الحوار الإنساني ضرورة لأمن العالم

سعيد الشهابي
نيسان ـ نشر في 2026/04/27 الساعة 00:00
يشكّل الموقف تجاه الإسلام تحدّيا كبيرا لمقولات عديدة منها: حرّيّة التعبير، حرّيّة الاعتقاد، الحفاظ على السلم الاجتماعي وكذلك التعدد الثقافي والتعايش بين الأديان. هذه حقيقة يدركها بشكل كبير دهاقنة السياسة الغربيون وصنّاع القرار، وكذلك مدراء أجهزة الأمن في العالم الغربي.
ومع تزايد أعداد المسلمين في الغرب وفي العالم، لم تعد هناك الفواصل الجغرافية أو المادّيّة بين أتباع الديانات، بل أصبحوا يتعايشون معًا في العواصم الكبرى ويتفاعلون معًا في الدوائر التجارية والشركات المتعدّدة الجنسية. وليس جديدا القول بوجود تباينات واسعة إزاء الموقف من الإسلام والتعامل مع المسلمين. وهذا أمر مألوف ومفهوم لا يمثل تهديدا مباشرا للإسلام أو أتباعه طالما بقي ضمن الأطر الفكرية والمعرفية. ولكن الخطر يتفاقم حين تطغى عقلية استئصال الآخر المختلف فكريّا أو دينيّا، وهي عقلية مدمّرة لأنها تعمل خارج الأطر القانونية وتوسّع دوائر الاختلاف لتحوّل الأمر إلى صراع وجودي يهدّد أمن البشر بمختلف أصنافهم واعتقاداتهم. ومن الضرورة بمكان ترويج قيم الحوار المؤسّس على المنطق والبرهان والدليل. وأدب الحوار حاجة ملحّة في مجتمع اليوم مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتداخل مصالح الدول والشعوب. إنه عالم يلعب فيه ما يسمى الذكاء الاصطناعي دورا كبيرا يُتوقع أن يتوسّع وقد يتحوّل إلى واحدة من أدوات الصراع الفكري والسياسي في العالم. فهو ليس ذكاء طبيعيا أو فطريا، بل، كما يشير اسمه، ذكاء مصطنع، يتأثر بما يُغذّى به من معلومات يقدّمها العقل البشري وليست مستوحاة من الغيب أو الفطرة. وليس مستبعدا أن يكون الحكم مستقبلا آليًّا، وذلك للتلاشي التدريجي للإرادة البشرية وتنمّر التطوّر التكنولوجي الذي أنتج الذكاء الاصطناعي. وبرغم تراكم الدراسات حول تأثير ذلك على الجنس البشري مستقبلا، والتحذيرات بشأن تغوّل الذكاء الاصطناعي، ما يزال القلق سيد الموقف، مع غياب المبادرات لصياغة سياسات فاعلة لحماية موقع الإنسان في عالم يهيمن عليه الذكاء الاصطناعي.
وفي الأسبوع الماضي شاهد الملايين مقطعا من لقاء تلفزيوني بين الإعلامي المعروف، بيرس مورغان والناشطة اليمينية المتطرفة من أصل كولومبي، فالنتينا جوميز، التي هاجمت الإسلام بلغة استفزازية وعدوانية بلا حدود. فما كان من مورغان إلا أن قال لها: إنك مقزّزة، معادية للإسلام، متعصبة، تكرهين ملياري مسلم يعيشون على هذا الكوكب بسبب دينهم، عارٌ عليك». والسؤال هنا: هل موقف هذه السيّدة ناجم عن جهل أم عصبية عمياء؟ أيا كان الجواب، فمن المؤكد أن هناك على ظهر هذا الكوكب من يشاطرها الأفكار والمواقف. والمشكلة ليس في رفضها الإسلام، فهذا حق طبيعي للبشر، ولكن المرفوض في هذا النوع من الخطاب انطلاقه بلغة الكراهية والحقد إلى الحد الذي يدفع البعض للاعتداء والقتل واستهداف المقدسات الدينية بدون حدود. وما الاعتداء على أماكن العبادة الدينيّة إلا ضمن محاولات خلخلة المجتمع ومنع توافقه وتعميق مشاعر الشك والكراهية في نفوس البشر تجاه بعضهم البعض. كما أن المزعج أن يكون بعض البشر في هذا العالم يتحدث بلغة تخلو من الإنسانية والمنطق، وتتصل بالمشاعر الشيطانية التي قد تدفعه لاقتلاع الحرث والنسل. وهذا المستوى من الشعور يعتبر «فسادا» كما قال القرآن الكريم: «وإذا تولّى سعى في الأرض ليُفسد فيها ويُهلك الحرث والنسل، والله لا يحبّ الفساد.»
الأمر المؤكّد أن التباغض والتحاقد وغياب التحمل كلها صفات لا تنسجم مع المقولات المتحضّرة حول حرّيّة التعبير والتحمل والتعايش السلمي والمساواة. وبهذا يصبح البعض عنصرا مثيرا للاضطراب الذي كثيرا ما يصاحبه العنف.
لماذا تتصاعد التوجهات العدائية بين البشر خصوصا على أسس دينية؟ لماذا يستهدف البعض دور العبادة كالمساجد والكنائس والمعابد اليهودية والهندوسية؟ فهل يعتقد من يفعل ذلك أنه سوف يلغي الآخر تماما؟ هل يمكن القضاء على ظاهرة الاختلاف الفكري بين البشر؟ لذلك جعل الله ظاهرة التدافع بين البشر (أي التسابق من أجل البقاء) كفيلة بمنع الاحتراب الداخلي الذي يقضي على الظاهرة الدينية: «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض، لهدّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها الله كثيرا، ولينصرنّ الله من ينصره، إن الله لقويّ عزيز»
التباغض والتحاقد وغياب التحمل كلها صفات لا تنسجم مع المقولات المتحضّرة حول حرّيّة التعبير والتحمل والتعايش السلمي والمساواة
الحقيقة المهمّة التي تطرح عند الحديث عن الحوار أنّ القليلين من البشر هم الذين يشاركون فيه بهدف الاطّلاع وزيادة المعرفة، بينما يهدف الكثير من المتحاورين لإثبات الذات ودحر الخصم. ولذلك كثيرا ما تكون الحقيقة هي الضحية الأولى في ما يطلق عليه «الحوار». والعصبية من أكثر الآفات فتكا، خصوصا أنها في أغلب الأحيان غير ملموسة بشكل واضح. فحين يصرّ الشخص على موقفه، فقد يفعل ذلك بدافع الحرص على الدفاع عما يعتبره «حقيقة». وفي عالم يتحكم في مساراته كبار الساسة الغربيين، والكثيرون منهم لا يتمتعون بمستوى معرفيّ لائق أو أرضية أخلاقية متماسكة، تبدو الحقيقة هي الضحيّة الأولى في الصراع الدولي. وبرغم جهود الفلاسفة منذ أيام الإغريق والرومان للترويج لمنظومة حكم قائمة على المعرفة، فقد جاءت مقولة «الديمقراطية» لتنسف تلك القاعدة. فمن النادر أن تنتج هذه الديمقراطية قادة ومشرّعين يملكون قدرات علمية وعقلية خارقة، لأن السباق الديمقراطي ملوّث عادة بالمال والدعاية الإعلامية والانتماء الحزبي أو الفئوي. لذلك لا يمكن أن تتحقق في عالم اليوم «جمهورية أفلاطون» التي يحكمها الملك الفيلسوف. بل أن الدولة الحديثة في الغرب أكثر ميلا لنظرية توماس هوبز التي احتوتها أطروحته الفلسفية في العام 1651، والتي شرحها في كتابه «التنّين»، إذ يصبح هذا الوحش الضامن الأقوى لمسارها. وفي أغلب السجالات الفلسفية يُطرح البعد الديني للدّولة، ويتم ربط أطروحات الحكم بالموروث اللاهوتي خصوصا المرتبط بالكنيسة. بينما المشروع السياسي الإسلامي يفوّض الإنسان بممارسة السلطة، وليس استملاكها، لكي ينسجم مع رسالة السماء التي تروّج العدل والمساواة وتحترم القيمة الإنسانية، وتحرّم التسلّط المطلق وممارسة العنف ضد الآخر. فقد حصر الله السلطة الحقيقية بيده. قال تعالى: «إن الحكم إلا لله، أمر ألا تعبدوا إلا إياه، ذلك الدين القيّم». وقال تعالى: «ألا له الخلق والأمر».
لذلك يتسم الأفراد الذين يهاجمون الإسلام ويحرّضون ضده بجهل مطبق، فالقليلون منهم اطّلعوا على فكر الإسلام وتشريعاته، وبنوا مواقفهم تارة على ما لديهم من موروث ثقافي مختلط بالعصبية العرقية والعُقد التاريخية، وأخرى على المقولات الشعبوية التي تُطلق جُزافا وتؤسّس على الجهل، وثالثة على المصالح الآنيّة وليس على المبادئ والقيم. ويعتمد هؤلاء على أساليب الإثارة والضجيج والتشويش، وليس على الفكر والمنطق والدليل. وهنا تكمن المصيبة. فكيف يتحاور الفيلسوف مع الجاهل؟ وهنا يجدر التأكيد على متانة ظاهرة الحوار الدّيني عبر التاريخ، وهو حوار يخترق الحدود الجغرافية والثقافية والعرقية. ويكشف القرآن الكريم عمق الحوار المطلوب، من خلال سرد قصص الأنبياء وتجاربهم مع أقوامهم، والاستطراد في وصف تجارب كل منهم. فماذا يعني ورود اسم النبي موسى عليه السلام 136 مرّة في القرآن الكريم، واسم نوح 43 مرّة، واسم ابراهيم 69 مرّة، واسم عيسى عليه السلام 25 مرّة؟ بينما لم يرد اسم النبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام إلا أربع مرّات، وهو الذي أنزل عليه القرآن الكريم وليس غيره؟ إن في ذلك تأكيدا على الحوار التاريخي بين الأديان، وهو حوار يهدف لجمع البشر على أرضية التوحيد للارتفاع بمستواهم الفكري والرّوحي بدلا من انغماسهم في اللذّات والمستويات الهابطة من السجالات الشخصية.
وثمة قول مأثور: «الحكمة ضالّة المؤمن، أنّى وجدها فهو أحقّ بها». إنها دعوة للبحث عن الحكمة، أي المعرفة العميقة البعيدة عن الضوضاء والشائعات. إنها الطريق للمعرفة والعلم، وهي ما تحتاجه الأمة خصوصا في ظروف الجفاف الفكري والمعرفي، فليكن ذلك شعار المرحلة، لكي يتوفر تراث ذو قيمة للأجيال، وبذلك تتلاشى مظاهر الجهل والتخلف.
    نيسان ـ نشر في 2026/04/27 الساعة 00:00