ماذا لو كانت الهدنة أسوأ من الحرب؟
نيسان ـ نشر في 2026/04/30 الساعة 00:00
دخلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران شهرها الثالث وسط غموض لا أحد يعرف كيف سينتهي وإلى ماذا سيؤدي.
حالة «لاحرب ولا سلم» التي جنحت إليها الأطراف المتحاربة مريحة لمن عاش ويلات الحرب وجرّب قليلا من رعبها. لكنها مخيفة لمن ينظر أبعد قليلا من لحظته ومما حوله.
سأبقى من الذين يؤمنون بأن حالة «لاحرب لاسلم» ستستمر إلى أجل غير معلوم. وأؤمن بأن الهدنة الحالية عابرة ومؤقتة، وبأن الحرب ستستمر بأكثر من شكل ووجه، وليس بالضرورة صواريخ ومسيّرات.
نحن في منطق يمكن وصفه بـ»توقفت الحرب لكنها لم تنته». منطق تراجع فيه الطرفان عن الحرب الشاملة لكنهما لا يريدان بدء مسار سلام جاد، ولم يستطيعا تجاوز عقدة القوة والضغط. لا يريد الطرفان العودة إلى الحرب لكنهما غير مستعجلين على استئناف المفاوضات.
هذا وضع قد يكون أسوأ من حرب حقيقية قصيرة الأجل.
فليس كل صراع يُراد له أن يُحسم بسرعة. هناك حروب تخدم أصحابها ولو كلفتهم الكثير، وتخدم في كثير من الأحيان أطرافا بعيدة تتابعها مرتاحة كمن يشاهد فيلما سينمائيا.
منذ عقود، تبدو العلاقة بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى علاقة حرب مستمرة بلا إعلان رسمي – توتر مستمر، عقوبات مالية واقتصادية، واشتباكات غير مباشرة دون اقتتال شامل.
استعملت الأطراف المتحاربة كل أنواع السلاح. مرة توظيف جماعات مسلحة قوية بالوكالة. ومرة اقتتال متشعب يشمل ضربات هجينة واغتيالات، وسلاحا رخيصا (المسيّرات)، وسلاح التجويع (الحصار)، وعقوبات اقتصادية.
هذه الحرب هي فصل من فصول لعبة إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط ومن ورائها العالم كله. ستأخذ هذه اللعبة وقتها. قد تستمر 20 أو 30 سنة
منذ بدأت الهدنة الحالية وحتى الآن التزم كل طرف بحدود المطلوب، كما جرت العادة منذ سنوات. العنوان الأبرز للمرحلة لا للعودة للحرب الدامية، وفي الوقت ذاته لا تراجع عن أنواع الضغوط الأخرى. الباقي يتحرك تحت هذا العنوان. اختبار قدرة التحمل الذي نشاهده اليوم بين أطراف الحرب يندرج تحت هذا العنوان، وهو استمرار لمنطق موجود يريح جميع الأطراف: اغتيال إسرائيل (بمساعدة أمريكية) عشرات العلماء الإيرانيين لم يؤد إلى حرب حقيقية. وكذلك اغتيال الولايات المتحدة لقاسم سليماني، وغير ذلك من العمليات التي لم يسمع عنها العالم ولن يسمع. في المقابل لم تؤد الأدوار الإيرانية المهددة للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط إلى مواجهة عسكرية مع واشنطن.
لكن حرب حزيران (يونيو) 2025 كسرت دورة الحرب الصامتة. كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يبحث عن إضافة نصر مظفر آخر إلى قائمة ما حققه في السنتين السابقتين في غزة ولبنان وسوريا. وكان الرئيس دونالد ترمب يبحث عن مجد يرضي به غروره الشخصي ويُرضي به مموليه من لوبيات وجماعات داعمة لإسرائيل. فوقعت حرب الاثني عشر يوما، ومهّدت لحرب الأسابيع السبعة الأخيرة التي توقفت دون أن تنتهي.
في السابق جرت بعض معارك الحرب المفتوحة في مسارح مجاورة أبرزها العراق واليمن ولبنان. هذا المشهد يتكرر اليوم على أنقاض الحرب الأخيرة. حاليا لا يريد طرفا الحرب العودة إلى القتال، لكنهما لا يريدان وضع نهاية رسمية علنية للحرب. هذا الوضع يسمح لكل طرف أن يدّعي أنه كسب الحرب دون أن يخشى تكذيبه لأن ادعاءه من النوع الذي يمكن الدفاع عنه بسهولة. في الأثناء يملك كل طرف أوراقا تجعله مقتنعا بأنه سينتصر في نهاية المطاف وبأن الطرف الآخر سيبادر إلى رمي المنشفة. وإذا لم يبادر أحد فالوضع مريح نسبيا للطرفين ويمكنهما تحمله لفترة تحفظ كرامة وماء وجه كل طرف.
هذا ليس جيدا في هذه المرحلة من الصراع. والأسوأ، على ضوء سريان الحرب، أن كل طرف صدّق الآن بأنه قادر فعلا على ليّ ذراع الآخر وإسقاطه أرضا.
إيران تعتقد أن الإدارة الأمريكية لن تتحمل التبعات الاقتصادية العالمية للحرب. والإدارة الأمريكية تعتقد أن طهران على حافة الانهيار، وأنها ستسلم بجرعة أخرى من الضغط الاقتصادي، وأن حصار موانئها أقصر طريق إلى ذلك.
لكن العالم كله سيدفع الثمن باهظا. القريبون سيدفعون الفاتورة الأكبر، المباشرة وغير المباشرة، الآنية والبعيدة. والبعيدون سيدفعون أيضا وإنْ خفت فاتورتهم بعض الشيء.
هذه الحرب مختلفة عن الحروب السابقة. تختلف أساساً من حيث أن الطرف الرئيسي فيها (الولايات المتحدة) يخوضها، بكل ثقله العسكري واللوجستي والدبلوماسي، بالوكالة عن طرف ثالث (إسرائيل)، وبلا أهداف، أو أهداف غامضة تتغيّر كل يوم صعودا ونزولا، هذا إنْ وُجدت.
الوجه الآخر لهذه الحرب، الذي لا يقل خطورة ويدعو للاعتقاد بأنها ستطول في أكثر من شكل، أنها ليست مجرد قتال بين دولتين أو ثلاث، تنتهي عندما تنتهي ثم ينصرف كلٌّ إلى شأنه. الخطورة هنا تكمن في أن هذه الحرب هي فصل من فصول لعبة إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط ومن ورائها العالم كله. ستأخذ هذه اللعبة وقتها. قد تستمر 20 أو 30 سنة قبل أن تستقر في شكلها القريب من النهائي الذي سيتمثل في تراجع قوى وظهور أخرى جديدة، وبروز خرائط ودول جديدة، وفضاءات وتحالفات غير موجودة حاليا، ومعها طرق جديدة في تنظيم وإدارة العلاقات الدولية.
حالة «لاحرب ولا سلم» التي جنحت إليها الأطراف المتحاربة مريحة لمن عاش ويلات الحرب وجرّب قليلا من رعبها. لكنها مخيفة لمن ينظر أبعد قليلا من لحظته ومما حوله.
سأبقى من الذين يؤمنون بأن حالة «لاحرب لاسلم» ستستمر إلى أجل غير معلوم. وأؤمن بأن الهدنة الحالية عابرة ومؤقتة، وبأن الحرب ستستمر بأكثر من شكل ووجه، وليس بالضرورة صواريخ ومسيّرات.
نحن في منطق يمكن وصفه بـ»توقفت الحرب لكنها لم تنته». منطق تراجع فيه الطرفان عن الحرب الشاملة لكنهما لا يريدان بدء مسار سلام جاد، ولم يستطيعا تجاوز عقدة القوة والضغط. لا يريد الطرفان العودة إلى الحرب لكنهما غير مستعجلين على استئناف المفاوضات.
هذا وضع قد يكون أسوأ من حرب حقيقية قصيرة الأجل.
فليس كل صراع يُراد له أن يُحسم بسرعة. هناك حروب تخدم أصحابها ولو كلفتهم الكثير، وتخدم في كثير من الأحيان أطرافا بعيدة تتابعها مرتاحة كمن يشاهد فيلما سينمائيا.
منذ عقود، تبدو العلاقة بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى علاقة حرب مستمرة بلا إعلان رسمي – توتر مستمر، عقوبات مالية واقتصادية، واشتباكات غير مباشرة دون اقتتال شامل.
استعملت الأطراف المتحاربة كل أنواع السلاح. مرة توظيف جماعات مسلحة قوية بالوكالة. ومرة اقتتال متشعب يشمل ضربات هجينة واغتيالات، وسلاحا رخيصا (المسيّرات)، وسلاح التجويع (الحصار)، وعقوبات اقتصادية.
هذه الحرب هي فصل من فصول لعبة إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط ومن ورائها العالم كله. ستأخذ هذه اللعبة وقتها. قد تستمر 20 أو 30 سنة
منذ بدأت الهدنة الحالية وحتى الآن التزم كل طرف بحدود المطلوب، كما جرت العادة منذ سنوات. العنوان الأبرز للمرحلة لا للعودة للحرب الدامية، وفي الوقت ذاته لا تراجع عن أنواع الضغوط الأخرى. الباقي يتحرك تحت هذا العنوان. اختبار قدرة التحمل الذي نشاهده اليوم بين أطراف الحرب يندرج تحت هذا العنوان، وهو استمرار لمنطق موجود يريح جميع الأطراف: اغتيال إسرائيل (بمساعدة أمريكية) عشرات العلماء الإيرانيين لم يؤد إلى حرب حقيقية. وكذلك اغتيال الولايات المتحدة لقاسم سليماني، وغير ذلك من العمليات التي لم يسمع عنها العالم ولن يسمع. في المقابل لم تؤد الأدوار الإيرانية المهددة للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط إلى مواجهة عسكرية مع واشنطن.
لكن حرب حزيران (يونيو) 2025 كسرت دورة الحرب الصامتة. كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يبحث عن إضافة نصر مظفر آخر إلى قائمة ما حققه في السنتين السابقتين في غزة ولبنان وسوريا. وكان الرئيس دونالد ترمب يبحث عن مجد يرضي به غروره الشخصي ويُرضي به مموليه من لوبيات وجماعات داعمة لإسرائيل. فوقعت حرب الاثني عشر يوما، ومهّدت لحرب الأسابيع السبعة الأخيرة التي توقفت دون أن تنتهي.
في السابق جرت بعض معارك الحرب المفتوحة في مسارح مجاورة أبرزها العراق واليمن ولبنان. هذا المشهد يتكرر اليوم على أنقاض الحرب الأخيرة. حاليا لا يريد طرفا الحرب العودة إلى القتال، لكنهما لا يريدان وضع نهاية رسمية علنية للحرب. هذا الوضع يسمح لكل طرف أن يدّعي أنه كسب الحرب دون أن يخشى تكذيبه لأن ادعاءه من النوع الذي يمكن الدفاع عنه بسهولة. في الأثناء يملك كل طرف أوراقا تجعله مقتنعا بأنه سينتصر في نهاية المطاف وبأن الطرف الآخر سيبادر إلى رمي المنشفة. وإذا لم يبادر أحد فالوضع مريح نسبيا للطرفين ويمكنهما تحمله لفترة تحفظ كرامة وماء وجه كل طرف.
هذا ليس جيدا في هذه المرحلة من الصراع. والأسوأ، على ضوء سريان الحرب، أن كل طرف صدّق الآن بأنه قادر فعلا على ليّ ذراع الآخر وإسقاطه أرضا.
إيران تعتقد أن الإدارة الأمريكية لن تتحمل التبعات الاقتصادية العالمية للحرب. والإدارة الأمريكية تعتقد أن طهران على حافة الانهيار، وأنها ستسلم بجرعة أخرى من الضغط الاقتصادي، وأن حصار موانئها أقصر طريق إلى ذلك.
لكن العالم كله سيدفع الثمن باهظا. القريبون سيدفعون الفاتورة الأكبر، المباشرة وغير المباشرة، الآنية والبعيدة. والبعيدون سيدفعون أيضا وإنْ خفت فاتورتهم بعض الشيء.
هذه الحرب مختلفة عن الحروب السابقة. تختلف أساساً من حيث أن الطرف الرئيسي فيها (الولايات المتحدة) يخوضها، بكل ثقله العسكري واللوجستي والدبلوماسي، بالوكالة عن طرف ثالث (إسرائيل)، وبلا أهداف، أو أهداف غامضة تتغيّر كل يوم صعودا ونزولا، هذا إنْ وُجدت.
الوجه الآخر لهذه الحرب، الذي لا يقل خطورة ويدعو للاعتقاد بأنها ستطول في أكثر من شكل، أنها ليست مجرد قتال بين دولتين أو ثلاث، تنتهي عندما تنتهي ثم ينصرف كلٌّ إلى شأنه. الخطورة هنا تكمن في أن هذه الحرب هي فصل من فصول لعبة إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط ومن ورائها العالم كله. ستأخذ هذه اللعبة وقتها. قد تستمر 20 أو 30 سنة قبل أن تستقر في شكلها القريب من النهائي الذي سيتمثل في تراجع قوى وظهور أخرى جديدة، وبروز خرائط ودول جديدة، وفضاءات وتحالفات غير موجودة حاليا، ومعها طرق جديدة في تنظيم وإدارة العلاقات الدولية.
نيسان ـ نشر في 2026/04/30 الساعة 00:00