أسواق العمل العربية تواجه أزمة مركبة

نيسان ـ نشر في 2026/05/01 الساعة 00:00
عمّان، 1 أيار 2026 – أصدر مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية تقريرا جديدا بمناسبة يوم العمال العالمي بعنوان "أوضاع العمل في المنطقة العربية في ظل التحولات الاقتصادية والجيوسياسية"، حذّر فيه من أن أسواق العمل العربية دخلت مرحلة أكثر هشاشة، في ظل تداخل الاختلالات البنيوية المزمنة مع الصدمات الاقتصادية والجيوسياسية المتسارعة في المنطقة.
وأوضح التقرير أن أزمة العمل في العالم العربي لم تعد تقتصر على ارتفاع معدلات البطالة، بل أصبحت تشمل تراجع القدرة على خلق وظائف مستقرة ومنتجة، واتساع العمل غير المنظم، وتآكل الأجور الحقيقية، إلى جانب تفاقم هشاشة الشباب والنساء في سوق العمل. وبيّن أن هذه التطورات تأتي في سياق إقليمي شديد التعقيد، يتأثر باتساع النزاعات والحروب والاحتلال، واضطراب التجارة والطاقة، وارتفاع كلف التمويل والشحن، وتزايد حالة عدم اليقين الاقتصادي.
وبحسب التقرير، لا يزال معدل البطالة في الدول العربية من بين الأعلى عالميا، إذ يبلغ 9.5 بالمئة خلال عامي 2025 و2026، مقارنة بنحو 5 بالمئة على المستوى العالمي. واعتبر التقرير أن هذا "الاستقرار الرقمي" لا يعكس تحسنا فعليا، بل يخفي أزمة أعمق في العلاقة بين النمو والتشغيل، في ظل عجز الاقتصادات العربية عن توليد فرص عمل كافية تستوعب الداخلين الجدد إلى السوق. كما أشار إلى أن عدد المتعطلين في المنطقة يناهز 17 مليون شخص، بما يعكس حجم الضغط القائم على أسواق العمل.
ولفت التقرير إلى أن ضعف المشاركة الاقتصادية يفاقم الأزمة، إذ لا يتجاوز معدل المشاركة في القوى العاملة على المستوى الإقليمي 49.3 بالمئة، ما يعني أن نحو نصف السكان في سن العمل فقط هم داخل السوق. ورأى أن هذه المعطيات تؤكد أن المشكلة لا تكمن فقط في محدودية الوظائف، بل أيضا في ضعف قدرة الاقتصادات على توسيع قاعدة المشاركين في النشاط الاقتصادي.
وأشار التقرير إلى وجود تفاوتات واضحة بين الأقاليم الفرعية العربية. ففي حين تبقى البطالة في دول مجلس التعاون الخليجي عند مستويات منخفضة نسبيا تتراوح بين 3 و4 بالمئة، ترتفع في دول المشرق العربي إلى نحو 14–16 بالمئة، وفي دول شمال أفريقيا إلى نحو 11–12 بالمئة، نتيجة تداخل الأزمات الاقتصادية، وعدم الاستقرار السياسي، والضغوط الديموغرافية، وضعف قدرة القطاع الخاص على خلق وظائف منتجة.
وبيّن التقرير أن الشباب يظلون الفئة الأكثر تأثرا، إذ تبلغ بطالة الشباب في المنطقة 28 بالمئة، وهي من أعلى المعدلات عالميا. وأرجع ذلك إلى تعثر الانتقال من التعليم إلى العمل، وضعف المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، إلى جانب تمركز الشباب في قطاعات أكثر عرضة للصدمات مثل التجارة والخدمات والنقل والسياحة. كما حذّر من أن استمرار هذه الأوضاع يفاقم احتمالات الهجرة، أو الانخراط في أعمال غير منظمة، أو البقاء لفترات أطول خارج النشاط الاقتصادي الفاعل.
وفي ما يتعلق بالنساء، أكد التقرير أن مشاركتهن الاقتصادية لا تزال من الأدنى عالميا، إذ لم تتجاوز 19.7 بالمئة في عام 2024، مقابل 73.9 بالمئة للرجال. واعتبر أن هذه الفجوة لا ترتبط فقط بنقص الفرص، بل أيضا بعوائق مؤسسية واجتماعية واقتصادية، من بينها ضعف خدمات الرعاية، والتمييز، والفصل المهني، وفجوات الأجور، ما يؤدي إلى إقصاء اقتصادي واسع للنساء ويبدد جزءًا كبيرًا من الطاقة الإنتاجية في المنطقة.
كما حذّر التقرير من استمرار اتساع العمل غير المنظم، الذي يمثل 46.2 بالمئة من إجمالي التشغيل في المنطقة العربية، ويرتفع إلى 70.6 بالمئة في الدول غير الخليجية. وأوضح أن هذا الواقع يعكس ضعف التحول الهيكلي، وارتفاع كلفة الامتثال الرسمي، وضعف إنفاذ التشريعات العمالية، وتراجع الاستثمار في القطاعات الأكثر قدرة على خلق وظائف مستقرة.
وفي ملف الأجور، أشار التقرير إلى أن الأزمة لم تعد مرتبطة بالمستويات الاسمية للدخل فقط، بل بتآكل القدرة الشرائية بفعل التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، خاصة بعد صدمة الطاقة والشحن منذ أواخر شباط 2026. كما نبّه إلى أن استمرار فقر العاملين يكشف أن العمل نفسه لم يعد يضمن بالضرورة الخروج من الهشاشة أو تأمين مستوى معيشة كافٍ.
واختتم مركز الفينيق تقريره بالتأكيد على أن مواجهة هذه الأزمة تتطلب إعادة توجيه السياسات الاقتصادية نحو نموذج تنموي أكثر قدرة على خلق عمل لائق، مع الدعوة إلى تبني هدف تشغيلي واضح في السياسات الاقتصادية، وإطلاق برامج موجهة لتشغيل الشباب، وتوسيع مشاركة النساء، ووضع مسارات انتقال تدريجي من العمل غير المنظم إلى المنظم، إلى جانب حماية الأجور الحقيقية وتوسيع الحماية الاجتماعية والاستثمار في المهارات الرقمية لمواجهة التحولات التكنولوجية المقبلة.
    نيسان ـ نشر في 2026/05/01 الساعة 00:00