تحالف بينيت ولبيد: الطلقة الأولى في معركة انتخابية ساخنة

جمال زحالقة
نيسان ـ نشر في 2026/04/30 الساعة 00:00
في مؤتمر صحافي عقداه الأحد الماضي، أعلن المرشح لرئاسة الحكومة الإسرائيلية نفتالي بينيت، ورئيس المعارضة وزعيم حزب «يش عتيد» (يوجد مستقبل)، يئير لبيد عن دمج حزبيهما وتشكيل قائمة مشتركة باسم «بياحد (معا) بقيادة بينيت». كانت تلك طلقة البداية في معركة الانتخابات الإسرائيلية، التي من المتوقّع أن تجري في موعدها الرسمي يوم 27/10/2026، وإن كانت هناك بعض التكهنات بأنها ستجري قبل ذلك، وأخرى تذهب إلى أن نتنياهو سيجد الطريقة لتأجيلها إن أيقن أنّه سيخسرها. وينص الاتفاق بين الشريكين على أن يكون بينيت هو المرشح المشترك لرئاسة الحكومة وستكون لحزبه غالبية المقاعد في القائمة الانتخابية. وتبين أيضا أن حزب لبيد سيحصل على عشرة مقاعد في مواقع متقدمة، ما يضمن له إمكانية الانفصال وإقامة كتلة برلمانية مستقلة بعد الانتخابات، إذا قرر ذلك.
وفي إشارة إلى اتصالات مع رئيس الأركان السابق الجنرال جادي أيزنكوت، قال بينيت في المؤتمر الصحافي: «هذه خطوة كبيرة نحو إصلاح الدولة، وهي بالتأكيد ليست الأخيرة.. ستشهدون خطوات ومفاجآت أخرى، سوف تغيّر وجه البلاد». وطرح بينيت مجموعة التعهدات منها، تشكيل لجنة تحقيق رسمية حول إخفاقات السابع من أكتوبر 2023، وإصدار قانون تجنيد المتدينين التوراتيين (الحريديم)، وكذلك «عدم التنازل للعدو عن شبر واحد من الأرض». من جهته قال لبيد: «أنا أعرف أن بينيت يميني قح، لكنه يميني ليبرالي»، وأضاف: «نقف اليوم معا لنبدأ إصلاحا جذريا وللفوز بالانتخابات يجب على الوسط الإسرائيلي كلّه دعم بينيت».
غاب عن المؤتمر الصحافي، أي حديث عن طرح بديل سياسي عن نهج نتنياهو في غزة ولبنان وإيران والضفة الغربية. لم يتطرق الاثنان إلى الحرب، وإلى سياسة الجبهات المفتوحة، التي يتبعها نتنياهو، لأنّهما لا يطرحان بديلا سوى في القضايا الداخلية، وهما في الحقيقة من أكبر داعمي حرب الإبادة الجماعية والتدمير الشامل في غزة، ويدعوان إلى المزيد من الضربات على لبنان، وإلى سياسة أكثر تشدّدا تجاه إيران. ويظهر من متابعة تصريحاتهما ومن مواقف رؤساء المعارضة الإسرائيلية عموما، أن هؤلاء يجمعون على دعم «حروب إسرائيل»، وعلى تمجيد إنجازات الجيش و»جنودنا البواسل» وعلى التنديد بسياسات نتنياهو التي، كما يقولون، تبدّد هذه الإنجازات ولا تحوّلها إلى مكاسب فعلية على الأرض. في الحقيقة من الصعب إيجاد فروق جوهرية بين نتنياهو وبينيت، لكن الفرق الأهم ليس بينهما كشخصين، بل تحالفاتهما، فالأوّل يتحالف مع التيارات الدينية المتشددة، وبالأخص بن غفير وسموتريتش، والثاني من المتوقع أن يتشارك مع تيار الوسط واليسار الصهيوني، وهو لا يستطيع مثلا أن يعلن عن ضم الضفة الغربية، لأن ائتلافه سيسقط عندها فورا.
لماذا هذا التحالف
مثل معظم التحالفات السياسية، يقوم هذا التحالف على مصالح مشتركة. ويعود التوقيت ستة أشهر قبل الانتخابات، إلى خشية نفتالي بينيت من خسارة مركز الصدارة، مقابل جادي أيزنكوت، الذي تزداد شعبيته بشكل متواصل، وبدأ يقترب من المنافسة على قيادة معسكر معارضي نتنياهو، من حيث عدد المقاعد في الاستطلاعات، وتفضيل جمهور المستطلعين لمرشح بديل لنتنياهو. ويبدو أن التحالف الجديد هو خطوة في المنافسة على قيادة معسكر المعارضة، إذ يعتقد بينيت أن التحالف مع لبيد يقطع الطريق على أيزنكوت، ويمنحه هو قوة انتخابية أكبر ويرسخ مكانته كمرشح وحيد مقابل نتنياهو. وقال أحد المقرّبين من بينيت، إن أحد أهداف الحزب المشترك الجديد أيضا هو توجيه رسالة إلى الإدارة الأمريكية، بأن هناك عنوانا بديلا ومرشحا قويا مقابل نتنياهو، سيكون متعاونا مع واشنطن مثله وأكثر. ويأتي هذا الكلام على خلفية تدخل ترامب في ولايته الأولى لصالح نتنياهو من خلال منحه رزمة من الهدايا السياسية عشية الانتخابات للكنيست الإسرائيلي. من الصعب التكهّن بمسألة تدخل ترامب المباشر في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، فهو إلى الآن «اكتفى» بالضغط على الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ لإصدار عفو عن نتنياهو لوقف محاكمته. وفي كل الأحوال يبدو أن السلوك الأمريكي في المنطقة سيؤثر على شعبية نتنياهو في ميزان «النجاح والفشل» في الحرب.
تنقسم الساحة السياسية الإسرائيلية بين مؤيد لنتنياهو بلا حدود، ومعارضة تختلف على الكثير من الأمور، ولكنها تتفق وتتكتل للتخلّص من حكمه فصدمة 7 أكتوبر والإخفاقات في الحرب موضع خلاف شديد
وقد كانت القدرات المادية لحزب «يش عتيد» من أهم الدوافع التي شجعت بينيت على التحالف، إذ يملك هذا الحزب تمويلا ضخما تبعا لحجم تمثيله الحالي في الكنيست، كما أن لديه قاعدة تنظيمية متينة منتشرة في جميع المناطق، وهذا بالضبط ما ينقص حزب بينيت الجديد. ويبدو أن التحالف الجديد سيدفع بهذه القدرات الوازنة إلى ساحة المنافسة مع نتنياهو بدلا عن استثمارها في إنقاذ حزب «يش عتيد»، الذي بدأ ينحدر باتجاه السقوط تحت نسبة الحسم. أمّا لبيد فهو يسعى إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بعد انحسار شعبية حزبه وتراجعه من 24 عضو كنيست حاليا إلى 7 مقاعد في الاستطلاعات. ولكن العامل الحاسم، هو ما يقوله بينيت ويردده لبيد خلفه، بأن مرشحا من اليمين فقط قادر على إسقاط نتنياهو، عبر سحب أصوات يمينية من معسكره. ويعمل لبيد الآن على توسيع «معسكر بينيت»، داعيا الجنرال ايزنكوت للانضمام الى التحالف الجديد ومبديا الاستعداد للقبول بالموقع الثالث في القائمة الانتخابية، لإفساح المجال لمثل هذا الانضمام.
استطلاعات جرى العديد من الاستطلاعات في الأيام التي تلت الإعلان عن تشكيل حزب «بياحد» الجديد، وجاءت النتائج بالمجمل أقل قليلا من مجموع ما حصل عليه الحزبان في الاستطلاعات السابقة، ولم يؤد التحالف الجديد، إلى أي تغيير يذكر في قوة المعسكرين المتنافسين: المعسكر الداعم لنتنياهو والمعسكر المناهض لنتنياهو، وهذا التنافس هو ما يحسم الانتخابات وبناء عليه يتقرر من يكون رئيس الوزراء الإسرائيلي بعد الانتخابات المقبلة. ولكن في صالح التحالف أنه صار ينافس حزب الليكود على مكانة الحزب الأكبر، حيث حصل الحزبان على عدد متساو، أو قريب من المقاعد في خمسة استطلاعات مختلفة.
التحالف الجديد هو مغامرة سياسية، فمن الممكن أن تؤدي الكتلة الموحّدة إلى جذب مصوتين جدد وزيادة في القوة الانتخابية، ولكن من الممكن جدّا أن يكون العكس هو الصحيح، إذ قد يحصل هروب مصوتين من الطرفين: مصوتو يمين لا يقبلون بلبيد ومصوتو وسط لا يريدون الانجرار خلف تطرف بينيت اليميني. وقد يؤدي ذلك إلى زيادة قوة أحزاب ليبرمان وأيزنكوت من جهة، وقد يشجع ذلك المبادرة الى إقامة حزب يميني جديد لاصطياد «الهاربين»، ويجري الحديث فعلا عن إقامة حزب «ليكود ب» بقيادة شخصيات يمينية معروفة مثل جلعاد أردان ويولي أدلشتاين وموشيه كاحلون، وجميعهم من الليكود.
معركة ساخنة
ستشهد الساحة السياسية الإسرائيلية في الأشهر المقبلة تقلبات سياسية واصطفافات حزبية جديدة. وهناك إجماع على أن المنافسة ستكون شديدة بسبب طبيعة الملفات المطروحة في الانتخابات. وفي رأيي أن المعركة الانتخابية ستكون ساخنة وحتى عنيفة بشكل غير مسبوق. السبب أن القضايا المطروحة مشحونة وتحمل في طياتها مسائل خلافية مثيرة للتوتر والتصدع الداخلي، وليس مجرد تباينات عابرة في المواقف. ولعل أكثر القضايا إثارة للانفعالات هو من سيحكم؟ هل يبقى نتنياهو أم سيأتي مكانه قائد آخر؟ أنصار نتنياهو يعتبرون الخسارة «نهاية العالم»، ومعارضوه يرون فيها مسألة تقرر مصير الدولة وليس فقط مصير الحكومة، وتدل الاستطلاعات على أن ثلثهم يفكر في الهجرة إذا فاز نتنياهو. وتنقسم الساحة السياسية الإسرائيلية بين مؤيد لنتنياهو بلا حدود، ومعارضة تختلف على الكثير من الأمور، ولكنها تتفق وتتكتل للتخلّص من حكمه. كما أن مسألة صدمة السابع من أكتوبر والإخفاقات في الحرب هي موضع خلاف شديد. صحيح ان المعارضة تدعم الحرب، لكنّها توجه نقدا شديدا لنتنياهو لفشله في تحقيق الأهداف التي وضعها. وما زال الصراع حول طبيعة الحكم والانقلاب على الجهاز القضائي تثير الأسئلة الوجودية في الشارع الإسرائيلي.
الاستطلاعات تشير حاليا إلى أن نتنياهو بعيد عن تحقيق الأغلبية البرلمانية، التي يتمتع بها اليوم، لكن الأشهر القريبة ستأتي بتحولات قد تغير الأوضاع. فهناك قوائم لا تعبر نسبة الحسم، ومن المرجّح أنها ستشارك في تحالفات جديدة تنقذها من السقوط في الانتخابات. كما أن هناك احتمالات واردة لإقامة أحزاب جديدة ولتشكيل ائتلافات انتخابية مستجدة. وفوق هذا كله تظهر الاستطلاعات وزنا كبيرا للذين لم يقرروا بعد. والحديث بالمجمل يدور حول ما يقارب 15 مقعدا عائما، وهي التي ستحسم الانتخابات. إن تحالف بينيت لبيد هو إعلان بدء المعركة الانتخابية، وهي ستكون حامية الوطيس ولا أحد يعرف حقا كيف ستكون نتائج الانتخابات الإسرائيلية، إذا كانت أصلا ستكون.
    نيسان ـ نشر في 2026/04/30 الساعة 00:00