أعمق من حفرة حي التضامن
نيسان ـ نشر في 2026/04/28 الساعة 00:00
من حق السوريين أن يفرحوا بخبر إلقاء القبض على جزار حي التضامن أمجد يوسف. فأحد مقاطع الفيديو الذي نشر، في العام 2022، وظهر فيه هذا الجزار وهو يلقي برجال ونساء مكبلي الأيدي، معصوبي العيون، في الحفرة ويطلق عليهم النار، ثم يشعل النار في مجموع الضحايا، كان من البشاعة ما يثير الغثيان والغضب والرغبة في الاقتصاص منه ومن كانوا معه من العناصر، وبالطبع من كامل التراتبية الأمنية وصولاً إلى رأس سلطة الإجرام بشار الأسد وأركان حكمه.
كانت تلك المجزرة مثالاً نموذجياً لعدد لا يحصى من المجازر التي ارتكبها نظام الأسد طوال سنوات الثورة والحرب، وربما هي الأبشع من بين الموثقة منها بهذا الوضوح. لذلك يأمل السوريون أن تتحول، هي ومرتكبوها إلى أمثولة تتكفل بعدم تكرار وقوع مجازر مماثلة في المستقبل. فهل استقبل السوريون بعامة هذا الحدث بهذه الروحية؟ للأسف لا. فقد غلب على ردود أفعالهم على وسائل التواصل الاجتماعي خطاب عدواني يحصر الموضوع في هوية المرتكب وهوية الضحايا. كانت لافتة بصورة مرعبة ردود الفعل على منشور يعلق فيه الإسلامي المعتدل محمد حبش على الحادثة من خلال المقارنة بين مجزرة حي التضامن ومجزرة مدرسة المدفعية في حلب التي وقعت في العام 1979 ورد عليها نظام حافظ الأسد بمجازر في حلب وحماة وجسر الشغور وسجن تدمر وغيرها. تلك المجزرة الطائفية الصريحة التي أطلقت حرب الأسد الأولى على السوريين التي استمرت عامين، لكن مفاعيلها مستمرة إلى اليوم من حيث الشرخ الوطني العميق الذي تسببت به. الهجوم على حبش، إضافة إلى وقائع كثيرة مماثلة، يظهر أن ذلك الشرخ المشار إليه، وقد تعمق أكثر أثناء سنوات الثورة والحرب، وتجددت أسبابه بعد مجازر الساحل والسويداء في سوريا ما بعد الأسد، هو الحفرة الأعمق من حفرة التضامن. وبدلاً من تحويل هذه الأخيرة إلى أمثولة لعدم تكرارها نرى أنها تتحول إلى ضخ مزيد من الكراهية في الجسم الاجتماعي.
كانت تلك المجزرة مثالاً نموذجياً لعدد لا يحصى من المجازر التي ارتكبها نظام الأسد طوال سنوات الثورة والحرب
وترافق خبر إلقاء القبض على أمجد يوسف مع خبرين آخرين: الأول هو بدء محاكمة عدد من رموز نظام الأسد، عاطف نجيب وآخرين، بمن في ذلك محاكمة غيابية لبشار الأسد وأخيه ماهر. والثاني هو عودة قائد جيش الإسلام سابقاً عصام بويضاني وشرعيّه سمير كعكة، بمعية رأس سلطة دمشق الانتقالية أحمد الشرع إلى دمشق، بعدما توسط الأخير لدى قادة دولة الإمارات لإطلاق سراحهما.
كلا الحدثين لهما صلة وثيقة بحدث اعتقال أمجد يوسف، وأثارا الجدل بأكثر مما أثار الاعتقال. فمحاكمة أركان النظام الساقط على عجل، قبل بناء قضية مكتملة الأركان، والأهم قبل إصدار قانون للعدالة الانتقالية من قبل مجلس تشريعي، لا يمكن أن تؤدي إلى الغاية المرجوة من فكرة العدالة الانتقالية، أي مداواة جراح الماضي واستعادة اللحمة الوطنية من خلال محاكمة بنية نظام أتاح حدوث ما حدث من إجرام طوال عقود، وإن تم تمثيله بعدد محدود من الأشخاص يتم القصاص منهم. كأن سلطة دمشق تريد فقط حصر الموضوع في مجموعة صغيرة من الأشرار خارج سياق نظام متكامل الأركان حكم سوريا لخمسة عقود ونيف بالحديد والنار.
أما إطلاق سراح بويضاني وكعكة واصطحابهما إلى دمشق ليتم ضمهما إلى بنية السلطة القائمة، مع معرفة السوريين للجرائم التي يعتبران مسؤولين عنها حين كان جيش الإسلام مسيطراً على منطقة الغوطة الشرقية، كما بعد نقل عناصره إلى الشمال، فهو مما يدفع للتساؤل المشروع عن معنى العدالة إذا كانت ستقوم بدلالة هوية المرتكبين وهويات الضحايا، لا بدلالة نوع الجريمة. بهذا المعنى يمكن القول إن فرحة كثير من السوريين بإلقاء القبض على سفاح حي التضامن لم تكتمل حين رأوا مشهد بويضاني وكعكة برفقة رأس السلطة الانتقالية، مع العلم أن بينه وبينهما ما صنع الحداد أثناء الحروب البينية التي جرت في الغوطة في العام 2015.
لا يمكن عزل هذه التطورات عن السياق المحيط بها، سياق ارتفاع أصوات الاحتجاجات الشعبية على تردي الأوضاع المعيشية بسبب خيارات السلطة في الشأن الاقتصادي – الاجتماعي، بما يشير إلى تآكل شعبيتها في الأوساط الأقرب إلى القبول بها. بكلمات أخرى ثمة شكوك مشروعة بشأن اختيار السلطة لهذا التوقيت للإعلان عن بدء محاكمة رموز النظام السابق، واعتقال أمجد يوسف، لامتصاص آثار الاحتجاجات المذكورة. وبهذه المناسبة لا بد من الإشارة إلى ردة الفعل المبالغ بها من «جمهور السلطة» على اعتصام 17 نيسان في دمشق. فقد كان كم التحريض على المعتصمين والاعتداء عليهم واتهامهم بأنهم «فلول» مهولاً بالقياس إلى الحدود المتواضعة التي وضعها المعتصمون لمطالبهم كما بالقياس إلى عدد المشاركين في الاعتصام. وبافتراض أنه فعلاً جمهور موال للسلطة مدفوع بمخاوفه عليها وليس بإيعاز منها، فهذا مما يثير القلق أكثر. لأنه وجه من وجوه الحفرة العميقة التي تمضي فيها سوريا «الجديدة».
كانت تلك المجزرة مثالاً نموذجياً لعدد لا يحصى من المجازر التي ارتكبها نظام الأسد طوال سنوات الثورة والحرب، وربما هي الأبشع من بين الموثقة منها بهذا الوضوح. لذلك يأمل السوريون أن تتحول، هي ومرتكبوها إلى أمثولة تتكفل بعدم تكرار وقوع مجازر مماثلة في المستقبل. فهل استقبل السوريون بعامة هذا الحدث بهذه الروحية؟ للأسف لا. فقد غلب على ردود أفعالهم على وسائل التواصل الاجتماعي خطاب عدواني يحصر الموضوع في هوية المرتكب وهوية الضحايا. كانت لافتة بصورة مرعبة ردود الفعل على منشور يعلق فيه الإسلامي المعتدل محمد حبش على الحادثة من خلال المقارنة بين مجزرة حي التضامن ومجزرة مدرسة المدفعية في حلب التي وقعت في العام 1979 ورد عليها نظام حافظ الأسد بمجازر في حلب وحماة وجسر الشغور وسجن تدمر وغيرها. تلك المجزرة الطائفية الصريحة التي أطلقت حرب الأسد الأولى على السوريين التي استمرت عامين، لكن مفاعيلها مستمرة إلى اليوم من حيث الشرخ الوطني العميق الذي تسببت به. الهجوم على حبش، إضافة إلى وقائع كثيرة مماثلة، يظهر أن ذلك الشرخ المشار إليه، وقد تعمق أكثر أثناء سنوات الثورة والحرب، وتجددت أسبابه بعد مجازر الساحل والسويداء في سوريا ما بعد الأسد، هو الحفرة الأعمق من حفرة التضامن. وبدلاً من تحويل هذه الأخيرة إلى أمثولة لعدم تكرارها نرى أنها تتحول إلى ضخ مزيد من الكراهية في الجسم الاجتماعي.
كانت تلك المجزرة مثالاً نموذجياً لعدد لا يحصى من المجازر التي ارتكبها نظام الأسد طوال سنوات الثورة والحرب
وترافق خبر إلقاء القبض على أمجد يوسف مع خبرين آخرين: الأول هو بدء محاكمة عدد من رموز نظام الأسد، عاطف نجيب وآخرين، بمن في ذلك محاكمة غيابية لبشار الأسد وأخيه ماهر. والثاني هو عودة قائد جيش الإسلام سابقاً عصام بويضاني وشرعيّه سمير كعكة، بمعية رأس سلطة دمشق الانتقالية أحمد الشرع إلى دمشق، بعدما توسط الأخير لدى قادة دولة الإمارات لإطلاق سراحهما.
كلا الحدثين لهما صلة وثيقة بحدث اعتقال أمجد يوسف، وأثارا الجدل بأكثر مما أثار الاعتقال. فمحاكمة أركان النظام الساقط على عجل، قبل بناء قضية مكتملة الأركان، والأهم قبل إصدار قانون للعدالة الانتقالية من قبل مجلس تشريعي، لا يمكن أن تؤدي إلى الغاية المرجوة من فكرة العدالة الانتقالية، أي مداواة جراح الماضي واستعادة اللحمة الوطنية من خلال محاكمة بنية نظام أتاح حدوث ما حدث من إجرام طوال عقود، وإن تم تمثيله بعدد محدود من الأشخاص يتم القصاص منهم. كأن سلطة دمشق تريد فقط حصر الموضوع في مجموعة صغيرة من الأشرار خارج سياق نظام متكامل الأركان حكم سوريا لخمسة عقود ونيف بالحديد والنار.
أما إطلاق سراح بويضاني وكعكة واصطحابهما إلى دمشق ليتم ضمهما إلى بنية السلطة القائمة، مع معرفة السوريين للجرائم التي يعتبران مسؤولين عنها حين كان جيش الإسلام مسيطراً على منطقة الغوطة الشرقية، كما بعد نقل عناصره إلى الشمال، فهو مما يدفع للتساؤل المشروع عن معنى العدالة إذا كانت ستقوم بدلالة هوية المرتكبين وهويات الضحايا، لا بدلالة نوع الجريمة. بهذا المعنى يمكن القول إن فرحة كثير من السوريين بإلقاء القبض على سفاح حي التضامن لم تكتمل حين رأوا مشهد بويضاني وكعكة برفقة رأس السلطة الانتقالية، مع العلم أن بينه وبينهما ما صنع الحداد أثناء الحروب البينية التي جرت في الغوطة في العام 2015.
لا يمكن عزل هذه التطورات عن السياق المحيط بها، سياق ارتفاع أصوات الاحتجاجات الشعبية على تردي الأوضاع المعيشية بسبب خيارات السلطة في الشأن الاقتصادي – الاجتماعي، بما يشير إلى تآكل شعبيتها في الأوساط الأقرب إلى القبول بها. بكلمات أخرى ثمة شكوك مشروعة بشأن اختيار السلطة لهذا التوقيت للإعلان عن بدء محاكمة رموز النظام السابق، واعتقال أمجد يوسف، لامتصاص آثار الاحتجاجات المذكورة. وبهذه المناسبة لا بد من الإشارة إلى ردة الفعل المبالغ بها من «جمهور السلطة» على اعتصام 17 نيسان في دمشق. فقد كان كم التحريض على المعتصمين والاعتداء عليهم واتهامهم بأنهم «فلول» مهولاً بالقياس إلى الحدود المتواضعة التي وضعها المعتصمون لمطالبهم كما بالقياس إلى عدد المشاركين في الاعتصام. وبافتراض أنه فعلاً جمهور موال للسلطة مدفوع بمخاوفه عليها وليس بإيعاز منها، فهذا مما يثير القلق أكثر. لأنه وجه من وجوه الحفرة العميقة التي تمضي فيها سوريا «الجديدة».
نيسان ـ نشر في 2026/04/28 الساعة 00:00