كيف نُعيد تشكيل المدراء ليقودوا عالماً لم يكتمل بعد؟

د. صالح سليم الحموري
نيسان ـ نشر في 2026/04/27 الساعة 00:00
في نهاية كل برنامج تدريبي، تُوزَّع الاستبانات، وتُكتب التقارير بلغة مطمئنة: "البرنامج ناجح" .لكن السؤال الذي نادراً ما يُطرح بصدق هو: ماذا تغيّر فعلاً؟
هل عاد القائد إلى مكتبه بطريقة تفكير مختلفة؟
هل أصبحت قراراته أكثر نضجاً؟
أم أن ما حدث لم يكن سوى تجربة مؤقتة انتهت بانتهاء القاعة؟
هذا ليس سؤالاً هامشياً، بل هو جوهر الأزمة.
النموذج التقليدي لم يعد كافياً، الحقيقة التي لم يعد بالإمكان تجاهلها: العالم لا ينتظر قائداً "يحضر دورة"، بل يحتاج قائداً "يتحوّل".
لقد تغيّرت طبيعة القرار نفسه. لم يعد يُبنى على معطيات مستقرة، بل على متغيرات متسارعة تتداخل فيها التكنولوجيا مع الاقتصاد، والسياسة مع السلوك، والبيانات مع القيم الإنسانية.
في هذا السياق المعقّد، لم تعد المهارات التقنية هي الفارق الحقيقي، بل المهارات التي لا تُبرمج: الحكم الرشيد، الذكاء العاطفي، والقدرة على اتخاذ القرار في ظل الغموض.
والمفارقة أن كثيراً من برامج تطوير القيادات لا تزال قائمة على منطق "نقل المعرفة"، بينما جوهر القيادة هو "تغيير السلوك". وهنا يكمن أصل المشكلة.
المعرفة سهلة: تُقرأ، تُعرض، ثم تُنسى. أما السلوك، فيتطلب بيئة، وتجربة، وتكراراً، وتغذية راجعة حقيقية.
لهذا، فإن ما يُكتسب في القاعات نادراً ما ينتقل إلى الواقع؛ لأن البيئة لا تدعم التطبيق، ولأن ضغط العمل اليومي يمحو أثر التعلّم بسرعة.
وهنا يجب أن يتغير السؤال جذرياً: ليس "ماذا نُدرّب؟" بل "كيف نُنمّي؟"
القائد لا يتشكل في القاعات بقدر ما يتشكل في الميدان.
تشير الأبحاث إلى أن:
٧٠٪ من تعلّم القادة يحدث عبر مواجهة التعقيد واتخاذ قرارات حقيقية،
و٢٠٪ عبر الحوار والتغذية الراجعة،
و١٠٪ فقط عبر التعلم المنظم.
المعرفة شرارة… لكنها ليست التحوّل.
جاء الذكاء الاصطناعي ليعيد تعريف كيف نتعلّم.
لم يعد التعلم حدثاً مجدولاً، بل تدفقاً مستمراً يحدث لحظة الحاجة.
يمكن للقائد اليوم الحصول على تحليل، ومحاكاة، وتغذية راجعة فورية — وهو في قلب العمل.
لكن هناك وهماً يجب تجاوزه: القيمة ليست في الأداة، بل في وعي استخدامها.
الذكاء الاصطناعي يُحسن الإجابة، ويُسرّع التحليل، ويرصد الأنماط —
لكنه لا يتحمّل القرار، ولا يدرك ثقل المسؤولية، ولا يفهم معنى القيادة عندما تكون المؤسسات والناس على المحك.
هنا يعود دور القائد الإنساني:
ليس كمتلقٍ للمعرفة، بل كحارس للمعنى.
المعادلة الجديدة: في التعليم التنفيذي للقيادات في كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية، انطلقنا من هذه القناعة لإعادة تصميم التعليم التنفيذي.
لم ننتقل من محتوى إلى محتوى أفضل، بل من نقل المعرفة إلى بناء المهارات داخل سياقها الحقيقي.
المعادلة القديمة كانت: برنامج + محتوى + مدرّب
أما اليوم فأصبحت: تجربة + سياق + استمرارية + دعم ذكي
القائد لا يحتاج برنامجاً تدريبياً، بل يحتاج نظام تعلّم يضعه في مواقف حقيقية، ويدعمه إنسانياً، ويزوّده بالمعرفة في اللحظة التي يحتاجها.
في هذا النموذج، يصبح الخطأ جزءاً من التعلم، وتتحول بيئة العمل إلى مختبر حي، لا قاعة اختبار.
وهنا تتغير وظيفة المؤسسة: من مقدّم تدريب… إلى مهندس تجربة تعلّم.
السؤال الذي لا يمكن تأجيله: التحدي الحقيقي ليس تقنياً، بل ثقافي في جوهره:
هل نحن مستعدون للانتقال من قياس "عدد الساعات التدريبية" إلى قياس "أثر القرار"؟
من الاحتفاء بعدد المشاركين إلى الاحتفاء بعمق التحوّل؟
المستقبل لن يكون لمن يُدرّب أكثر، بل لمن يُحوّل أكثر.
وفي لحظة صادقة — بعيداً عن الاستبانات والتقارير — يبقى السؤال الأصعب:
هل نطوّر قادة… أم ننتج حضوراً شكلياً للقيادة؟
في عصر الذكاء الاصطناعي، لم يعد السؤال:
كيف ندرّب القادة؟
بل أصبح أعمق: كيف نعيد تشكيلهم… ليقودوا عالماً لا يزال في طور التكوّن؟
    نيسان ـ نشر في 2026/04/27 الساعة 00:00