المسألة الإيرانية وإشكاليات الموقف العربي منها

مالك التريكي
نيسان ـ نشر في 2026/05/02 الساعة 00:00
تضع الأزمة المستمرة منذ أكثر من شهرين المواطن العربي في موقف غير مريح يغلب عليه التوتر بين موقف التضامن مع شعوب الخليج والعراق والأردن ضد العدوان الإيراني المتكرر على أوطانها وبين موقف الإعجاب بقدرة إيران، هذه الدولة العالمثالثية الشرقية المسلمة، على الصمود ضد العدوان المزدوج الذي شنته عليها كل من القوة العسكرية العالمية الكبرى (الولايات المتحدة) والقوة العسكرية الإقليمية الكبرى (إسرائيل). ورغم تعقيدات الوضع والتباس الصورة، فالملاحظ أن كثيرا من العرب حريصون على تكوين آراء مستقلة ومتوازنة من المسألة الإيرانية بناء على ما يقرأون من معلومات دقيقة وتحليلات عميقة (بخلاف عرب آخرين يراكمون مجرد ظنون وانطباعات اعتمادا على مصادفات الفرجة التلفزيونية وما يقوله مُجادلوها العابرون في جدال عابر).
ونظرا إلى أن دقة المعلومة عادة ما تدعم استقلالية الرأي، فإن هؤلاء المواطنين العرب لا يمضون في الاستياء من عدوان إيران على جاراتها العربية إلى حد إغفال حقيقة أن إيران لم تكن هي البادئة بالحرب على الأمريكيين والصهاينة، كما أنهم لا يمضون في الإعجاب بقدرة إيران على الصمود إلى حد إغفال بضع حقائق أساسية تتعلق بموقفها الإشكالي من جوارها العربي الإسلامي. ولعل أوضح هذه الحقائق وأبسطها أنه لا بد من تعطيل المنطق البشري تماما حتى يمكن للمرء أن يزعم أن الثأر من الأمريكيين والصهاينة لا يكون إلا بمهاجمة البلدان العربية (!) خصوصا أن بينها بلدانا أوفت على الغاية في مسالمة إيران ومهادنتها والإثبات المستمر لطيب النيات نحوها والتزام حسن الجوار معها. أما أثبتُ هذه الحقائق صلة بالتاريخ المعاصر فهي أن إيران لم تكفّ منذ عام 1979 عن محاولات تصدير ثورتها لبقية البلدان العربية والإسلامية، وصولا إلى المغرب العربي وبلدان إفريقيا الغربية، وأن هذه المحاولات قد تطورت وتنوعت واتخذت أشكالا شتى من التدخل في شؤون الدول العربية لم يكن التفاخر العلني بالسيطرة على أربع عواصم عربية إلا أحد تجلياتها.
تضع الأزمة المستمرة منذ أكثر من شهرين المواطن العربي في موقف غير مريح يغلب عليه التوتر
ولعل السبب الأول في إشكالية موقف إيران من جوارها لا يكمن في أن ثورتها (التي لم تكن شيعية حصرا في بداية الأمر بل شملت مختلف القوى السياسية والفكرية، خصوصا اليسارية منها) أفرزت دولة شيعية في عرض محيط سني واسع، بل في تمخضها عن دولة ولاية الفقيه الذي يعلو على كل المؤسسات والذي يرجع إليه الأمر في جميع الشؤون الدينية والدنيوية. وولاية الفقيه هذه بدعة دينية-سياسية لا من المنظور الإسلامي العام فحسب، بل إنها بدعة من المنظور الشيعي ذاته لأن فيها خروجا على ما استقر عليه الفقه الشيعي من أصول على مدى القرون. ولذلك فإن من المرجعيات الشيعية العربية، مثل الشيخ حسين فضل الله والشيخ محمد مهدي شمس الدين رحمهما الله، من لم يعترف بهذه العقيدة السياسية-الثيولوجية التي ينسى أو يتناسى الكثيرون أنها من عنديّات الخميني. وقد كان لعقيدة ولاية الفقيه التي أخذ بها النظام بعد إطاحة الشاه الدور الأكبر في تحييد شخصية إيران الإسلامية المنفتحة في مقابل تكريس شخصية إيران التوسعية الشيعية المتماهية مع شخصيتها الإحيائية الفارسية.
وإذا صح ما ذكرته النيويورك تايمز أخيرا عن تحول نظام ولاية الفقيه إلى نظام عسكري بقيادة الحرس الثوري، فإنه يصح القول إن الخليج والشرق الأدنى سيظلان عرضة للاضطرابات والتقلبات. إذ ليس من باب التبرير للمطبعين العرب التذكير بالحقيقة البسيطة: وهي أن شدة خوف بعض الأنظمة العربية من النظام الإيراني هي التي أنشأت لديها الوهم الضالّ بأن عدو العدو (إسرائيل) هو نعم الصديق! (تماما كما أن شدة توجس النظام المغربي من استماتة عساكر الجزائر في الدفاع طيلة نصف قرن عن قضية لا تخصهم لا من قريب ولا من بعيد هي التي انتهت آخر الأمر بحمله على التطبيع، بل الإيغال فيه، رغما عن إرادة الشعب المغربي). على أن أول الدروس التي يمكن للأنظمة العربية استخلاصها (لو أرادت) من التجربة الإيرانية هو درس الاستقلالية. إذ يمكن انتقاد النظام الإيراني من عدة وجوه، ولكن لا يمكن الادعاء بأن إرادته مرتهنة للخارج! أما الدرس الثاني فهو محاولة التقليل من تبذير الأموال الطائلة على التطاول في البنيان والتنافس في الترفيه وشتى ألوان اللعب؛ والسعي بدل ذلك كله للاستثمار، أسوة بإيران (وتركيا)، في البحث العلمي الذي لا نهضة للأمم إلا به.
    نيسان ـ نشر في 2026/05/02 الساعة 00:00