ترامب: وقفة مع محاولة الاغتيال

د. مدى الفاتح
نيسان ـ نشر في 2026/05/05 الساعة 00:00
سواء كان ترامب هو رئيسنا المفضل أم لا، فنحن لا نستطيع أن ننكر قوته وتأثيره، فبقرار من سيد البيت الأبيض يمكن أن ينتهي التوتر في الخليج، أو أن تزداد الحرب ضراوة، وبمنشور أو تصريح منه على وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يتغير سعر الذهب والنفط والدولار. هذا هو ما يحدث حالياً فعلاً، حيث تتغير معادلات التداولات التجارية، ويحدث اضطراب في البورصات العالمية لمجرد تعبيره عن التشاؤم أو التفاؤل بشأن مسار التفاوض.
هذا كله يمنح ما حدث قبل أيام من محاولة اغتيال أهمية كبيرة، فإذا كان اغتيال رئيس عادي لدولة مغمورة من دول العالم حدثاً يستحق المتابعة، فما بالك بمحاولة اغتيال رئيس الدولة الأكبر والأهم، التي يفترض أنها تمتلك الموارد الكافية لتوفير الأمن والحماية لشخصيّاتها المهمة.
صحيح أن الموظفين الأمنيين قد تحركوا بسرعة لتطويق المهاجم المسلح ولضمان عدم إصابة أي مسؤول، وهو ما جعل الرئيس دونالد ترامب يشيد بأدائهم ومهنيتهم، إلا أنه يظل من الغريب أن يحدث اختراق أمني على هذا المستوى في الولايات المتحدة، وفي لقاء كان يجمع أهم شخصيات الإدارة الأمريكية مع نخبة من كبار المراسلين والإعلاميين. نضع في الاعتبار هنا أن ترامب، الذي يظهر وكأنه محاط بالعناية الإلهية، نجا من أربع محاولات اغتيال سابقة، ما كان يفترض أن يجعل مسألة حمايته أولوية، خاصة مع تزايد أعداد أعدائه وكارهيه.
ترامب يرى أن محاولات الاغتيال دليل على التأثير والنجاح، لأنه لا يتم إلا استهداف الشخصيات الأكثر أهمية، والتي استطاعت أن تحقق كثيراً من الإنجازات
الذي حدث كان العكس تماماً، حيث سمح لمطلق النار أن يقترب من هذا التجمع المهم مسلحاً، من دون أن يمر على أي تدقيق. كانت الخطة التي وضعها شديدة البساطة، ومبنية على أن الحرس سوف يقومون بتأمين الفندق مكان اللقاء من الخارج وسيكتفون بمراقبة الواصلين، لكن قد لا ينتبهون إلى فرضية أن هجوماً يمكن أن يحدث من قبل نزيل في الفندق، وهو ما حدث. سيحكي المهاجم الشاب عن كل ذلك، وسوف نقرأ بيانه الغاضب، الذي يتحدث فيه على ترامب، الذي يصفه بالبيدوفيلي والمغتصب، وعن أفراد الإدارة الحالية، الذين يذكرهم بتفصيل، والذين كان يؤمن بأنهم يستحقون الموت جميعاً. أسئلة كثيرة تتفرع هنا حول ما إذا كان الأمر يدل على اختراق أمني، فهل غابت هذه الخطة البسيطة عن انتباه العناصر الأمنية فعلاً، أم أن الأمر كله ليس سوى مسرحية لكسب التعاطف؟ الحقيقة هي أن التعاطف حدث فعلاً عبر استبدال حالة عدم الارتياح بين الصحافة والرئيس، الذي ربما كان يخطط لأن يقلل في كلمته من شأن الصحافيين، بحالة من التضامن والتوحد غير المسبوق. ترامب، الذي أظهر بدوره ثباتاً انفعالياً ورباطة جأش نادرة، كان قد صرح بعد وقت قصير من الحادثة قائلاً، إن هذه المهنة (الرئاسة) خطرة، وإن أحداً لم يخبره بذلك من قبل. البعض وجد في هذا التصريح مادة للسخرية، معتبرين أن فيه تدليلاً على الجهل بالتاريخ الأمريكي، الذي تعرض فيه الرؤساء لمحاولات اغتيال كثيرة، بدأت منذ عام 1835 حينما حاول أحدهم اغتيال الرئيس السابع أندرو جاكسون، بل إن رونالد ريغان تعرض إبان رئاسته لحادثة اغتيال مماثلة في الفندق نفسه. إلا أن الأهم من استدعاء التاريخ هو أن ترامب استطاع أن يستعيد مكانته كرئيس قوي في وقت كان بدأ يفقد فيه شعبيته حتى بين أنصاره من جماعة «ماغا».
يؤمن ترامب، الذي وصل لهذا المنصب بدعم من البيض البروتستانت المسيحيين، ومما يعرف بحزام الإنجيل، بأن الله وضعه في هذا المكان من أجل تنفيذ مهمة مقدسة، وهي إعادة ترتيب السياسة الأمريكية وتطهير البلاد من فساد مؤسساتها. هذه العقيدة المتعلقة بالمهمة الإلهية تفسر لنا وصف ترامب لمطلق النار بأنه ضد المسيحية، لكونه يريد تعطيل مهمة كلفه بها الرب. في محاولة لاستغلال الحادثة لصالحه قال ترامب إن محاولات الاغتيال دليل على التأثير والنجاح، لأنه لا يتم إلا استهداف الشخصيات الأكثر أهمية، والتي استطاعت أن تحقق كثيراً من الإنجازات. برأيه فإن الرؤساء، الذين لم يفعلوا شيئاً، لا يصيبهم شيء. في الواقع فإن أنصار ترامب ليسوا وحدهم المؤمنين بأن الله هيأهم لمهمة، ولكن ناشطين في الجبهة الديمقراطية المنافسة أيضاً، باتوا يؤمنون بأنه قد صار لديهم واجب تجاه دولتهم يحتم عليهم أن يعملوا بكل السبل على إيقاف ما يعتبرونه النهج المدمر للرئيس، حتى إن كان ذلك عن طريق استخدام العنف لوقف تقدم اليمينيين المتطرفين. قاد هذا الحماس الديمقراطي قبل فترة قصيرة، إلى اغتيال المؤثر الجمهوري شارلي كيرك وهو يقود اليوم هذا الشاب المتأثر، على ما يبدو، بخطابات تبرير العنف والكراهية للإقدام على فعلته ومحاولة التخلص من الرئيس. وقد قاد الانتباه لهذا النزوع للعنف عند طرفي المعادلة السياسية الأمريكية لولادة مصطلح «الجيل الضائع»، والمقصود به الجيل الجديد، الذي يواجه مشكلة الانتماء وفقدان الأمل. هذا الجيل يعلم أنه بانتظار مستقبل صعب ومجهول، وأن بلاده لم تعد بلد الفرص وتحقق الأحلام كما كانت، وأن مساحة الرفاه، التي كانت متوفرة للأجيال السابقة، في طريقها للانحسار.
في محاولته لمواجهة كل ذلك وإعادة تفسيره ينحاز أبناء هذا الجيل لنظرية المؤامرة وللتفسيرات غير التقليدية، من قبيل ما يذهب إليه اليمينيون الغربيون من تحميل الآخر، الوافد إلى البلاد، أو الآخر بمعنى المغاير، حمل انحسار الأحلام وتعقيدات الواقع الاقتصادي، أو من قبيل ما يحدث في الاتجاه اليساري المعاكس، الذي يعتبر أن اليمين الشرير والأفكار القومية، المرتبطة بالانغلاق وباستسهال خوض الحروب، هي السبب في ما يحدث من تدهور من خلال إضاعة الموارد والطاقات في معارك لا مبرر لها. الشاب المسلح متخصص في هندسة الحاسوب وفي تصميم ألعاب الفيديو. يذكّر هذا بما يذهب إليه بعض المحللين، من أن أحد أسباب وقوع الشباب الأمريكي اليوم في فخ العنف والنظريات المؤامراتية ولعهم بألعاب الفيديو، التي تجعلهم منخرطين لساعات في عالمٍ موازٍ مبني على رواية خادعة تتحدث عن معركة صفرية بين خير وشر، يتوجب فيها على ممثل الخير أن ينتصر بأي ثمن عبر إزاحة الشر والقضاء عليه. هذا العامل الجديد يفسر سر الاندفاع إلى العنف، فوفق نظرة هؤلاء «اللاعبين»، فإنه يجب أن لا ننتظر حتى تنتهي فترة ترامب من أجل أن نزيحه، بل يجب التدخل في أسرع وقت. أما التصور الذي يملكه هؤلاء للتغيير، الذي يجب أن يحدث بعد هذه الإزاحة، فهو تصور غير ديمقراطي لا مكان فيه للتصويت أو الاستفتاء، حيث يرون أنه يجب تعديل كل ما قام به الرئيس الشرير، مما لا يوافق هواهم بجرة قلم.
لم يتم الربط بين الشاب صاحب محاولة الاغتيال الأخيرة وأي اتجاه سياسي، كان هذا مهماً لأنه يبرئ مؤسسات الحزب الديمقراطي من تهمة تحريض منسوبيه على العنف، خاصة بعد الاحصائية المخيفة، التي تم إعلانها قبل أشهر، والتي تقول إن ثلاثين في المئة من الأمريكيين من الديمقراطيين، الذي هم الصوت العقلاني والمنفتح في الولايات المتحدة، لا يرون بأساً في استخدام العنف لفرض آرائهم. تتمثل الخطورة في أن تلك النتيجة تعني أن حوادث مثل محاولة الاغتيال قد تتكرر مرة بعض مرة خلال الفترة القادمة.
    نيسان ـ نشر في 2026/05/05 الساعة 00:00