المسيّرات التركية: سلاح يعيد رسم خرائط القوة
نيسان ـ نشر في 2026/04/28 الساعة 00:00
قررت تركيا إنشاء مصانع لصنع الطائرات المسيرة الدرون في 81 مقاطعة من البلاد، وبالتالي لإنتاج مئات الآلاف عند الحاجة الحربية، ويعتبر هذا القرار من أكبر التطورات في الشرق الأوسط، وربما في الحرب مستقبلا، بحكم أن التطور العسكري يعني فرض واقع جديد، كما كان الحال مع تأثيرات الصاروخ الإيراني في الشرق الأوسط.
وتعتبر تركيا من الدول المتقدمة في صنع الطائرات المسيرة، بفضل شركة بيقار التي تصنع نسخ الدرون بيرقدار، الذي تقتنيه عدد من دول العالم، وبدأت تفتح مصانع للتركيب في أوكرانيا والسعودية وأخرى للصيانة في المغرب، في أفق التصنيع. وها هي إيطاليا ستكون أول دولة غربية ضمن السبع الكبار التي ستشتري درونات تركية من نوع «بيرقدار تي بي 3» الجديدة، لاستعمالها في حاملة الطائرات «كافور»، في حين أن دولا أخرى مثل فرنسا وألمانيا ما زالت رهينة الكبرياء التاريخي بعدم قبول فكرة شراء السلاح من دولة من أمم الجنوب (تركيا) على الرغم من الحاجة الملحة لهذا السلاح.
القرار التركي بتعميم صناعة الدرون في 81 مقاطعة تركية، بمعنى في مجموع البلاد، هو الأول من نوعه في تاريخ الصناعة الحربية، ذلك أن الصناعات العسكرية عادة ما تكون متمركزة في منطقة معينة، لكن الآن يحدث العكس. وبما أن مفهوم الحرب قد تغير، وبما أن دول مثل تركيا لديها من خريجي الجامعات في الرياضيات والفيزياء والذكاء الاصطناعي وصناعة الصلب والتصميم الصناعي عشرات الآلاف سنويا، لا تجد صعوبة تذكر في تطبيق هذه الاستراتيجية. وهنا، نفهم أهمية البحث العلمي بالنسبة للدول، حيث إن تركيا تعتبر من الدول الأكثر إنفاقا في البحث العلمي، ونجحت في ولوج لائحة العشرين الأوائل عالميا التي تنشر مقالات علمية، شأنها شأن إيران التي لديها الاستراتيجية نفسها. عالم المسيرات أصبح مثيرا للغاية لأنه عماد حرب الحاضر وركيزة حروب المستقبل والسلاح القادر على إحداث تغييرات كبيرة في مفهوم الحروب، ويجعل الحروب غير المتكافئة في القوة تحمل مفاجآت حقيقية. ومن ضمن المشاريع المذهلة في عالم الطائرات المسيرة، هو كيف يخطط البنتاغون لجعل حاملات الطائرات الأمريكية وسفن كبيرة تتوفر على مصانع للمسيرات، وذلك لعدم انتظار وصول الإمدادات العسكرية خلال الحرب، بل تصنيعها مباشرة. ومن جانبها، تطرح الدراسات العسكرية الصينية صنع درونات صغيرة الحجم ما بين حجم الطائر الكبير الى النحلة، لتنفيذ هجمات دقيقة وتعطيل محطات رادارات وبنيات عسكرية ومدنية، ولا يمكن لأي رادار رصد هذه الدرونات صغيرة الحجم.
عالم المسيرات عماد حرب الحاضر وركيزة حروب المستقبل والسلاح القادر على إحداث تغييرات كبيرة في مفهوم الحروب، ويجعل الحروب غير المتكافئة في القوة تحمل مفاجآت حقيقية
بالعودة إلى تركيا، فإن قرار توسيع قدرات تصنيع الطائرات المسيّرة عبر مختلف مناطق البلاد، يُفهم أساساً على أنه توسيع للقاعدة الصناعية والتكنولوجية، بحيث لا تظل هذه الصناعة مركّزة في عدد محدود من مناطق البلاد. هذا التوجه يمنح أنقرة مرونة أكبر في الإنتاج، وقدرة على الاستجابة السريعة في حالات الطوارئ، أي الحرب وكذلك توظيف الدرونات في مجالات أخرى مثل الزراعة. وهذه الكثافة من المسيرات ستجعل مختلف أنظمة الدفاع الجوي للعدو عاجزة عن مواجهة عشرات الآلاف من الدرونات التي ستنطلق دفعة واحدة وكأنها أسراب من الجراد. وتعني تركيا بهذه الاستراتيجية كلا من اليونان، التي تعتبرها عدوا رئيسيا بسبب النزاع حول مجموعة من الجزر والتاريخ الشائك بينهما. كما تعني إسرائيل التي بدأت في شيطنة تركيا بأنها خطر على الأمن القومي للكيان، بسبب دعمها لفلسطين وتقدمها العسكري ويدعي الصهاينة أنه يجب أن تكون تركيا رفقة مصر هي المقبلة بعد إنهاء الحرب ضد إيران.
إن إصرار كل دولة على تطوير صناعتها العسكرية الخاصة بها، بدل الرهان على صفقات مع دول ثالثةـ يعكس درجة عالية من الاستقلالية في قرارها السياسي والعسكري، خصوصا في منطقة الشرق الأوسط، التي تشكل ساحة تنافس ومطامع للقوى الكبرى، إضافة إلى مشاريع توسعية مثل ما يُعرف بـ»إسرائيل الكبرى». ولا يقتصر الأمر على الاستقلالية فحسب، بل يمتد ليشمل تعزيز النفوذ الخارجي، ذلك أن صفقات السلاح تعدّ من أهم أدوات بناء العلاقات الاستراتيجية، وتوسيع دائرة التأثير الخارجي لأي دولة. وفي هذا السياق، يصعب فهم تنامي حضور تركيا في عدد من الدول الافريقية بمعزل عن التعاون العسكري وصفقات التسليح التي أبرمتها مع تلك الدول. ومع ذلك، يبقى العامل الحاسم هو أن امتلاك صناعة عسكرية وطنية، يمنح الدول القدرة على الدفاع عن نفسها بشكل مستقل، بعيدا عن قيود وشروط صفقات السلاح الغربية التي تخضع في كثير من الأحيان لاعتبارات سياسية، لاسيما من قبل الولايات المتحدة.
إن تأمل ما تحققه الصناعة العسكرية في الشرق الأوسط في وقتنا الراهن، سيقف عند منعطفين، الأول وهو الصاروخ الإيراني الذي فرض واقعا جديدا في المعادلة الحربية، ويمكن التركيز على نقطتين في الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران وهما: ضرب الداخل الإسرائيلي بعدما بقي هذا الداخل محميا طيلة عقود، لاسيما إبان الحروب مع الدول العربية وهذا له تأثير نفسي كبير على الإسرائيليين، وثانيا، الصمود الإيراني في وجه أكبر آلة حربية عرفها التاريخ وهي الولايات المتحدة، ويكفي أن الصواريخ الإيرانية جعلت الأسطول الخامس بحاملات الطائرات والمدمرات، يتمركز خارج الخليج العربي لأول مرة. ويبقى المنعطف الثاني هو القفزة النوعية للصناعة العسكرية التركية بما حققته في الطائرات المسيرة إلى مستوى أن التكهنات في مجال الأسلحة تبرز أن تركيا ستكون أول دولة قادرة على صنع مسيرات تضاهي المقاتلات بفضل الدرون كيزيللما.
من زاوية حضارية، ما يعيشه الشرق الأوسط عبر إيران وتركيا من تصنيع حربي يمكن تفسيره بوعي البلدين بتاريخهما العريق الممتد إلى قرون طويلة، وأنه جاء الوقت لاستعادة ذلك التاريخ، وإحدى الطرق الرئيسية هي الصناعة العسكرية. بغض النظر عن النظريات في العلاقات الدولية، السلاح هو الذي يؤثر على مسار العلاقات الدولية ومكانة الدول، من امتلك سلاحه امتلك استمراره وهيبته.
وتعتبر تركيا من الدول المتقدمة في صنع الطائرات المسيرة، بفضل شركة بيقار التي تصنع نسخ الدرون بيرقدار، الذي تقتنيه عدد من دول العالم، وبدأت تفتح مصانع للتركيب في أوكرانيا والسعودية وأخرى للصيانة في المغرب، في أفق التصنيع. وها هي إيطاليا ستكون أول دولة غربية ضمن السبع الكبار التي ستشتري درونات تركية من نوع «بيرقدار تي بي 3» الجديدة، لاستعمالها في حاملة الطائرات «كافور»، في حين أن دولا أخرى مثل فرنسا وألمانيا ما زالت رهينة الكبرياء التاريخي بعدم قبول فكرة شراء السلاح من دولة من أمم الجنوب (تركيا) على الرغم من الحاجة الملحة لهذا السلاح.
القرار التركي بتعميم صناعة الدرون في 81 مقاطعة تركية، بمعنى في مجموع البلاد، هو الأول من نوعه في تاريخ الصناعة الحربية، ذلك أن الصناعات العسكرية عادة ما تكون متمركزة في منطقة معينة، لكن الآن يحدث العكس. وبما أن مفهوم الحرب قد تغير، وبما أن دول مثل تركيا لديها من خريجي الجامعات في الرياضيات والفيزياء والذكاء الاصطناعي وصناعة الصلب والتصميم الصناعي عشرات الآلاف سنويا، لا تجد صعوبة تذكر في تطبيق هذه الاستراتيجية. وهنا، نفهم أهمية البحث العلمي بالنسبة للدول، حيث إن تركيا تعتبر من الدول الأكثر إنفاقا في البحث العلمي، ونجحت في ولوج لائحة العشرين الأوائل عالميا التي تنشر مقالات علمية، شأنها شأن إيران التي لديها الاستراتيجية نفسها. عالم المسيرات أصبح مثيرا للغاية لأنه عماد حرب الحاضر وركيزة حروب المستقبل والسلاح القادر على إحداث تغييرات كبيرة في مفهوم الحروب، ويجعل الحروب غير المتكافئة في القوة تحمل مفاجآت حقيقية. ومن ضمن المشاريع المذهلة في عالم الطائرات المسيرة، هو كيف يخطط البنتاغون لجعل حاملات الطائرات الأمريكية وسفن كبيرة تتوفر على مصانع للمسيرات، وذلك لعدم انتظار وصول الإمدادات العسكرية خلال الحرب، بل تصنيعها مباشرة. ومن جانبها، تطرح الدراسات العسكرية الصينية صنع درونات صغيرة الحجم ما بين حجم الطائر الكبير الى النحلة، لتنفيذ هجمات دقيقة وتعطيل محطات رادارات وبنيات عسكرية ومدنية، ولا يمكن لأي رادار رصد هذه الدرونات صغيرة الحجم.
عالم المسيرات عماد حرب الحاضر وركيزة حروب المستقبل والسلاح القادر على إحداث تغييرات كبيرة في مفهوم الحروب، ويجعل الحروب غير المتكافئة في القوة تحمل مفاجآت حقيقية
بالعودة إلى تركيا، فإن قرار توسيع قدرات تصنيع الطائرات المسيّرة عبر مختلف مناطق البلاد، يُفهم أساساً على أنه توسيع للقاعدة الصناعية والتكنولوجية، بحيث لا تظل هذه الصناعة مركّزة في عدد محدود من مناطق البلاد. هذا التوجه يمنح أنقرة مرونة أكبر في الإنتاج، وقدرة على الاستجابة السريعة في حالات الطوارئ، أي الحرب وكذلك توظيف الدرونات في مجالات أخرى مثل الزراعة. وهذه الكثافة من المسيرات ستجعل مختلف أنظمة الدفاع الجوي للعدو عاجزة عن مواجهة عشرات الآلاف من الدرونات التي ستنطلق دفعة واحدة وكأنها أسراب من الجراد. وتعني تركيا بهذه الاستراتيجية كلا من اليونان، التي تعتبرها عدوا رئيسيا بسبب النزاع حول مجموعة من الجزر والتاريخ الشائك بينهما. كما تعني إسرائيل التي بدأت في شيطنة تركيا بأنها خطر على الأمن القومي للكيان، بسبب دعمها لفلسطين وتقدمها العسكري ويدعي الصهاينة أنه يجب أن تكون تركيا رفقة مصر هي المقبلة بعد إنهاء الحرب ضد إيران.
إن إصرار كل دولة على تطوير صناعتها العسكرية الخاصة بها، بدل الرهان على صفقات مع دول ثالثةـ يعكس درجة عالية من الاستقلالية في قرارها السياسي والعسكري، خصوصا في منطقة الشرق الأوسط، التي تشكل ساحة تنافس ومطامع للقوى الكبرى، إضافة إلى مشاريع توسعية مثل ما يُعرف بـ»إسرائيل الكبرى». ولا يقتصر الأمر على الاستقلالية فحسب، بل يمتد ليشمل تعزيز النفوذ الخارجي، ذلك أن صفقات السلاح تعدّ من أهم أدوات بناء العلاقات الاستراتيجية، وتوسيع دائرة التأثير الخارجي لأي دولة. وفي هذا السياق، يصعب فهم تنامي حضور تركيا في عدد من الدول الافريقية بمعزل عن التعاون العسكري وصفقات التسليح التي أبرمتها مع تلك الدول. ومع ذلك، يبقى العامل الحاسم هو أن امتلاك صناعة عسكرية وطنية، يمنح الدول القدرة على الدفاع عن نفسها بشكل مستقل، بعيدا عن قيود وشروط صفقات السلاح الغربية التي تخضع في كثير من الأحيان لاعتبارات سياسية، لاسيما من قبل الولايات المتحدة.
إن تأمل ما تحققه الصناعة العسكرية في الشرق الأوسط في وقتنا الراهن، سيقف عند منعطفين، الأول وهو الصاروخ الإيراني الذي فرض واقعا جديدا في المعادلة الحربية، ويمكن التركيز على نقطتين في الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران وهما: ضرب الداخل الإسرائيلي بعدما بقي هذا الداخل محميا طيلة عقود، لاسيما إبان الحروب مع الدول العربية وهذا له تأثير نفسي كبير على الإسرائيليين، وثانيا، الصمود الإيراني في وجه أكبر آلة حربية عرفها التاريخ وهي الولايات المتحدة، ويكفي أن الصواريخ الإيرانية جعلت الأسطول الخامس بحاملات الطائرات والمدمرات، يتمركز خارج الخليج العربي لأول مرة. ويبقى المنعطف الثاني هو القفزة النوعية للصناعة العسكرية التركية بما حققته في الطائرات المسيرة إلى مستوى أن التكهنات في مجال الأسلحة تبرز أن تركيا ستكون أول دولة قادرة على صنع مسيرات تضاهي المقاتلات بفضل الدرون كيزيللما.
من زاوية حضارية، ما يعيشه الشرق الأوسط عبر إيران وتركيا من تصنيع حربي يمكن تفسيره بوعي البلدين بتاريخهما العريق الممتد إلى قرون طويلة، وأنه جاء الوقت لاستعادة ذلك التاريخ، وإحدى الطرق الرئيسية هي الصناعة العسكرية. بغض النظر عن النظريات في العلاقات الدولية، السلاح هو الذي يؤثر على مسار العلاقات الدولية ومكانة الدول، من امتلك سلاحه امتلك استمراره وهيبته.
نيسان ـ نشر في 2026/04/28 الساعة 00:00