تشكيل الحكومة في بغداد… وانتظار الدخان الأبيض في إسلام آباد
نيسان ـ نشر في 2026/04/27 الساعة 00:00
في اللحظات التي تتشكل فيها الحكومات العراقية، لا تتحرك السياسة بإيقاع داخلي خالص، بل كثيراً ما تُدار تحت ظلال التأثيرات الدولية والإقليمية، لكن ما يحدث اليوم يتجاوز هذا النمط التقليدي؛ إذ بات مسار تشكيل الحكومة في بغداد جزءاً من مشهد حرب مفتوحة تتقاطع فيها الجبهات من طهران إلى واشنطن، ومن مضيق هرمز إلى إسلام آباد، حيث يبدو أن «الدخان الأبيض» المنتظر من المفاوضات الإيرانية – الأمريكية برعاية باكستانية لا يخص وقف النار وحده، بل قد يحمل أيضاً ملامح اسم رئيس الوزراء العراقي المقبل.
العراق، في هذه اللحظة، ليس مجرد متأثر بالحرب، بل ساحة فرعية من ساحاتها. ولهذا لم يعد اختيار رئيس الحكومة في بغداد شأناً عراقياً صرفاً، بل صار جزءاً من حسابات أوسع، ولهذا يفسَّر تردد قوى الإطار التنسيقي في حسم مرشحها، ليس فقط بتضارب المصالح بين أجنحتها، بل أيضاً بانتظار ما ستؤول إليه مفاوضات إسلام آباد. فداخل هذا الانتظار إدراك شيعي عميق بأن نتائج التفاوض الأمريكي الإيراني ستعيد تعريف موازين النفوذ، ومن ثم تحدد ماهية رئيس الحكومة المطلوب: هل سيكون رجل تسوية يرضي واشنطن ويطمئن طهران، أم رئيساً ضعيفاً، كما وصفه الباحث عقيل عباس، «تمرر من خلاله القوى الإقليمية ما تريد».
ولعل المفارقة أن الحرب، بدل أن تدفع العراقيين إلى التعجيل في تشكيل حكومة قادرة على إدارة المخاطر، دفعت بعض القوى إلى تأجيل الحسم بانتظار صورة ما ستؤول اليه الأوضاع الإقليمية. وكأن بغداد قررت أن تنتظر ما إذا كانت التسوية ستولد في إسلام آباد قبل أن تولد حكومتها في المنطقة الخضراء. ليس هذا مجرد تعطيل تجاوز المدد الدستورية لتشكيل الحكومة، بل هذا اعتراف غير معلن بأن قرار اختيار رئاسة الحكومة ما زال رهينة توازنات خارجية، مهما ارتفع خطاب السيادة.
حكومة بغداد تتشكل على وقع مفاوضات خارج الحدود، وكأن بغداد تؤجل كتابة اسم رئيس وزرائها إلى حين انتهاء الآخرين من كتابة خرائطهم
ما يجري داخل الإطار التنسيقي يكشف هذا المعنى بوضوح. فالصراع بين استمرار محمد شياع السوداني، أو عودة نوري المالكي، أو الدفع باسم توافقي مثل باسم البدري، لم يعد صراع برامج، بل صراع تموضعات. الأمريكيون بعثوا بإشارات رفض صريحة لعودة المالكي، والإيرانيون، المنشغلون بحرب وجودية، يفضلون ـ وفق توصيف بعض المراقبين ـ رئيساً غير صدامي لا يربك حساباتهم. وبين هذا وذاك، يتحرك الإطار بحذر، لا يريد تحدي واشنطن، ولا كسر العلاقة مع طهران، وينتظر أن يحسم الخارج ما عجز الداخل عن حسمه.
ومع انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية في 11 نيسان/ابريل، انكسرت واحدة من أعقد حلقات الانسداد السياسي، بعدما ظل الخلاف الكردي بين أربيل والسليمانية يؤخر استكمال الاستحقاقات الدستورية، وبدا أن الأكراد، على خلاف القوى الشيعية، نجحوا في إنتاج تسوية اللحظة الأخيرة. بهذا المعنى انتقلت الكرة إلى ملعب الإطار التنسيقي، إذ لم يعد هناك ما يؤخر تسمية مرشح الكتلة الأكبر لرئاسة الحكومة سوى الانقسام داخل البيت الشيعي نفسه، أو انتظار ما ستسفر عنه حسابات الحرب ومفاوضات إسلام آباد. وهذا ما أضفى على التردد الحالي معنى سياسياً مختلفاً: لم يعد تأخيراً إجرائياً، بل بدا تعليقاً متعمداً للحسم إلى أن تتضح صورة الإقليم. لكن الحرب لم تؤجل تشكيل الحكومة فقط، بل غيّرت البيئة التي ستولد فيها هذه الحكومة. فالسوداني، الذي يقود حكومة تصريف أعمال، حاول منذ انفجار المواجهة تبني سياسة النأي بالنفس، مكرراً خطاب «العراق أولاً»، والسعي إلى منع انزلاق البلاد إلى حرب بالوكالة. غير أن هذه السياسة اصطدمت بواقع الدولة المزدوجة. فالفصائل المقربة من طهران لم تلتزم حياد الحكومة، ونفذت ضربات داخل العراق وخارجه، بعضها استهدف قواعد أمريكية، وبعضها اتسع إلى ساحات خليجية، بما وضع بغداد في موقع الدولة التي تُسأل عن أفعال لا تتحكم بها بالكامل. وهنا تتجلى المعضلة العراقية الأكثر تعقيداً: الحكومة تحاول النأي بالنفس، لكن جزءاً من القوة المسلحة يتحرك بمنطق آخر. وهذا ما جعل الحرب تكشف، مرة أخرى، هشاشة مفهوم السيادة في العراق. فحين تضرب الفصائل، ترد الولايات المتحدة، وحين ترد واشنطن، تُطالب الفصائل الحكومة باتخاذ موقف ضد الأمريكيين، لا ضد الحرب. وقد وصلت بعض هذه الجماعات إلى حد الصراخ، بأنها ليست مجرد فصائل، بل «تشكيل حكومي تابع للحشد الشعبي»، بما يعني أن الخلاف لم يعد بين الدولة واللادولة، بل داخل تعريف الدولة نفسها. لهذا فإن حكومة السوداني بدت أحياناً وكأنها تمشي فوق حقل ألغام سياسي وأمني، فهي من جهة مطالبة بمنع استخدام العراق كساحة حرب، ومن جهة أخرى عاجزة عن كبح كامل للفصائل المنخرطة في الصراع. وهذا ما جعل بعض التحليلات الغربية تعتبر أن بغداد لم تعد تدير سياسة حياد، بل سياسة «احتواء للعجز». وهي صياغة قاسية، لكنها ليست بعيدة عن الواقع.
الحرب أيضاً أعادت بعث صراعات النفوذ التقليدية بين واشنطن وطهران داخل المسرح العراقي. فالولايات المتحدة ترى أن أي حكومة عراقية جديدة يجب ألا تكون امتداداً لشبكات النفوذ الإيرانية، فيما تنظر طهران إلى رئاسة الحكومة باعتبارها أحد خطوط دفاعها المتقدمة في لحظة استنزاف إقليمي. وهكذا يتحول اختيار رئيس الحكومة من استحقاق دستوري إلى جزء من إعادة توزيع النفوذ بعد الحرب.
وليس من قبيل الصدفة أن يتزامن الجمود الحكومي العراقي مع الرهان على مفاوضات إسلام آباد. فهذه المفاوضات، مهما بدت بعيدة عن بغداد، تمثل في نظر كثير من قوى الإطار ميزان حرارة لما بعد الحرب: إذا خرجت بتفاهمات صلبة، قد ترجح خيار رئيس حكومة توافقي أقل التصاقاً بالمحاور. وإذا انهارت أو بقيت هدنة هشة، فقد يرتفع منطق المرشح الصدامي أو المرشح الضعيف المحكوم من القوى النافذة. في هذا السياق، يصبح «الدخان الأبيض» في إسلام آباد استعارة سياسية بقدر ما هو توصيف دبلوماسي. فالعراقيون لا ينتظرون فقط وقفاً لإطلاق النار بين واشنطن وطهران، بل ينتظرون إشارة إلى شكل النظام الإقليمي الذي ستولد في ظله حكومتهم. وهذه مفارقة عراقية خالصة: حكومة تتشكل على وقع مفاوضات خارج الحدود، وكأن بغداد تؤجل كتابة اسم رئيس وزرائها إلى حين انتهاء الآخرين من كتابة خرائطهم. لكن الأخطر أن استمرار هذا الانتظار يفاقم كلفة الحرب على الداخل العراقي. الاقتصاد يضغط، صادرات النفط تتراجع بشكل كارثي، المخاوف من اضطراب المضائق تلقي ظلالها، والاستحقاقات الاجتماعية مؤجلة. وفي مثل هذه اللحظات لا يكون الفراغ السياسي حياداً، بل خسارة مركبة. لذلك لا تبدو أزمة الحكومة اليوم مجرد خلاف أسماء، بل أزمة توقيت تاريخي.
ولعل أكثر ما تكشفه هذه اللحظة هو أن العراق ما زال يعيش بين دولتين: دولة تريد البقاء على مسافة من الحرب، ودولة أخرى، موازية أو متداخلة، ترى في الحرب امتداداً لمعركتها. وبين الاثنتين يقف السوداني، محاولاً منع الانفجار، فيما تتقدم الفصائل أحياناً أبعد مما تحتمل حسابات الحكومة. هذه ليست أزمة رجل، بل أزمة بنية حكم كاملة. وإذا كانت بعض القوى تراهن على أن نتائج إسلام آباد ستمنحها مرشحاً مقبولاً من الجميع، فإن التجربة العراقية تقول إن التسويات التي تأتي من الخارج، غالباً ما تنتج حكومات تؤجل الانفجار ولا تحله. لأن المشكلة ليست فقط من سيكون رئيس الوزراء، بل أي دولة سيرأس.
ربما لهذا تبدو المعركة الحقيقية اليوم ليست بين المالكي والسوداني أو بين واشنطن وطهران، بل بين منطقين: منطق يرى العراق امتداداً لمحاور الحرب، ومنطق يحاول انتزاعه من هذا المصير. وحتى يتضح أي المنطقين سيفوز، ستظل بغداد تراقب دخان إسلام آباد، كما لو أنه إشارة مرور لمستقبلها السياسي. وفي انتظار ذلك، قد يتم اختيار رئيس الحكومة في بغداد قبل أن تتشكل الدولة التي يفترض أن يحكمها. وهذه، في النهاية، هي المعضلة العراقية الأكثر قسوة.
العراق، في هذه اللحظة، ليس مجرد متأثر بالحرب، بل ساحة فرعية من ساحاتها. ولهذا لم يعد اختيار رئيس الحكومة في بغداد شأناً عراقياً صرفاً، بل صار جزءاً من حسابات أوسع، ولهذا يفسَّر تردد قوى الإطار التنسيقي في حسم مرشحها، ليس فقط بتضارب المصالح بين أجنحتها، بل أيضاً بانتظار ما ستؤول إليه مفاوضات إسلام آباد. فداخل هذا الانتظار إدراك شيعي عميق بأن نتائج التفاوض الأمريكي الإيراني ستعيد تعريف موازين النفوذ، ومن ثم تحدد ماهية رئيس الحكومة المطلوب: هل سيكون رجل تسوية يرضي واشنطن ويطمئن طهران، أم رئيساً ضعيفاً، كما وصفه الباحث عقيل عباس، «تمرر من خلاله القوى الإقليمية ما تريد».
ولعل المفارقة أن الحرب، بدل أن تدفع العراقيين إلى التعجيل في تشكيل حكومة قادرة على إدارة المخاطر، دفعت بعض القوى إلى تأجيل الحسم بانتظار صورة ما ستؤول اليه الأوضاع الإقليمية. وكأن بغداد قررت أن تنتظر ما إذا كانت التسوية ستولد في إسلام آباد قبل أن تولد حكومتها في المنطقة الخضراء. ليس هذا مجرد تعطيل تجاوز المدد الدستورية لتشكيل الحكومة، بل هذا اعتراف غير معلن بأن قرار اختيار رئاسة الحكومة ما زال رهينة توازنات خارجية، مهما ارتفع خطاب السيادة.
حكومة بغداد تتشكل على وقع مفاوضات خارج الحدود، وكأن بغداد تؤجل كتابة اسم رئيس وزرائها إلى حين انتهاء الآخرين من كتابة خرائطهم
ما يجري داخل الإطار التنسيقي يكشف هذا المعنى بوضوح. فالصراع بين استمرار محمد شياع السوداني، أو عودة نوري المالكي، أو الدفع باسم توافقي مثل باسم البدري، لم يعد صراع برامج، بل صراع تموضعات. الأمريكيون بعثوا بإشارات رفض صريحة لعودة المالكي، والإيرانيون، المنشغلون بحرب وجودية، يفضلون ـ وفق توصيف بعض المراقبين ـ رئيساً غير صدامي لا يربك حساباتهم. وبين هذا وذاك، يتحرك الإطار بحذر، لا يريد تحدي واشنطن، ولا كسر العلاقة مع طهران، وينتظر أن يحسم الخارج ما عجز الداخل عن حسمه.
ومع انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية في 11 نيسان/ابريل، انكسرت واحدة من أعقد حلقات الانسداد السياسي، بعدما ظل الخلاف الكردي بين أربيل والسليمانية يؤخر استكمال الاستحقاقات الدستورية، وبدا أن الأكراد، على خلاف القوى الشيعية، نجحوا في إنتاج تسوية اللحظة الأخيرة. بهذا المعنى انتقلت الكرة إلى ملعب الإطار التنسيقي، إذ لم يعد هناك ما يؤخر تسمية مرشح الكتلة الأكبر لرئاسة الحكومة سوى الانقسام داخل البيت الشيعي نفسه، أو انتظار ما ستسفر عنه حسابات الحرب ومفاوضات إسلام آباد. وهذا ما أضفى على التردد الحالي معنى سياسياً مختلفاً: لم يعد تأخيراً إجرائياً، بل بدا تعليقاً متعمداً للحسم إلى أن تتضح صورة الإقليم. لكن الحرب لم تؤجل تشكيل الحكومة فقط، بل غيّرت البيئة التي ستولد فيها هذه الحكومة. فالسوداني، الذي يقود حكومة تصريف أعمال، حاول منذ انفجار المواجهة تبني سياسة النأي بالنفس، مكرراً خطاب «العراق أولاً»، والسعي إلى منع انزلاق البلاد إلى حرب بالوكالة. غير أن هذه السياسة اصطدمت بواقع الدولة المزدوجة. فالفصائل المقربة من طهران لم تلتزم حياد الحكومة، ونفذت ضربات داخل العراق وخارجه، بعضها استهدف قواعد أمريكية، وبعضها اتسع إلى ساحات خليجية، بما وضع بغداد في موقع الدولة التي تُسأل عن أفعال لا تتحكم بها بالكامل. وهنا تتجلى المعضلة العراقية الأكثر تعقيداً: الحكومة تحاول النأي بالنفس، لكن جزءاً من القوة المسلحة يتحرك بمنطق آخر. وهذا ما جعل الحرب تكشف، مرة أخرى، هشاشة مفهوم السيادة في العراق. فحين تضرب الفصائل، ترد الولايات المتحدة، وحين ترد واشنطن، تُطالب الفصائل الحكومة باتخاذ موقف ضد الأمريكيين، لا ضد الحرب. وقد وصلت بعض هذه الجماعات إلى حد الصراخ، بأنها ليست مجرد فصائل، بل «تشكيل حكومي تابع للحشد الشعبي»، بما يعني أن الخلاف لم يعد بين الدولة واللادولة، بل داخل تعريف الدولة نفسها. لهذا فإن حكومة السوداني بدت أحياناً وكأنها تمشي فوق حقل ألغام سياسي وأمني، فهي من جهة مطالبة بمنع استخدام العراق كساحة حرب، ومن جهة أخرى عاجزة عن كبح كامل للفصائل المنخرطة في الصراع. وهذا ما جعل بعض التحليلات الغربية تعتبر أن بغداد لم تعد تدير سياسة حياد، بل سياسة «احتواء للعجز». وهي صياغة قاسية، لكنها ليست بعيدة عن الواقع.
الحرب أيضاً أعادت بعث صراعات النفوذ التقليدية بين واشنطن وطهران داخل المسرح العراقي. فالولايات المتحدة ترى أن أي حكومة عراقية جديدة يجب ألا تكون امتداداً لشبكات النفوذ الإيرانية، فيما تنظر طهران إلى رئاسة الحكومة باعتبارها أحد خطوط دفاعها المتقدمة في لحظة استنزاف إقليمي. وهكذا يتحول اختيار رئيس الحكومة من استحقاق دستوري إلى جزء من إعادة توزيع النفوذ بعد الحرب.
وليس من قبيل الصدفة أن يتزامن الجمود الحكومي العراقي مع الرهان على مفاوضات إسلام آباد. فهذه المفاوضات، مهما بدت بعيدة عن بغداد، تمثل في نظر كثير من قوى الإطار ميزان حرارة لما بعد الحرب: إذا خرجت بتفاهمات صلبة، قد ترجح خيار رئيس حكومة توافقي أقل التصاقاً بالمحاور. وإذا انهارت أو بقيت هدنة هشة، فقد يرتفع منطق المرشح الصدامي أو المرشح الضعيف المحكوم من القوى النافذة. في هذا السياق، يصبح «الدخان الأبيض» في إسلام آباد استعارة سياسية بقدر ما هو توصيف دبلوماسي. فالعراقيون لا ينتظرون فقط وقفاً لإطلاق النار بين واشنطن وطهران، بل ينتظرون إشارة إلى شكل النظام الإقليمي الذي ستولد في ظله حكومتهم. وهذه مفارقة عراقية خالصة: حكومة تتشكل على وقع مفاوضات خارج الحدود، وكأن بغداد تؤجل كتابة اسم رئيس وزرائها إلى حين انتهاء الآخرين من كتابة خرائطهم. لكن الأخطر أن استمرار هذا الانتظار يفاقم كلفة الحرب على الداخل العراقي. الاقتصاد يضغط، صادرات النفط تتراجع بشكل كارثي، المخاوف من اضطراب المضائق تلقي ظلالها، والاستحقاقات الاجتماعية مؤجلة. وفي مثل هذه اللحظات لا يكون الفراغ السياسي حياداً، بل خسارة مركبة. لذلك لا تبدو أزمة الحكومة اليوم مجرد خلاف أسماء، بل أزمة توقيت تاريخي.
ولعل أكثر ما تكشفه هذه اللحظة هو أن العراق ما زال يعيش بين دولتين: دولة تريد البقاء على مسافة من الحرب، ودولة أخرى، موازية أو متداخلة، ترى في الحرب امتداداً لمعركتها. وبين الاثنتين يقف السوداني، محاولاً منع الانفجار، فيما تتقدم الفصائل أحياناً أبعد مما تحتمل حسابات الحكومة. هذه ليست أزمة رجل، بل أزمة بنية حكم كاملة. وإذا كانت بعض القوى تراهن على أن نتائج إسلام آباد ستمنحها مرشحاً مقبولاً من الجميع، فإن التجربة العراقية تقول إن التسويات التي تأتي من الخارج، غالباً ما تنتج حكومات تؤجل الانفجار ولا تحله. لأن المشكلة ليست فقط من سيكون رئيس الوزراء، بل أي دولة سيرأس.
ربما لهذا تبدو المعركة الحقيقية اليوم ليست بين المالكي والسوداني أو بين واشنطن وطهران، بل بين منطقين: منطق يرى العراق امتداداً لمحاور الحرب، ومنطق يحاول انتزاعه من هذا المصير. وحتى يتضح أي المنطقين سيفوز، ستظل بغداد تراقب دخان إسلام آباد، كما لو أنه إشارة مرور لمستقبلها السياسي. وفي انتظار ذلك، قد يتم اختيار رئيس الحكومة في بغداد قبل أن تتشكل الدولة التي يفترض أن يحكمها. وهذه، في النهاية، هي المعضلة العراقية الأكثر قسوة.
نيسان ـ نشر في 2026/04/27 الساعة 00:00