بحماقة. ربما هذا الوعي وحده – بمحدودية قدرتنا على التنبؤ – هو أول خطوة للعبور نحو عالم مختلف جذرياً عما سبقه لم يشهد التاريخ له مثيلاً منذ الأزل.
٭ كاتب واعلامي سوري
ربما يكمن جوهر هذه الصعوبة في طبيعة الإنسان ذاته. فنحن كائناتٌ تجمع بين النقيضين: نحن أذكياء بما يكفي لاختراع أشياء مذهلة، وحمقى بما يكفي لإساءة استخدامها وتسخيرها ضد بعضنا البعض بطريقة شيطانية. هذا التوتر الأساسي في التاريخ البشري هو الذي يجعل رسم صورة واضحة للمستقبل أمراً عسيراً. لم يكن أحدٌ يتوقع أن شبكات التواصل الاجتماعي التي صُمِّمت في الأصل لتقريب الناس بعضهم من بعض، ستتحول إلى آلات مدمرة تغذّي الغضب والخوف والحقد والكراهية والانقسامات وتصنع الكوارث. تعلّمت خوارزمياتها بسرعة كيف تُحرّك المشاعر وتدفع التفاعل، لكنها رفعت معها موجات غير مسبوقة من انعدام الثقة، فعمّ التناحر والصراع والفوضى الإعلامية والمعلوماتية في أرجاء العالم، لا بل داخل الدول والشعوب نفسها.
هذا النمط المتكرر، الاختراع العظيم يليه الاستخدام السيئ، يُصعّب علينا التنبؤ بما ستؤول إليه التقنيات الناشئة اليوم كالذكاء الاصطناعي وغيره. فنحن لا ندري إن كانت الأدوات التي نبنيها الآن ستكون رافعةً للحضارة أم معولاً لهدمها. لا عجب أن البعض مثلاً يعتبر الذكاء الاصطناعي أخطر على البشر من القنبلة النووية، لأنه سيدمر كل إعدادات البشرية المعروفة.
ومن أشد التساؤلات إلحاحاً في هذا السياق: إذا كانت الشركات تتمتع بشخصية قانونية، فلماذا لا يحظى بها الذكاء الاصطناعي مثلاً الذي أصبح ملء السمع والبصر في عالم اليوم، والذي سيكون الحاكم بأمره خلال وقت قياسي؟ الفارق الجوهري بين الحالتين هو أن القرارات التي تتخذها الشركات يقف وراءها في نهاية المطاف بشر، في حين أن الذكاء الاصطناعي قادر اليوم على العمل باستقلالية تامة دون أي تدخل إنساني. هذا يطرح سؤالاً فلسفياً وعملياً في آنٍ واحد: هل من الحكمة أن نمنح هذه الأنظمة صلاحيات واسعة تعيد تشكيل العالم من رأسه حتى أخمص قدميه؟
القدرة على الاستماع، وبناء الثقة، والتعاون، وحل النزاعات، هذه ليست “مهارات ناعمة” ثانوية، بل هي الدروع الحقيقية التي تحمينا
بعد عشر سنوات، قد يكون وكلاء الذكاء الاصطناعي قد اندمجوا في نسيج حياتنا اليومية لدرجة لا نستطيع معها تمييز ما هو “قرار إنساني” مما هو “قرار آلي”. وفي عالم كهذا، يصبح التنبؤ بمآلات الحوكمة والسياسة والاقتصاد أمراً بالغ التعقيد، لأننا لا نعرف بعد كيف سيوزّع المجتمع السلطة بين الإنسان والآلة.
ثمة تحدٍّ آخر لا يقل خطورة: لدينا اليوم أكثر أنظمة المعلومات تطوراً في التاريخ، وفي الوقت ذاته تتراجع قدرتنا على التحاور والتواصل والتفاهم مع بعضنا، كما يرى عالم وفيلسوف التاريخ والمستقبليات يوفال هراري. وهنا تكمن مفارقة مؤلمة؛ فالديمقراطية مثلاً تعتمد في جوهرها على آليةٍ للتصحيح الذاتي: حين يُخطئ المجتمع، يتحاور، ويتعلم، ويصحح مساره. لكن إذا فقدنا هذه القدرة على الحوار الحقيقي، فقدنا معها واحدةً من أهم مزايا النظام الديمقراطي الإنساني الذي قد يصبح أثراً بعد عين.
كيف سيبدو عالمنا إذاً بعد مرور عقد من الزمن؟ ربما مجتمعات أكثر انقساماً وخوفاً وتقوقعاً وفوضى وعزلة، وثقافة عامة تتعامل مع كل خلاف بوصفه معركةً وجودية، وليس نقاشاً يمكن أن يُفضي إلى تفاهم وتعايش وحلول.
في عصر ما بعد الحقيقة، حيث تتنافس روايات لا حصر لها على إثبات صحتها، يصبح التنبؤ بالمسار الذي ستسلكه المجتمعات أمراً شبه مستحيل. فأي رواية ستنتصر؟ وهل سيبقى ثمة مساحة للحقيقة المشتركة التي تجعل التعاون الإنساني ممكناً؟
في مواجهة كل هذا الغموض، تبرز حكمةٌ عملية واحدة: في عالم سريع التغير، لا تكفي المهارات التقنية الضيقة وحدها للاستعداد للمستقبل. يجب أن ننظر إلى أبعد من ذلك، نحو تطوير المهارات الاجتماعية والعاطفية والجسدية والحفاظ عليها بأسناننا في عالم مجنون، فهي التي تجعلنا قادرين على التكيّف مع أي شيء غير معهود يأتي به الغد.
القدرة على الاستماع، وبناء الثقة، والتعاون، وحل النزاعات، هذه ليست “مهارات ناعمة” ثانوية، بل هي الدروع الحقيقية التي تحمينا في عالم متقلب ومتحور لا نعرف شكله القادم. الشخص الذي يستطيع أن يتواصل مع الآخرين بصدق وتعاطف وإنسانية سيكون أكثر قدرةً على الصمود في مواجهة التقنيات المتغيرة أو الاقتصادات المتقلبة.
البشر في معظمهم يتوقون إلى التعاون والسلام. لهذا علينا أن نرعى الثقة وننميها، وأن ننطلق دائماً من حسن النية كي نحافظ على إنسانيتنا وآدميتنا في عالم اصطناعي جديد لا يؤمن بكل قيمنا وعادتنا وتركيباتنا وعقلياتنا القديمة.
في السنوات العشر القادمة، سيكون أعظم تحدٍّ أمامنا ليس تقنياً بل إنسانياً: هل سنحافظ على ثقتنا ببعضنا البعض رغم كل ما تفعله الخوارزميات وأنظمة الذكاء الاصطناعي الشيطانية؟ هل سنجد طريقةً للتحاور مع من يختلفون عنا، بدلاً من حبسهم في صورة العدو الدائم التي برمجتها في عقولنا التكنولوجيا الجديدة؟
العالم بعد عشر سنوات سيكون مختلفاً، هذا مؤكد. لكن شكل هذا الاختلاف يبقى طيّ الكتمان. لا توجد نماذج تنبؤية كافية، ولا بيانات تاريخية تستوعب حجم التغيير المتسارع والمرعب الذي نشهده. ما نملكه هو وعيٌ بالتوترات الكبرى التي شكلت مسار التاريخ من قبل، والإرادة للتعامل معها بحكمة لا بحماقة. ربما هذا الوعي وحده – بمحدودية قدرتنا على التنبؤ – هو أول خطوة للعبور نحو عالم مختلف جذرياً عما سبقه لم يشهد التاريخ له مثيلاً منذ الأزل.
٭ كاتب واعلامي سوري
نيسان ـ نشر في 2026/04/25 الساعة 00:00