بعض الليبراليين العرب والمسألة الإسرائيلية
نيسان ـ نشر في 2026/04/26 الساعة 00:00
يجهد بعض الكتّاب اللبنانيين والعرب، المُحتسَبين على تيار ليبرالي فضفاض أو متعدّد المشارب، في تسويق خطاب سياسي يواكب المرحلة الراهنة التي يميّزها فائض العنف والتدمير في منطقة «الشرق الأوسط».
ويقوم خطابهم هذه المرّة، بعد أن كان مكرّساً في مرحلة سابقة لنقد التيارات الممانعة، يسارية وقومية وإسلامية، ولنقد الأنظمة العربية باستثناء الأنظمة الخليجية، على اعتبار أن السلم مع إسرائيل هو الحلّ للكثير من المعضلات المجتمعية والثقافية والاقتصادية في المنطقة.
والحقّ أن الخطاب هذا، رغم افتقاره لأي تماسك، ورغم هشاشة براهينه والأمثلة التي يُقيم عليها مقارناته ليثبت حججه، يبدو جذّاباً لفئات من جيل أو جيلين، سئمت الحروب وبلادة المقولات المرافقة لها أو المبرّرة لأطوارها الكارثية، وحاصرتها ظروفها المعيشية ضمن أطر لم تعد تسمح لها بالإطّلاع الدقيق على ما يجري في العالم، ولا على ما يشغل بال قسمٍ كبير من جيل جديد، لا يتشارك وإياها نفس وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت صلتها شبه الوحيدة بالقراءة و«المعرفة».
وإذا كان الخطاب الليبرالي المذكور قد امتلك سابقاً مشروعيةً من نقده للممانعة ورثاثة منظومتها الفكرية، وادّعى حكمة ونضجاً من نقده لتجارب الإخفاقات التنموية والهزائم العسكرية والسياسية لبعض الأنظمة العربية، فإن عجزه عن قول أي جديد خارج إطار هذين النقد وادّعاء الحكمة، يدفعه اليوم لترداد مقولات لا تقلّ رثاثة عمّا سبق أن انتقده على مدى عقود.
ذلك أن الردّ على «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» لا يتمّ بمجرّد الاعتبار السحري بأن تلك المعركة ومبرّراتها غير موجودة. والقول بأولوية الديمقراطية وحقوق الإنسان لا يستقيم في ظلّ الاستخفاف بالحدث الأكثر توحشّاً في العالم منذ الحرب العالمية الثانية، أي الإبادة الجماعية في غزة، ولا في ترداد مقولات بنيامين نتنياهو، المطلوب بموجب مذكّرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية، حول أن حروبه مجرّد ردّ على «إرهاب» حركة حماس و«اعتداءات» حزب الله. والاستقرار والسلم لا يتحقّقان بمجرّد الاندفاع لتوقيع معاهدات مع إسرائيل وإشهار مِثالٍ متهافت القيمة المقارنة، مفاده «هدوء الحدود» في الأردن ومصر، لتبريرها.
يُحيلنا ما ورد إلى عدد من الأمور يفيد ذكرها اليوم في ظلّ استسهال الشعارات والشعارات المضادة.
الأمر الأول، أننا أمام «مسألة إسرائيلية» تتطلّب مراجعةً للكثير من الأدبيات السابقة. فالمسألة هذه دخلت في طور «حلٍ نهائي» يقوم على الإبادة والتهجير والضمّ، إن في الضفة والقدس أو في غزة، لفرض خريطة إسرائيلية جديدة قدّمها نتنياهو في الأمم المتحدة، وفعل مثله وزراؤه في الكثير من المؤتمرات الدولية منذ توقيع اتفاقات أبراهام، أي قبل السابع من أكتوبر 2023 بسنوات.
و»الحلّ النهائي»، على ما تريده تل أبيب، لا يمكن ألّا يصيب الأردن وسوريا ولبنان ومصر، ديموغرافياً وجغرافياً. كما أن افتراضه أصلاً لم يكن ليتمّ لولا القناعة لدى اليمين واليمين المتطرّف الإسرائيلي أن اللحظة الدولية قد تكون ملائمة له في ظلّ تصاعد الفاشيات ووصول شخص مثل دونالد ترامب إلى سدّة الرئاسة الأمريكية العام 2017، وعودته إليها العام 2025.
غير أن «الحلّ» هذا ولّد ردود فعل عكسية داخل مجتمعات العالم بأسره، وحوّل «فلسطين» إلى قضية فرز سياسي أثّرت في نتائج الانتخابات في أكثر من استحقاق أو بلد. وهي ستستمرّ كذلك في المقبل من السنوات، خاصة وأنها شكّلت مسبّباً رئيسياً لتسييس جيل جديد، بمعظمه جامعي اليوم، في دول الغرب تحديداً. كما أنها تحوّلت مدعاةً للدفاع عن القانون الدولي وعن المحاكم الدولية وعن الأمم المتحدة في وجه السعي الإسرائيلي والأمريكي لضربها وتصفية إرثها الحقوقي.
الأمر الثاني، أننا أمام حالات من اختزال قضايا المنطقة ومجتمعاتها وقصر البحث فيها على ثنائية «ممانعة/ تطبيع» أو على ثنائيات تبسيطية يعتمدها بعض الممانعين والليبراليين على حدّ سواء، تلغي العلوم الاجتماعية وتستبعد التاريخ وتلجأ إلى التخوين، أو إلى افتعال سجالات تشوّه موقف المختلِف وتجتزئه وتنسب إليه كلاماً قاله سواه للرد عليه، افتقاراً للحجج الجدّية في مواجهة الكلام الجدّي.
فإن تُحال كل إخفاقات الاقتصاد والاجتماع السياسي العربية إلى الصراع مع إسرائيل، أو على العكس، أن يُعدّ السلام والتطبيع مع الأخيرة مفتاحاً أو شرطاً للخروج من الاستبداد ومنظومات الفساد والريع الزبائني، ففي الأمرين تجاهل خطير لمكامن الضعف والهشاشة ومسبّبات نشوء ثقافة التسلّط والإقصاء والإفساد، المنتشرة في ظلّ أنظمة عربية ممانعة أو معادية للممانعة. ولا ينفع القول بإجرام النظام السوري البائد كمثال على مؤدّيات الممانعة القصوى. ليس فقط لأن إسرائيل المدعو إلى مسالمتها تفوقه إجراماً بأشواط، بل لأن لا نظام عربياً واحداً طبّع مع إسرائيل أو سالمها تحسّنت أحواله السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية رغم عقود أو سنوات من هكذا تطبيع أو سلام. وهذا لا يعني أن لا أثر للصراع في فلسطين على كل ما يجري حولها. بل العكس هو الصحيح. لكنه يعني أنه ليس الموضوع الوحيد الذي يتمّ بموجب مقاربته التعامل مع سائر المصاعب والإشكاليات.
المفارقة هنا، أن الليبراليين الداعين للتطبيع مع دولة الإبادة، إسرائيل، وتجاهل جرائمها أو نسيانها أو اعتبارها «دفاعاً مشروعاً عن النفس»، كانوا أنفسهم من أشدّ المعارضين لأي تطبيع مع النظام الأسدي، بسبب إجرامه وفظائعه التي كان أضرابهم الممانعون يبرّرونها بوصفها «دفاعاً عن وجوده» وعن نفسه «المقاوِمة».
الأمر الثالث، وهو يخصّ اللبنانيين، يرتبط بمقارنات عشوائية تُضرب اليوم مع مصر والأردن، ويروّج لها الليبراليون وتيارات اليمين المسيحي بنفس الخفّة والديماغوجية. فأن يُقال إن مصر آمنة نتيجة لكامب دايفيد أمر يكاد يكون مزحةً لولا فداحة الموضوع. ليس فقط لأن مصر أكبر دولة عربية ومتوسّطية؛ ولا لأنها وقّعت سلاماً العام 1978 (أي قبل نصف قرن!) لم يكن شيء من علامات عصره يشبه عصرنا الراهن، لا دولياً (اتحاد سوفييتي وولايات متحدة) ولا عربياَ، ولا مصرياً ولا إسرائيلياً؛ ولا حتى لأن إسرائيل حصلت مقابل هذا السلام ومقابل الانسحاب من سيناء على نهاية الصراع العربي الإسرائيلي العسكري وحصر الأمر بصراع مع المنظّمات الفلسطينية واللبنانية؛ بل لأن مصر اليوم تجد نفسها مهدّدة من جديد باللا-استقرار نتيجة محاولات تهجير الغزاويين إليها ونتيجة الانتشار العسكري الإسرائيلي في مناطق على حدودها كان يُفترض أن تبقى محدودة التسليح. والأهمّ، لأن مصر تعتبر نفسها مستهدفة استراتيجياً بالتحالفات التي تسعى إسرائيل إلى تكريسها على ضفة البحر الأحمر الأفريقية وعلى مسار نهر النيل الاثيوبي حيث المسألة المائية مصيرية.
أما الأردن، الذي يشكّل المتحدّرون من أصول فلسطينية أكثر من نصف سكّانه، فقد وقّع اتفاقية وادي عربة العام 1994، في عزّ مفاوضات السلام التالية لحرب الخليج التي أيّد فيها العراق وعاقبته دول مجلس التعاون اقتصادياً بما جعله تحت رحمة المساعدات الدولية. وهو وقّع وفي ظنّه أن منطقة اقتصادية حرّة واستثمارات كبرى وتبدّلاً جوهرياً سينشأ بعد السلام المأمول. فإذا بكل ذلك يتداعى مع انفراط عقد المفاوضات الجدّية في فلسطين، ليس بسبب عملّيات حماس كما يردّد جهلةٌ باستمرار، بل نتيجة تمنّع تل أبيب المُعلن عن وقف الاستيطان في الضفة، ورفضها البحث في موضوع القدس وحق العودة، وإصرارها على منع قيام دولة فلسطينية، ونتيجة مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل مطلع العام 1994 (التي ردّت عليها حماس بعمليات داخل الخط الأخضر)، ثم نتيجة اغتيال إسحق رابين أواخر العام 1995 وانتقال السلطة إلى بنيامين نتنياهو الواعد في حملته بالقضاء على اتفاقية أوسلو، وصولاً إلى إعلان خلفه إيهود باراك أنه «قدّم إلى الفلسطينيين العرض الذي لا يمكن أن يوافقوا عليه». والتتمة معروفة، من الانتفاضة الثانية ووصول آرييل شارون إلى السلطة، إلى اغتيال أحمد ياسين وتسميم ياسر عرفات ثم الانقسام والاقتتال الفلسطيني فحصار غزة وحروبها، وتفاقم الاستيطان في الضفة والقدس والقضاء الفعلي على ما تبقى من مقتضيات حلّ الدولتين. والأردن يرى نفسه مهدّداً من جديد الآن بمشروع تهجير فلسطينيي الضفة، وبمنطق «الوطن البديل» الذي كان الليكود و«إسرائيل بيتنا» يروجان لها على مدى سنوات، واستعاد البعض في إسرائيل نغمته منذ مدة.
لكن ينبغي في هذا الباب ذكر أمر إضافي. فدعوة البعض في لبنان للسلام مع إسرائيل، تقتضي قبولهم بتوطين الفلسطينيين وتجنيسهم على ما هو قائم في الأردن، المحبَّذَةِ المقارنة به. إلا إن كان ثمة من يظنّ بين «التطبيعيين» أن إسرائيل ستقبل بعودة فلسطينيي لبنان إلى أرضهم، أو يتعهّد دونالد ترامب بنقلهم إلى أمريكا، أو أن يجري «نقلهم» إلى سوريا، التي تتمنّع حتى الآن عن قبول عودة ملايين السوريين إليها وهي ما زالت بلا اقتصاد وإعمار وفرص عمل!
لقد رفض الرسميّون اللبنانيون منذ العام 1949 مجرّد منح الحقوق المدنية وحقوق العمل للاجئين الفلسطينيين وأرادوا حصارهم في مخيّمات، ورفعوا فزّاعة التوطين كلّ ما أرادوا تبرير سياسة أو موبقة أو تحالف. فهل يريدون اليوم التجنيس؟
الأمر الرابع، يتعلّق بلازمة ممجوجة، حول أن حدود لبنان ظلّت آمنة إلى حين الكفاح المسلّح الفلسطيني، ثم سلاح حزب الله. ويتغافل مردّدو اللازمة هذه، أن الفلسطينيين أنفسهم ظلّوا عشرين عاماً معدومي التحرّك السياسي والعسكري في لبنان، ينتظرون تطبيق قرار الأمم المتحدة الخاص بحقّ العودة، ويعاني معظمهم– كما أسلفنا – المنع من العمل والاستملاك والتنقّل الحرّ، إلى أن نشأ جيل مقاتل حاول العبور إلى أرضه من حدود دول اللجوء التي لم يُجنّس فيها، وانتهى أمره محشوداً في لبنان حيث الانقسام الأهلي أتاح قتالاً مشتركاً فلسطينياً لبنانياً لإسرائيل، تماماً كما أتاح في المقلب الآخر تعاملاً لبنانياً معها.
التتمة معروفة بدورها هنا، من الاجتياحات والاحتلال الإسرائيلي، وصولاً إلى الكلام المحقّ عن سلاح حزب الله بعد تحرير الجنوب العام 2000 وارتباطه بالسياسة الإيرانية ومصالحها، ومثله الكلام المحقّ عن ضرورة حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية وحدها. على أن الكلام المذكور على أحقّيته لا يستقيم من دون موقف من الجرائم الإسرائيلية، وفق مبادئ القانون الدولي الذي لا يجيز مذبحة إذ أُطلِقت صواريخ، ولا اجتياحاً إذ خُطف جنود، ولا تدميراً ممنهجاً للبيوت والبلدات والمدن بحجّة «منطقة آمنة». وهذا يعني ضرورة مقاضاة إسرائيل أو تحضير الملفّات لذلك وهي أكثر من أن تُحصى، واعتبارها عنصر ضغط يمكن استخدامه في التفاوض المزمع عقده.
أخيراً، وفي ما يخصّ التفاوض، ينبغي التأكيد إن لا خيار للبنان اليوم غير الذهاب إليه، ليس للوصول إلى اتفاقية سلام، بل من أجل وقف إطلاق نار شامل وجدّي ومن أجل انسحاب إسرائيلي من جميع الأراضي اللبنانية المحتلة، والمطالبة بتعويض الأضرار الناجمة عن تدمير البلدات المستمرّ حتى الساعة. والتفاوض قد يطول لأشهر، ولا يُفترض التفريط خلاله «مجاناً» بالحق بالتعويض والتلويح بالذهاب إلى محكمة العدل وإلى المحكمة الجنائية. فهذه أمور مهمة، ولو لم تكن كذلك لما جُنّ جنون الإسرائيليين من دعوى جنوب أفريقيا ومن مذكّرات التوقيف بحقّ نتنياهو ووزير دفاعه.
بموازاة التفاوض، لا بد من حوار لبناني داخلي جديد، بعيداً عن التهديد والشماتة والأحكام البذيئة المتداولة، من أجل تجنّب الأسوأ، ومن أجل الاتفاق على جدول واضح لتسلّم الجيش وقوى الدولة الأمن والسلاح على كامل الأراضي اللبنانية.
من دون هكذا حوار، ومن دون نجاح الوساطات الباكستانية والتركية والسعودية في تجنّب استئناف الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية واتساع جبهاتها من جديد، ومن دون ربط السلام بحلّ شامل يُعيد التذكير بالمبادرة العربية للعام 2002 في بيروت أو يفتح الباب على مبادرات جديدة، يصعب تصوّر أي هدوء قريب، ولَو كان نسبياً…
ويقوم خطابهم هذه المرّة، بعد أن كان مكرّساً في مرحلة سابقة لنقد التيارات الممانعة، يسارية وقومية وإسلامية، ولنقد الأنظمة العربية باستثناء الأنظمة الخليجية، على اعتبار أن السلم مع إسرائيل هو الحلّ للكثير من المعضلات المجتمعية والثقافية والاقتصادية في المنطقة.
والحقّ أن الخطاب هذا، رغم افتقاره لأي تماسك، ورغم هشاشة براهينه والأمثلة التي يُقيم عليها مقارناته ليثبت حججه، يبدو جذّاباً لفئات من جيل أو جيلين، سئمت الحروب وبلادة المقولات المرافقة لها أو المبرّرة لأطوارها الكارثية، وحاصرتها ظروفها المعيشية ضمن أطر لم تعد تسمح لها بالإطّلاع الدقيق على ما يجري في العالم، ولا على ما يشغل بال قسمٍ كبير من جيل جديد، لا يتشارك وإياها نفس وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت صلتها شبه الوحيدة بالقراءة و«المعرفة».
وإذا كان الخطاب الليبرالي المذكور قد امتلك سابقاً مشروعيةً من نقده للممانعة ورثاثة منظومتها الفكرية، وادّعى حكمة ونضجاً من نقده لتجارب الإخفاقات التنموية والهزائم العسكرية والسياسية لبعض الأنظمة العربية، فإن عجزه عن قول أي جديد خارج إطار هذين النقد وادّعاء الحكمة، يدفعه اليوم لترداد مقولات لا تقلّ رثاثة عمّا سبق أن انتقده على مدى عقود.
ذلك أن الردّ على «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» لا يتمّ بمجرّد الاعتبار السحري بأن تلك المعركة ومبرّراتها غير موجودة. والقول بأولوية الديمقراطية وحقوق الإنسان لا يستقيم في ظلّ الاستخفاف بالحدث الأكثر توحشّاً في العالم منذ الحرب العالمية الثانية، أي الإبادة الجماعية في غزة، ولا في ترداد مقولات بنيامين نتنياهو، المطلوب بموجب مذكّرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية، حول أن حروبه مجرّد ردّ على «إرهاب» حركة حماس و«اعتداءات» حزب الله. والاستقرار والسلم لا يتحقّقان بمجرّد الاندفاع لتوقيع معاهدات مع إسرائيل وإشهار مِثالٍ متهافت القيمة المقارنة، مفاده «هدوء الحدود» في الأردن ومصر، لتبريرها.
يُحيلنا ما ورد إلى عدد من الأمور يفيد ذكرها اليوم في ظلّ استسهال الشعارات والشعارات المضادة.
الأمر الأول، أننا أمام «مسألة إسرائيلية» تتطلّب مراجعةً للكثير من الأدبيات السابقة. فالمسألة هذه دخلت في طور «حلٍ نهائي» يقوم على الإبادة والتهجير والضمّ، إن في الضفة والقدس أو في غزة، لفرض خريطة إسرائيلية جديدة قدّمها نتنياهو في الأمم المتحدة، وفعل مثله وزراؤه في الكثير من المؤتمرات الدولية منذ توقيع اتفاقات أبراهام، أي قبل السابع من أكتوبر 2023 بسنوات.
و»الحلّ النهائي»، على ما تريده تل أبيب، لا يمكن ألّا يصيب الأردن وسوريا ولبنان ومصر، ديموغرافياً وجغرافياً. كما أن افتراضه أصلاً لم يكن ليتمّ لولا القناعة لدى اليمين واليمين المتطرّف الإسرائيلي أن اللحظة الدولية قد تكون ملائمة له في ظلّ تصاعد الفاشيات ووصول شخص مثل دونالد ترامب إلى سدّة الرئاسة الأمريكية العام 2017، وعودته إليها العام 2025.
غير أن «الحلّ» هذا ولّد ردود فعل عكسية داخل مجتمعات العالم بأسره، وحوّل «فلسطين» إلى قضية فرز سياسي أثّرت في نتائج الانتخابات في أكثر من استحقاق أو بلد. وهي ستستمرّ كذلك في المقبل من السنوات، خاصة وأنها شكّلت مسبّباً رئيسياً لتسييس جيل جديد، بمعظمه جامعي اليوم، في دول الغرب تحديداً. كما أنها تحوّلت مدعاةً للدفاع عن القانون الدولي وعن المحاكم الدولية وعن الأمم المتحدة في وجه السعي الإسرائيلي والأمريكي لضربها وتصفية إرثها الحقوقي.
الأمر الثاني، أننا أمام حالات من اختزال قضايا المنطقة ومجتمعاتها وقصر البحث فيها على ثنائية «ممانعة/ تطبيع» أو على ثنائيات تبسيطية يعتمدها بعض الممانعين والليبراليين على حدّ سواء، تلغي العلوم الاجتماعية وتستبعد التاريخ وتلجأ إلى التخوين، أو إلى افتعال سجالات تشوّه موقف المختلِف وتجتزئه وتنسب إليه كلاماً قاله سواه للرد عليه، افتقاراً للحجج الجدّية في مواجهة الكلام الجدّي.
فإن تُحال كل إخفاقات الاقتصاد والاجتماع السياسي العربية إلى الصراع مع إسرائيل، أو على العكس، أن يُعدّ السلام والتطبيع مع الأخيرة مفتاحاً أو شرطاً للخروج من الاستبداد ومنظومات الفساد والريع الزبائني، ففي الأمرين تجاهل خطير لمكامن الضعف والهشاشة ومسبّبات نشوء ثقافة التسلّط والإقصاء والإفساد، المنتشرة في ظلّ أنظمة عربية ممانعة أو معادية للممانعة. ولا ينفع القول بإجرام النظام السوري البائد كمثال على مؤدّيات الممانعة القصوى. ليس فقط لأن إسرائيل المدعو إلى مسالمتها تفوقه إجراماً بأشواط، بل لأن لا نظام عربياً واحداً طبّع مع إسرائيل أو سالمها تحسّنت أحواله السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية رغم عقود أو سنوات من هكذا تطبيع أو سلام. وهذا لا يعني أن لا أثر للصراع في فلسطين على كل ما يجري حولها. بل العكس هو الصحيح. لكنه يعني أنه ليس الموضوع الوحيد الذي يتمّ بموجب مقاربته التعامل مع سائر المصاعب والإشكاليات.
المفارقة هنا، أن الليبراليين الداعين للتطبيع مع دولة الإبادة، إسرائيل، وتجاهل جرائمها أو نسيانها أو اعتبارها «دفاعاً مشروعاً عن النفس»، كانوا أنفسهم من أشدّ المعارضين لأي تطبيع مع النظام الأسدي، بسبب إجرامه وفظائعه التي كان أضرابهم الممانعون يبرّرونها بوصفها «دفاعاً عن وجوده» وعن نفسه «المقاوِمة».
الأمر الثالث، وهو يخصّ اللبنانيين، يرتبط بمقارنات عشوائية تُضرب اليوم مع مصر والأردن، ويروّج لها الليبراليون وتيارات اليمين المسيحي بنفس الخفّة والديماغوجية. فأن يُقال إن مصر آمنة نتيجة لكامب دايفيد أمر يكاد يكون مزحةً لولا فداحة الموضوع. ليس فقط لأن مصر أكبر دولة عربية ومتوسّطية؛ ولا لأنها وقّعت سلاماً العام 1978 (أي قبل نصف قرن!) لم يكن شيء من علامات عصره يشبه عصرنا الراهن، لا دولياً (اتحاد سوفييتي وولايات متحدة) ولا عربياَ، ولا مصرياً ولا إسرائيلياً؛ ولا حتى لأن إسرائيل حصلت مقابل هذا السلام ومقابل الانسحاب من سيناء على نهاية الصراع العربي الإسرائيلي العسكري وحصر الأمر بصراع مع المنظّمات الفلسطينية واللبنانية؛ بل لأن مصر اليوم تجد نفسها مهدّدة من جديد باللا-استقرار نتيجة محاولات تهجير الغزاويين إليها ونتيجة الانتشار العسكري الإسرائيلي في مناطق على حدودها كان يُفترض أن تبقى محدودة التسليح. والأهمّ، لأن مصر تعتبر نفسها مستهدفة استراتيجياً بالتحالفات التي تسعى إسرائيل إلى تكريسها على ضفة البحر الأحمر الأفريقية وعلى مسار نهر النيل الاثيوبي حيث المسألة المائية مصيرية.
أما الأردن، الذي يشكّل المتحدّرون من أصول فلسطينية أكثر من نصف سكّانه، فقد وقّع اتفاقية وادي عربة العام 1994، في عزّ مفاوضات السلام التالية لحرب الخليج التي أيّد فيها العراق وعاقبته دول مجلس التعاون اقتصادياً بما جعله تحت رحمة المساعدات الدولية. وهو وقّع وفي ظنّه أن منطقة اقتصادية حرّة واستثمارات كبرى وتبدّلاً جوهرياً سينشأ بعد السلام المأمول. فإذا بكل ذلك يتداعى مع انفراط عقد المفاوضات الجدّية في فلسطين، ليس بسبب عملّيات حماس كما يردّد جهلةٌ باستمرار، بل نتيجة تمنّع تل أبيب المُعلن عن وقف الاستيطان في الضفة، ورفضها البحث في موضوع القدس وحق العودة، وإصرارها على منع قيام دولة فلسطينية، ونتيجة مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل مطلع العام 1994 (التي ردّت عليها حماس بعمليات داخل الخط الأخضر)، ثم نتيجة اغتيال إسحق رابين أواخر العام 1995 وانتقال السلطة إلى بنيامين نتنياهو الواعد في حملته بالقضاء على اتفاقية أوسلو، وصولاً إلى إعلان خلفه إيهود باراك أنه «قدّم إلى الفلسطينيين العرض الذي لا يمكن أن يوافقوا عليه». والتتمة معروفة، من الانتفاضة الثانية ووصول آرييل شارون إلى السلطة، إلى اغتيال أحمد ياسين وتسميم ياسر عرفات ثم الانقسام والاقتتال الفلسطيني فحصار غزة وحروبها، وتفاقم الاستيطان في الضفة والقدس والقضاء الفعلي على ما تبقى من مقتضيات حلّ الدولتين. والأردن يرى نفسه مهدّداً من جديد الآن بمشروع تهجير فلسطينيي الضفة، وبمنطق «الوطن البديل» الذي كان الليكود و«إسرائيل بيتنا» يروجان لها على مدى سنوات، واستعاد البعض في إسرائيل نغمته منذ مدة.
لكن ينبغي في هذا الباب ذكر أمر إضافي. فدعوة البعض في لبنان للسلام مع إسرائيل، تقتضي قبولهم بتوطين الفلسطينيين وتجنيسهم على ما هو قائم في الأردن، المحبَّذَةِ المقارنة به. إلا إن كان ثمة من يظنّ بين «التطبيعيين» أن إسرائيل ستقبل بعودة فلسطينيي لبنان إلى أرضهم، أو يتعهّد دونالد ترامب بنقلهم إلى أمريكا، أو أن يجري «نقلهم» إلى سوريا، التي تتمنّع حتى الآن عن قبول عودة ملايين السوريين إليها وهي ما زالت بلا اقتصاد وإعمار وفرص عمل!
لقد رفض الرسميّون اللبنانيون منذ العام 1949 مجرّد منح الحقوق المدنية وحقوق العمل للاجئين الفلسطينيين وأرادوا حصارهم في مخيّمات، ورفعوا فزّاعة التوطين كلّ ما أرادوا تبرير سياسة أو موبقة أو تحالف. فهل يريدون اليوم التجنيس؟
الأمر الرابع، يتعلّق بلازمة ممجوجة، حول أن حدود لبنان ظلّت آمنة إلى حين الكفاح المسلّح الفلسطيني، ثم سلاح حزب الله. ويتغافل مردّدو اللازمة هذه، أن الفلسطينيين أنفسهم ظلّوا عشرين عاماً معدومي التحرّك السياسي والعسكري في لبنان، ينتظرون تطبيق قرار الأمم المتحدة الخاص بحقّ العودة، ويعاني معظمهم– كما أسلفنا – المنع من العمل والاستملاك والتنقّل الحرّ، إلى أن نشأ جيل مقاتل حاول العبور إلى أرضه من حدود دول اللجوء التي لم يُجنّس فيها، وانتهى أمره محشوداً في لبنان حيث الانقسام الأهلي أتاح قتالاً مشتركاً فلسطينياً لبنانياً لإسرائيل، تماماً كما أتاح في المقلب الآخر تعاملاً لبنانياً معها.
التتمة معروفة بدورها هنا، من الاجتياحات والاحتلال الإسرائيلي، وصولاً إلى الكلام المحقّ عن سلاح حزب الله بعد تحرير الجنوب العام 2000 وارتباطه بالسياسة الإيرانية ومصالحها، ومثله الكلام المحقّ عن ضرورة حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية وحدها. على أن الكلام المذكور على أحقّيته لا يستقيم من دون موقف من الجرائم الإسرائيلية، وفق مبادئ القانون الدولي الذي لا يجيز مذبحة إذ أُطلِقت صواريخ، ولا اجتياحاً إذ خُطف جنود، ولا تدميراً ممنهجاً للبيوت والبلدات والمدن بحجّة «منطقة آمنة». وهذا يعني ضرورة مقاضاة إسرائيل أو تحضير الملفّات لذلك وهي أكثر من أن تُحصى، واعتبارها عنصر ضغط يمكن استخدامه في التفاوض المزمع عقده.
أخيراً، وفي ما يخصّ التفاوض، ينبغي التأكيد إن لا خيار للبنان اليوم غير الذهاب إليه، ليس للوصول إلى اتفاقية سلام، بل من أجل وقف إطلاق نار شامل وجدّي ومن أجل انسحاب إسرائيلي من جميع الأراضي اللبنانية المحتلة، والمطالبة بتعويض الأضرار الناجمة عن تدمير البلدات المستمرّ حتى الساعة. والتفاوض قد يطول لأشهر، ولا يُفترض التفريط خلاله «مجاناً» بالحق بالتعويض والتلويح بالذهاب إلى محكمة العدل وإلى المحكمة الجنائية. فهذه أمور مهمة، ولو لم تكن كذلك لما جُنّ جنون الإسرائيليين من دعوى جنوب أفريقيا ومن مذكّرات التوقيف بحقّ نتنياهو ووزير دفاعه.
بموازاة التفاوض، لا بد من حوار لبناني داخلي جديد، بعيداً عن التهديد والشماتة والأحكام البذيئة المتداولة، من أجل تجنّب الأسوأ، ومن أجل الاتفاق على جدول واضح لتسلّم الجيش وقوى الدولة الأمن والسلاح على كامل الأراضي اللبنانية.
من دون هكذا حوار، ومن دون نجاح الوساطات الباكستانية والتركية والسعودية في تجنّب استئناف الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية واتساع جبهاتها من جديد، ومن دون ربط السلام بحلّ شامل يُعيد التذكير بالمبادرة العربية للعام 2002 في بيروت أو يفتح الباب على مبادرات جديدة، يصعب تصوّر أي هدوء قريب، ولَو كان نسبياً…
نيسان ـ نشر في 2026/04/26 الساعة 00:00